العمل الأهلي العربي بين ضغوط التغيرات العالمية واحتمالات التحول الديمقراطي
2 يناير 2009 - 5 محرم 1430 هـ( 1405 زيارة ) . ( رسالة )
قراءة: كمال حسن
 
تخلص الدكتورة هويدا عدلي ــ أستاذ الاجتماع السياسي  بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية بالقاهرة، والناشطة في العمل الأهلي ـ في دراستها الأكاديمية الجادة  "العمل الأهلي العربي بين ضغوط التغيرات العالمية واحتمالات التحول الديمقراطي" لحالة تفاؤل بأوضاع مؤسسات المجتمع المدني في العالم العربي؛ نتيجة تغيرات عالمية يتعلق بعضها  بانحسار دور الدولة أو رغبة كثير من الحكومات العربية في إشراك القطاع الأهلي في عملية التنمية بجانب القطاعين الحكومي والخاص، من خلال إجراء بعض التعديلات على قوانين الجمعيات الأهلية القديمة، في ظل اهتمام دولي بالمنظمات الأهلية، والسعي لتفعيلها ودعمها؛ لتمكينها من القيام بدور فاعل في خدمة المجتمع. لكنها لم تُفْرِط كثيرا في التفاؤل؛  لأن الأوضاع والتغيرات العالمية ـ من وجهة نظرها ـ ليست كافية لدَمَقْرَطَة العمل الأهلي في العالم العربي ليكون عملا مؤسسيا مستقلا عن الوصاية الحكومية، وإن كانت تلك التغيرات  تعد بيئة مواتية تحتاج لشروط جوهرية أخرى كي  ينعكس  التحول الديمقراطي على مسارات واتجاهات العمل الأهلي.
 
وترى الباحثة أن التجارب العربية  في العمل الأهلي و انتظارها  للتحول الديمقراطي من أعلى لم تؤت ثمارها على الإطلاق، ولم تؤد لحدوث نقلة كيفية تجاه الديمقراطية على المستوى الإجرائي، وكذلك القيمي؛ لاستراتيجيات حكومية تمزج بين المنع والتقييد، والمنح والترغيب، وكذلك الاستبعاد والإدماج، بجانب  ضعف  مؤسسات المجتمع المدني، وعجزها  عن استثمار مواردها، و غياب الهدف لدى عديد من منظمات هذا المجتمع.
 
و تتناول الورقة عدداً من النقاط، منها:
 
1- التغيرات العالمية ذات الأثر المباشر على العمل الأهلي العربي منذ أوائل التسعينات.
 
2- محددات التحول الديمقراطي، ومدى توافرها في الواقع السياسي المصري  والعربي.
 
3- أحوال الجمعيات الأهلية على ضوء ما سبق.
 
وتتطرق الدكتورة هويدا في تحليها لجزئية  التغيرات العالمية ذات الأثر المباشر على العمل الأهلي العربي إلى رصد التحولات الجذرية في شكل النظام العالمي منذ التسعينات،  والتي بدأت  بسقوط حائط برلين، ثم انهيار الاتحاد السوفيتي وكتلة الدول الاشتراكية، وانتهاء عصر الحرب الباردة. وهكذا عاش العالم حالة مختلفة تماماً عما ساد منذ عام 1945.  
 
ترصد الباحثة عدداً من التحولات العالمية الهامة ذات الصلة بأوضاع المنظمات غير الحكومية، منها: السعي لتشييد نظام اقتصادي جديد على مستوى العالم يستند لنظام السوق الرأسمالي، ودلالة هذا المباشرة هو انحسار دور الدولة في تحديد نمط التنمية، بجانب مراجعة المفاهيم الكلاسيكية للتنمية، وتزايد الاهتمام العالمي بالديمقراطية، والتحول الديمقراطي،  بجانب النمو الكبير في أعداد المنظمات الطوعية، حيث حدثت  في العشرين عاماً السابقة طفرة كمية وكيفية في المنظمات الطوعية؛ فقد ازداد عددها زيادة كبيرة، كما اتسع مجال نشاطها ليشمل شتى مجالات الحياة الإنسانية؛ التنمية الاجتماعية والاقتصادية والبيئية، والسلام، والديمقراطية، وحقوق الإنسان، والمساواة بين الجنسين، والفقر، وخدمة القطاعات غير القادرة. ولم تقتصر التغيرات على مجرد النمو الكمي وتنوع الأنشطة، بل امتد التغيير إلى المفاهيم والفلسفة التي تحدد توجهات القطاع الأهلي، فبعد أن كان مفهوم الرعاية الاجتماعية والعمل الخيري أهم منطلقات هذا القطاع، بدأ يتم طرح مفاهيم جديدة مثل: التنمية، والمشاركة الشعبية، والتمكين، كما اتضح السعي للتأثير على صنع السياسات.
 
تعاظم المؤسسات الأهلية
وتضرب الدكتورة هويدا أمثلة حية على تعاظم المؤسسات الأهلية وتنوع أدوراها بما هو قائم في الولايات المتحدة الأمريكية؛ إذ يوجد 14 مليون مؤسسة أهلية، تقدر أصولها المالية بـ 500 مليار دولار، وتسهم بما مقداره 6% من إجمالي الناتج القومي الأمريكي، كما توفر حوالي 11% من مجموع فرص العمل. كما  بدأت المؤسسات الأهلية تلعب دوراً مؤثراً وملموساً في تحقيق التنمية في دول جنوب شرق آسيا وأمريكا اللاتينية وبعض دول إفريقيا، خاصة بعد التحول نحو اقتصاديات السوق، حيث أدرك المجتمع الدولي أهمية القطاع الأهلي في التنمية، وتضاعف عدة مرات حجم المعونات المقدمة له؛ إذ ارتفع نصيب هذا القطاع من إجمالي المعونة الدولية من مليار دولار عام 1970 إلى 20 مليار دولار  في السنوات الأخيرة.
 
وتؤكد اتجاهاً عالمياً نحو تعبئة الجهود التطوعية وتوظيفها لخدمة عملية التنمية الاجتماعية والاقتصادية بعد انحسار دور الدولة، وأصبحت المنظمات الدولية ـ سواء وكالات الأمم المتحدة، أو المنظمات الدولية غير الحكومية، أو الحكومات ـ تتوجه مباشرة نحو المنظمات الطوعية بعيداً عن الدولة؛ على اعتبار أنها أقدر على الاتصال بالجماهير على مستوى القاعدة، والتعرف على مشكلاتها، والتعامل معها. كما برز السعي لإقامة شبكات دولية وإقليمية تضم الجمعيات الأهلية ومنظمات التمويل؛ بهدف تعظيم التأثير. بل أمتد الأمر إلى وجود منتدى للمنظمات غير الحكومية في كل المؤتمرات الدولية منذ 1992، بجانب المنتدى الحكومي، بما يمكن هذه المنتديات غير الحكومية من إعلان مواقفها، وتعبئة الجهود الدولية وراءها، والتأثير على حكوماتها، و ـ أيضاً ـ على المجتمع الدولي.(مؤتمر قمة الأرض بالبرازيل 1992– المؤتمر العالمي لحقوق الإنسان في فيينا 1993– المؤتمر العالمي للسكان والتنمية بالقاهرة 1994– المؤتمر العالمي للمرأة ببكين 1995 ـ قمة العالم للتنمية الاجتماعية بكوبنهاجن 1995. 
 
إيجابيات عديدة للجمعيات العربية
وعن واقع الجمعيات الأهلية العربية من حيث  العلاقة بالدولة و الأوضاع الداخلية ترصد الدراسة عدداً من الإيجابيات أو الفرص والمكاسب التي من الممكن تعظيمها.
 
ومن أبرز الإيجابيات أو الفرص: الثقل الكبير الذي تتمتع بها الجمعيات الأهلية ضمن فصائل المجتمع المدني الأخرى؛ فهي أكبر فصائل المجتمع المدني من حيث العدد بعد حدوث طفرة بدءاً من عام 1978 في أعداد الجمعيات، فقد كان عددها 8.040 جمعية، ارتفع إلى 11.471 في عام 1985، ثم إلى 14.162 جمعية في 1994، حتى وصل الآن إلى ما يقرب من 15 ألف جمعية عام 2000، وهذا دلالته أن هناك حاجة مجتمعية لهذه الجمعيات من ناحية، وأن الدولة واعية إلى أهمية وجود الجمعيات الأهلية كمتلقٍّ لضحايا الإصلاح الاقتصادي من ناحية أخرى. ويلاحظ أن الخطاب الرسمي للنظام السياسي دأب على التأكيد على الدور الخدمي والرعائي للجمعيات الأهلية.
 
وتكشف الدراسة عن اتساع نشاط ومجال اهتمام عديد من الجمعيات الأهلية لتتجاوز مجرد العمل الخيري وتقديم الخدمة والإعانة إلى الاضطلاع بمهام دفاعية مثل: حقوق الإنسان، والمرأة والبيئة، وحرية الفكر والاعتقاد.  كما تميزت الجمعيات الأهلية عن باقي منظمات المجتمع المدني بأنها أكثر تماساً والتصاقاً بالطبقات الشعبية والفقراء والمهمشين، فإذا كانت التنظيمات الأخرى تعبر عن فئات متبلورة ومعروفة حدودها مثل: الطبقة الوسطى بالنسبة للنقابات المهنية، أو الطبقة العمالية بالنسبة للنقابات العمالية، وغيرها، فإن الجمعيات الأهلية يفترض أن تكون أكثر تعبيراً عن هؤلاء الذين يصعب وصفهم وتصنيفهم.
 
وتستعين الباحثة بدراسة ميدانية أجرتها الناشطة المصرية  شهيدة الباز على عينة من الجمعيات الأهلية في العالم العربي لتكشف غياب الوعي الجماهيري  بضرورة تحقيق استقلالية العمل الأهلي، بل كان تقييم المبحوثين للقوانين القائمة إيجابيا في مجمله بواقع 65 % في حالة مصر، 84 % في حالة المغرب، 78 % في حالة السودان، 96.6 % في حالة تونس، من العينة،  وهو ما يعني أن قضية استقلالية العمل الأهلي ليست مطروحة على أجندة العمل الأهلي العربي بصورة ملحة، وربما مبعث ذلك أن هذه الفئة من الجمعيات التي تطرح هذه القضية هي المنظمات الدفاعية في الغالب، والتي لا تمثل سوى نسبة ضئيلة للغاية وسط الكم الهائل من المنظمات الخيرية والرعائية والخدمية.
 
تحولات مهمة للعمل الأهلي العربي
وعن الأوضاع الداخلية للقطاع الأهلي تؤكد الدراسة تحول علاقة المنظمات الأهلية بالفئات المستهدفة، فبعد أن كانت المنظمات تقوم بتحديد احتياجات الجماعة التي تخدمها وفقاً لما تراه، أصبح هناك حديث عن ضرورة مشاركة الفئات المستفيدة والمستهدفة في تحديد احتياجاتها، واختيار وسائل تحقيق هذه الأهداف، وهو ما يطلق عليه المشاركة القاعدية، والتي تهدف إلى تحويل المستفيدين من متلقين للمساعدة والخدمة إلى فاعلين.   
 
وفيما يلي نص الدراسة:
هلت أوائل التسعينات برياح تغيير قوية، اختلطت مشاعر التفاؤل والتشاؤم تجاهها لدى بلدان الجنوب. ففي حين كان السعي الدؤوب لترسيخ نظام السوق كنظام اقتصادي عالمي مبعث على التشاؤم، كان محور التفاؤل والأمل أن يمتد التحول الديمقراطي – أو ما أطلق عليه "صامويل هنتجتون" الموجة الثالثة للديمقراطية – إلى مزيد من بلدان الجنوب.
 
وقد دفع هذا التفاؤل عديداً من الباحثين والمهتمين لإقامة علاقة ارتباطية إيجابية مبسطة بين ما حدث من تغيرات عالمية وبين حدوث تحول ديمقراطي، وكأن التحول الديمقراطي مرهون ـ فقط ـ بضغوط وتغيرات عالمية، بغض النظر عن العوامل الداخلية الدافعة للتحول، وأيضاً المثبطة له.
 
إن دراسة العلاقة بين التغيرات العالمية الراهنة والتحول الديمقراطية في العالم العربي، وبالتحديد ما يتعلق بالمجتمع المدني والعمل الأهلي، مسألة معقدة، ولا تخضع لهذه الافتراضات المبسطة.
 
تسعى هذه الورقة إلى الإجابة على تساؤل رئيسي، وهو: هل التغيرات العالمية الضاغطة نحو مزيد من التحول الديمقراطي سوف تؤدي إلى دمقرطة العمل الأهلي العربي بالفعل؟ وإن كان هذا صحيحاً بدرجة أو بأخرى، ما حدود هذا، وما هي أهم المحددات الأخرى الداعمة والدافعة لذلك؟
 
إن طرح هذا التساؤل يثير بالطبع تساؤلاً آخر أكثر اتساعاً، وهو: لماذا تتأرجح النظم السياسية العربية في طريق التحول الديمقراطي ما بين تقدم قليل ونكوص وتراجع كبير؟ فعلى سبيل المثال بدأت مصر تجربة انفتاح سياسي مقيد منذ أكثر من عشرين عاماً، كان للانتكاسات فيها الغلبة على الانتصارات.
 
تتناول الورقة عدداً من النقاط:
 
1- التغيرات العالمية ذات الأثر المباشر على العمل الأهلي العربي منذ أوائل التسعينات.
 
2- محددات التحول الديمقراطي، ومدى توافرها في الواقع السياسي المصري  والعربي.
 
3- أحوال الجمعيات الأهلية على ضوء ما سبق.
 
أولاً: التغيرات العالمية:
شهدت أواخر الثمانينات وأوائل التسعينات تحولات جذرية في شكل النظام العالمي، بدأت بسقوط حائط برلين، ثم انهيار الاتحاد السوفيتي وكتلة الدول الاشتراكية، وانتهاء عصر الحرب الباردة. وهكذا عاش العالم حالة مختلفة تماماً عما ساد منذ عام 1945. فقد كان النظام العالمي القديم يسيطر عليه الصراع السياسي والفكري الحاد والعنيف بين الرأسمالية والاشتراكية. كما كان يتسم الوضع الدولي بالثبات النسبي. وبين العالمين الأول والثاني كان يقع العالم الثالث الذي يذخر بثقافات متعددة ومتباينة، وأيضاً نظم سياسية مختلفة، وإن كان يجمع بين أقطاره تدني المستوى الاقتصادي، وقصور البنية التكنولوجية، وضعف الإنتاج، وزيادة السكان. خلاصة القول: انتقال الوضع العالمي من الثبات النسبي الذي ميز التفاعلات الدولية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى 1989 إلى حقبة تاريخية مختلفة تماماً تتسم بالسيولة التي لا تحكمها ضوابط معينة(1).
 
يمكن رصد عدد من التحولات العالمية الهامة ذات الصلة بأوضاع المنظمات غير الحكومية:
 
السعي لتسييد نظام اقتصادي جديد على مستوى العالم، يستند لنظام السوق الرأسمالي. ودلالة هذا المباشرة هو انحسار دور الدولة في تحديد نمط التنمية الذي تتبعه، فمساحة الاختيارات الوطنية أصبحت محدودة في ضوء الضغوط المفروضة من الفواعل الدولية المختلفة، سواء منظمات ومؤسسات مالية دولية، أو الدول المانحة. وبالفعل تعرض دور الدولة لمراجعة رئيسية سواء في النظم الرأسمالية، حيث كانت الدولة تقوم بدور أساسي في سياسة الرفاهة الاجتماعية أو النظم الاشتراكية، إذ كانت تقوم الدولة بإدارة كافة أوجه الحياة الاقتصادية والاجتماعية، وفي الدول النامية حيث تضطلع الدولة بدور أساسي في عملية التنمية. وفي إطار مراجعة دور الدولة سلطت الأضواء على الجمعيات الأهلية والمنظمات غير الحكومية أو القطاع الثالث ـ كما يحلو للبعض أن يطلق عليه؛ فقد أصبحت هذه المنظمات قادرة على أن تحل محل الحكومة في الإنفاق على جزء كبير من برامج الرفاهية الاجتماعية في الولايات المتحدة الأمريكية وبعض دول أوروبا الغربية. كما تحولت إلى فاعل هام من ضمن قوى المجتمع المدني المناضلة من أجل التحول الديمقراطي في أوروبا الشرقية. أما في البلدان النامية، فإنها تقوم بدور هام لمواجهة الآثار السلبية المترتبة على سياسات الاندماج في السوق الرأسمالي العالمي، مثل: زيادة نسبة السكان تحت خط الفقر، وارتفاع معدلات البطالة(2).
 
مراجعة المفاهيم الكلاسيكية للتنمية:
أدت النتائج المتواضعة التي حققتها خطط وبرامج التنمية واسعة النطاق، والتي قامت بها الحكومات لتحقيق التغيير المجتمعي السريع، إلى إعادة النظر في المفاهيم الكلاسيكية للتنمية. فالتنمية الكلاسيكية لم تصل آثارها للمستويات المحلية والقاعدية، ولم تتح الفرصة لقوة الإبداع أن تظهر(3). ولذا بدأ الحديث عن ضرورة تنمية القدرات البشرية، وتشجيع المشاركة على المستوى المحلي، والتركيز على إشباع الاحتياجات الأساسية للمواطنين. وقد برزت في هذا الإطار مصطلحات جديدة، مثل: التمكين، والتنمية المتواصلة، والحركات الشعبية(4). كما تبلورت استراتيجيات تنموية جديدة تعتمد في تنفيذها على فاعلين من ممثلي الحكومات، ورجال الأعمال، والمنظمات غير الحكومية، والفاعلين المحليين أيضاً.
 
تزايد الاهتمام العالمي بالديمقراطية والتحول الديمقراطي:
شهد العقد الأخير اتجاهاً نحو إرساء قيم التعددية السياسية والحزبية، واهتماماً بتفعيل المشاركة السياسية، وتأكيداً على قيم المساءلة والشفافية والتنافس. وبالطبع كان وراء ذلك حدوث موجات واسعة من التحول من النظم السلطوية إلى نظم تعددية، أو ما أطلق عليه الموجة الثالثة للديمقراطية(6). كما برز مفهوم المجتمع المدني بروزاً واضحاً في هذا العقد الأخير، وتميز بدوره النضالي، فقد تحدى المواطنون النظم السلطوية في حركات احتجاجية واسعة النطاق، ليس بصفتهم أفرادا، ولكن كأعضاء حركات طلابية ونسوية ومنظمات أهلية ومهنية ونقابات عمالية…(7).
 
النمو الكبير في أعداد المنظمات الطوعية:
حدثت في العشرين عاماً السابقة طفرة كمية وكيفية في المنظمات الطوعية؛ فقد ازداد عددها زيادة كبيرة، كما اتسع مجال نشاطها ليشمل شتى مجالات الحياة الإنسانية؛ التنمية الاجتماعية والاقتصادية والبيئية، والسلام، والديمقراطية، وحقوق الإنسان، والمساواة بين الجنسين، والفقر، وخدمة القطاعات غير القادرة(8). ولم تقتصر التغيرات على مجرد النمو الكمي وتنوع الأنشطة، بل امتد التغيير إلى المفاهيم والفلسفة التي تحدد توجهات القطاع الأهلي، فبعد أن كان مفهوم الرعاية الاجتماعية والعمل الخيري أهم منطلقات هذا القطاع، بدأ يتم طرح مفاهيم جديدة مثل: التنمية، والمشاركة الشعبية، والتمكين. كما اتضح السعي للتأثير على صنع السياسات(9).
 
وربما يكون من أبرز النماذج للنمو الكبير للجمعيات التطوعية ما هو قائم في الولايات المتحدة الأمريكية؛ إذ يوجد 14 مليون مؤسسة أهلية، تقدر أصولها المالية بـ 500 مليار دولار، وتسهم بما مقداره 6% من إجمالي الناتج القومي الأمريكي، كما توفر حوالي 11% من مجموع فرص العمل. وقد بدأت المؤسسات الأهلية تلعب دوراً مؤثراً وملموساً في تحقيق التنمية في دول جنوب شرق آسيا وأمريكا اللاتينية وبعض دول إفريقيا، خاصة بعد التحول نحو اقتصاديات السوق.
 
ولقد أدرك المجتمع الدولي أهمية القطاع الأهلي في التنمية، وتضاعف عدة مرات حجم المعونات المقدمة له؛ إذ ارتفع نصيب هذا القطاع من إجمالي المعونة الدولية من مليار دولار عام 1970 إلى 16 مليار دولار عام 1997(10).
 
خلاصة القول، إن هناك اتجاهاً عالمياً نحو تعبئة الجهود التطوعية وتوظيفها لخدمة عملية التنمية الاجتماعية والاقتصادية بعد انحسار دور الدولة وإعادة النظر في المفاهيم الكلاسيكية للتنمية. كما أصبحت المنظمات الدولية ـ سواء وكالات الأمم المتحدة، أو المنظمات الدولية غير الحكومية، أو الحكومات ـ تتوجه مباشرة نحو المنظمات الطوعية بعيداً عن الدولة على اعتبار أنها أقدر على الاتصال بالجماهير على مستوى القاعدة، والتعرف على مشكلاتها، والتعامل معها(11). كما برز السعي لإقامة شبكات دولية وإقليمية تضم الجمعيات الأهلية ومنظمات التمويل؛ بهدف تعظيم التأثير. بل امتد الأمر إلى وجود منتدى للمنظمات غير الحكومية في كل المؤتمرات الدولية منذ 1992 بجانب المنتدى الحكومي بما يمكن هذه المنتديات غير الحكومية من إعلان مواقفها، وتعبئة الجهود الدولية وراءها، والتأثير على حكوماتها، وأيضاً على المجتمع الدولي (مؤتمر قمة الأرض بالبرازيل 1992– المؤتمر العالمي لحقوق الإنسان في فيينا 1993– المؤتمر العالمي للسكان والتنمية بالقاهرة 1994– المؤتمر العالمي للمرأة ببكين 1995 ـ قمة العالم للتنمية الاجتماعية بكوبنهاجن 1995). 
 
ثانياً: في التحول الديمقراطي
يشير مصطلح التحول الديمقراطي Democratization إلى عملية انتقال النظام من حالة أقل ديمقراطية إلى حالة أكثر ديمقراطية. وهي عملية تنطوي على بعدين: بعد إجرائي، وبعد قيمي. يتمثل الدور الإجرائي في التعددية الحزبية، والتداول السلمي للسلطة، والانتخابات الدورية والنزيهة، ووجود مؤسسات سياسية ودستورية متوازنة، وأيضاً قواعد وآليات للرقابة والمحاسبة والمساءلة(12).
 
أما البعد القيمي فيتمثل في توافر ثقافة المشاركة، واحترام الحقوق الفردية، والتسامح السياسي، وقبول الآخر، والاستعداد للوصول لحلول وسط، والقدرة على حل الصراعات بطريقة سلمية(13).
 
وفيما يختص بموضوع الورقة، سيكون التركيز على محددين للتحول الديمقراطي، وهما:
 
- طبيعة النظام السياسي.
 
- حال المجتمع المدني.  
 
يقصد  بطبيعة النظام السياسي: أين هو على مستوى الديمقراطية- السلطوية، وما مدى توافر الآليات الإجرائية للديمقراطية، وأيضاً القيم الثقافية. وفي هذا الإطار يدخل أسلوب تعامل النظام السياسي مع الجمعيات الأهلية.
 
أما بالنسبة لوضع أو حال المجتمع المدني، فالبحث هنا ينصب على مدى توافر مقومات المجتمع المدني، وهو: التعددية التنظيمية؛ بمعنى تعدد التنظيمات والروابط والمؤسسات التي تقوم على أساس رابطة اختيارية، وتتوسط الفضاء الكائن بين الدولة والفرد والسوق. أما الركن الثاني فهو مدى الاستقلال النسبي الذي يتمتع به المجتمع المدني عن الدولة في إدارة شؤونه وممارسته لنشاطه.
 
وأخيراً، المقوم الثقافي، والمقصود به: توافر أعراف وقيم ثقافية تقوم على احترام الآخر والحق في الاختلاف(14).
 
كما يدخل في تقييم حال المجتمع المدني درجة المؤسسية التي تتمتع بها منظماته، ومدى تعبيره عن القوى الاجتماعية التي يعبر عنها على اعتبار أنها مصدر شرعيته.
 
إن عملية التحول الديمقراطي عملية معقدة ومتشابكة الأبعاد لا يمكن اختزالها في مجرد إجراءات شكلية، وأيضاً لا يمكن اعتبارها مرهونة ـ فقط ـ بإرادة النظام السياسي، ولكنها ـ أيضاً ـ مشكلة المجتمع المدني ذاته؛ فالتحول الديمقراطي له طرق عديدة، قد يحدث من أعلى، وقد يحدث من أسفل، وقد يكون المجتمع هو رأس الحربة في التحول، وقد تكون الدولة في أحيان أخرى. وعلى هذا، فالعملية مرهونة بمدى ما تسفر عنه العلاقة الجدلية بين النظام السياسي والمجتمع المدني، وطبيعة التفاعل بين الطرفين، ونجاح كل طرف في استخدام كل ما لديه من موارد استخداماً جيداً.
 
التحول الديمقراطي في النظم السياسية العربية:
بداية، فإن ما حدث في مصر وعديد من الدول العربية الأخرى لا يمكن وصفه بأنه عملية تحول ديمقراطي، فقط مجرد شكل من أشكال الانفتاح السياسي الداخلي، تم السماح فيه للمواطنين بقدر من حرية الحركة السياسية، بشرط أن تظل السلطة الحاكمة قابضة على كل خيوط العملية من خلال الاحتفاظ بالهيكل التسلطي للقانون(15).
 
وعلى الرغم من اقتصار التحول على السماح بتعددية حزبية مقيدة، وقدر من حرية الصحافة، فإن هذا الهامش لم يظل كما هو بل تقلص. فقد عادت عديد من الأقطار العربية إلى نظام الحزب الواحد فعلياً بعد فترات تجريب قصيرة تم فيها تمثيل المعارضة بعدد معقول من النواب في البرلمان. (حالة مصر وتونس).
 
وقد أثر هذا الوضع على المجتمع المدني في تلك البلدان، فالامتداد الزمني الطويل للنظم التسلطية، والمراوحة بين درجات قصوى من العنف السياسي ومستوى معين من التسامح المحدود، والقبول المشروط بالمشاركة الشعبية في  الحدود والقنوات المفروضة من أعلى، أدى إلى تحجيم كافة منظمات المجتمع المدني، وتصفيتها سياسياً.
 
والنتيجة تصفية الحياة السياسية لمدة جيل أو جيلين أو ثلاثة أجيال، فهذه الأجيال لم تشهد أبداً تجربة ديمقراطية حقيقية(17)، ولذلك لم تجد الدولة أي مقاومة تذكر عندما تراجعت عن تجربة الانفتاح السياسي المقيد في التسعينات. ففي حالة مصر صدر قانون النقابات المهنية رقم 100 لسنة 1993 مدمراً الحياة المهنية النقابية المصرية من وقتها وحتى الآن، وتم تعديل قانون الأحزاب السياسية بإضافة قيد آخر على الممارسة الحزبية بحظر ممارسة أي نشاط حزبي قبل اكتساب الشخصية الاعتبارية، وتجريم أي اتصالات تجري مع أي أحزاب أجنبية، كما تم الاستمرار في فرض قانون الطواريء، وأخيراً إصدار قانون جديد للجمعيات ضارباً بعرض الحائط كل ما تم من مشاورات ديمقراطية أثناء إعداد مشروعه.
 
وهكذا كان شكل التحول الديمقراطي من أعلى. والسؤال هنا: ألم يكن هناك إمكانية لحدوث تحول من أسفل؟ وهذا يشدنا للحديث عن المجتمع المدني. إن تتبع أوضاع المجتمع المدني في مصر ـ في ضوء المقومات والشروط السالف الإشارة إليها ـ يظهر أن هذا المجتمع مجرد ظاهرة كمية؛ فبقدر ما تتوافر التنظيمات بكافة أشكالها، فإن هناك افتقاداً شبه كامل للاستقلال النسبي عن الدولة، وأيضاً لثقافة قبول الآخر، والحق في الاختلاف، والقدرة على حل الصراعات بطريقة سلمية فيما بين الدولة والمجتمع المدني وداخل المجتمع المدني ذاته.
 
ولا بد من الإشارة إلى أن الدولة والمجتمع المدني مسؤولان ـ بدرجات متفاوتة ـ عن افتقاد المقومين الثاني والثالث؛ فالدولة مسؤولة عن فقدان الاستقلال النسبي للمجتمع المدني بإصرارها على أن تقوم بضبط هذا المجتمع ضبطاً قانونياً وسياسياً شديد الوطأة، بترسانة مقيدة من القوانين والإجراءات. والمجتمع المدني مسؤول عن ذلك بعجزه عن ممارسة الضغط على الدولة للتخفيف من هذه القيود؛ إما بسبب انشغاله بصراعاته الداخلية، أو بسبب عجزه عن التنسيق فيما بين منظماته؛ نتيجة غلبة الصراعات السياسية والإيديولوجية على إنجاز انتصار ما في طريق التحول الديمقراطي.
 
وعلى نفس المنوال، فإن التسامح مفتقد في علاقة الدولة بالمجتمع المدني؛ فالعلاقة علاقة خصومة وشك متبادل وتربص. ومن ناحية ثانية فإن ديناميات التفاعل داخل عديد من منظمات المجتمع المدني تكشف عن غياب قبول الآخر والتسامح(18).
 
واقع الجمعيات الأهلية: العلاقة بالدولة– الأوضاع الداخلية
بداية فإن رصد أي واقع مهما كانت إشكالياته من المؤكد أن يحوي عدداً من الإيجابيات أو الفرص والمكاسب التي من الممكن تعظيمها.
 
من أبرز الإيجابيات أو الفرص:
 
1- الثقل الكبير الذي تتمتع بها الجمعيات الأهلية ضمن فصائل المجتمع المدني الأخرى؛ فهي أكبر فصائل المجتمع المدني من حيث العدد (15 ألف جمعية) ـ وفقاً لتقديرات التقرير الاستراتيجي العربي لعام 2000.
 
2- حدوث طفرة بدءاً من عام 1978 في أعداد الجمعيات؛ فقد كان عددها في عام 1978 8.040 جمعية، ارتفع إلى 11.471 في عام 1985، ثم إلى 14.162 جمعية في 1994، حتى وصل الآن إلى ما يقرب من 15 ألف جمعية(19) وهذا دلالته أن هناك حاجة مجتمعية لهذه الجمعيات من ناحية، وأن الدولة واعية إلى أهمية وجود الجمعيات الأهلية كمتلق لضحايا الإصلاح الاقتصادي م
بواسطة : هويدا عدلي