الأحكام الفقهية والأسس الاستثمارية لتوظيف الزكاة في مشروعات إنتاجية للمعاقين
8 فبراير 2009 - 13 صفر 1430 هـ( 3180 زيارة ) . ( كتاب )
القاهرة: يوسف عبد الوهاب
 
في دراسة موجزة تبنى على نتائج عدة دراسات أكاديمية له حول التوظيف العصري للزكاة في عملية التنمية الاقتصادية والاجتماعية حاول الدكتور حسين شحاتة ـ أستاذ الاقتصاد الإسلامي بجامعة الأزهر، والخبير الاستشاري في المعاملات المالية الشرعية ـ حاول في دراسته الموجزة "الأحكام الفقهية والأسس الاستثمارية لتوظيف الزكاة في مشروعات إنتاجية للمعاقين" استنباط الأحكام الشرعية حول الزكاة، والتأكيد أن مقاصد الشريعة الإسلامية من فرض الزكاة المساهمة في تحقيق التنمية الاجتماعية والاقتصادية؛ حيث  أجاز الفقهاء إنفاق حصيلة الزكاة في إنشاء مشروعات استثمارية للشباب الفقير العاطل بصفة عامة كنموذج عملي للمساهمة في تنمية المجتمع بجانب أنها تربية روحية وأخلاقية، مشيرا إلى أن من بين الشباب العاطل فئة المعاقين الذين لا يستطيعون ضرباً في الأرض لابتغاء الكسب الطيب الحلال، فهم أولى بالرعاية، وأولى بتوجيه الزكاة لهم.
 
تتناول الورقة الأحكام الشرعية لإنفاق الزكاة لإنشاء مشروعات للفقراء المعوقين. ويرى الباحث أن هناك أولوية شرعية لرعاية المعوقين الفقراء من مصارف الزكاة؛ لقول الله ـ تبارك وتعالى ـ: ) إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ( (التوبة:60).  مشيرا إلى أن الفقراء فئات حسب مستوى درجة الحاجة والعوز، فمنهم من هو دون حد الكفاف، ومنهم من هو دون حد الكفاية. ويؤكد أن الفقير المعوق تكون له الأولوية عند إنفاق حصيلة الزكاة لأسباب الفقر، ولأسباب أنه معوق لا يستطيع السعي في الأرض لاكتساب الرزق مثل الفقير السليم.
 
وعن حكم إنفاق الزكاة لإنشاء مشروعات للمعوقين من الفقراء يشير الدكتور شحاتة إلى إجازة الفقهاء إنفاق أموال الزكاة في تمويل مشروعات إنتاجية، وتمليكها للفقراء، أو لتوجيه ريعها للفقراء، وذلك لتحويل فئة من شباب المجتمع الفقير العاطل إلى فئة منتجة، وهو ما يساهم في علاج مشكلة البطالة والتسول والجريمة، وغير ذلك من صور الفساد الاجتماعي والاقتصادي. كما وضع الفقهاء لذلك مجموعة من الضوابط الشرعية للمشروعات الإنتاجية الزكوية، من بينها: أن تكون في المجالات المشروعة النافعة للمجتمع، وأن تقع في مجال الضروريات والحاجيات، وأن تكون مأمونة، وأن يتمتع القائمون عليها بالقيم والمثل والكفاءات الفنية، وأن تتفق أهدافها مع أغراض رسالة الزكاة.
 
وحول الجدوى المشروعة لإنفاق بعض من أموال الزكاة لمشروعات المعاقين، يشير الدكتور شحاتة إلى أن ذلك سوف يحقق العديد من المنافع المشروعة الآتية:
 
أولاً: تحويل طاقات الشباب من المعوقين إلى طاقات منتجة وليست مستهلكة، وهذا بدوره يساهم في التنمية الاقتصادية على المستوى القومي.
 
ثانياً: تنمية المهارات المهنية للشباب المعوق ودعمه في مجال الابتكار والإبداع.
 
ثالثاً: تنمية القيمة الذاتية للشباب المعوق، وإحساسه أنه منتج وفعال في المجتمع، وفي ذلك علاجٌ للعديد من الأمراض النفسية لبعضهم.
 
رابعاً: خلق فرص عمل لآخرين؛ حيث إن بعض هذه المشروعات سوف تنمو وتتطور مما تساهم في زيادة الإنتاج.
 
خامساً: تساهم مشروعات المعوقين كذلك في تغيير سلوكيات أموال الزكاة من الاستهلاك إلى الإنتاج، وهذا يساهم في التنمية المستدامة.
 
وعن مقومات نجاح المشروعات الإنتاجية للمعوقين، يرى الدكتور شحاتة ضرورة بعض المقومات، وهي كالتالي:
 
أولاً: تدريب الشباب المعوق على الأنشطة الإنتاجية والخدمية التي تناسب كُلا منهم في ضوء القدرات والإمكانيات المتاحة.
 
ثانياً: إعداد دراسات جدوى اقتصادية للمشروعات الصغيرة والمتناهية في الصغر، والتي تتلاءم مع إمكانيات الشباب ومع التمويل المتاح.
 
ثالثاً: وجود جهة حاضنة للمشروعات قد تكون ـ على سبيل المثال ـ مؤسسات المجتمع المدني الخيرية الاجتماعية، حيث تتولى الإشراف والمتابعة، وتقديم كافة صور الدعم للشاب المعوق الذي سوف يُنشأ له المشروع.
 
رابعاً: إعفاء هذه المشروعات من كافة أنواع الضرائب والرسوم؛ حتى لا تكون عبئاً على هؤلاء الشباب.
 
خامساً: التنسيق والتكامل والتعامل بين رجال الأعمال وهذه المشروعات من منظور التدريب والتمويل والتسويق.
 
سادساً: وجود مراقب شرعي على هذه المشروعات؛ للاطمئنان من أن رسالتها وأغراضها وأنشطتها تتم وفقاً لأحكام ومباديء الشريعة الإسلامية بصفة عامة، وفقه الزكاة بصفة خاصة.
 
سابعاً: مقومات أخرى فنية ذات علاقة بكل مشروع إنتاجي، من حيث الأخذ بمبدأ المعاصرة والتقنية الحديثة؛ فالحكمة ضالة المسلم أينما وجدها فهو أولى الناس بها.
 
منح ربانية للمتصدقين والمتصدقات
وفي دراسة أخرى مرتبطة بالزكاة حملت عنوان " منح ربانية للمتصدقين والمتصدقات" رصد الدكتور شحاتة بعض المنح الإلهية التي وعد بها الله ـ عز وجل ـ المتصدقين والمتصدقات، منها: تطهير القلوب، ونزول الرحمات، وتحقيق البركة في الرزق، ووقاية من مصارع السوء، وتكفير الذنوب، ودفع البلاء، ودواء للأمراض،  وتيسير الأعمال. مشيرا إلى وضع الفقهاء مجموعة من الشروط الواجب توافرها في المتصدق حتى تُقبل صدقته، منها: الإخلاص، والمال الحلال الطيب، وأن تكون الصدقة عن ظهر غنى، وأن يكون المتصدق في صحة وعافية يخشى الفقر، والالتزام بفقه الأولويات في إعطاء الصدقات، وغير ذلك. كما بين الفقهاء أنواع الصدقات، ومنها: الصدقات التطوعية، والصدقات الجارية.
 
وتطرق إلى مشروعية الصدقة في ضوء الكتاب والسنة والفقه، حيث ورد في القرآن الكريم العديد من الآيات بخصوص الحض على الصدقات عموماً، منها قول الله تعالى: مَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِّائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (261) الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لاَ يُتْبِعُونَ مَا أَنفَقُوا مَناًّ وَلاَ أَذًى لَّهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ (262). كما ورد في كتب السنة العديد من الأحاديث على استحباب الصدقات عموماً، منها قول رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: "على كل مسلم صدقة، فقالوا: يا نبي الله، فمن لم يجد؟ قال: يعمل بيده فينفع نفسه ويتصدق. قالوا: فإن لم يجد؟ قال يعين ذا الحاجة الملهوف. قالوا: فإن لم يجد؟ قال: فليعمل بالمعروف، ويمسك عن الشر فإنها له صدقة".( رواه البخاري ومسلم )
 
جوائز ربانية للمتصدقين والمتصدقات
ويرصد الدكتور شحاتة ما رصده الله تعالى من جوائز للمتصدقين، منها ما يلي:
 
الجائزة الأولى: التطهير والتزكية
تطهر الصدقة القلب، وتزكيه، وتخلصه من عبادة المال، ودليل ذلك:  
 
- قال الله تبارك وتعالى:) خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ ( (سورة التوبة: 103).
 
- قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: " صدقة الفطر طهرة للصائم من اللغو والرفث وطعمة للمسكين" (متفق عليه).
 
الجائزة الثانية: البر والبرهان على حب الله
ينال المسلم بصدقته درجة البر، كما أنها برهان صادق على حب الله ـ عز وجل ـ ودليل ذلك:
 
- قال الله تبارك وتعالى: ) لَن تَنَالُوا البِرَّ حَتَّى تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنفِقُوا مِن شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ( (سورة آل عمران : 92). وقال الله ـ تبارك وتعالى ـ أيضاً: ) لَيْسَ البِرَّ أَن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ المَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ البِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى المَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي القُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي البَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ البَأْسِ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُوْلَئِكَ هُمُ المُتَّقُونَ ((سورة البقرة : 177).
 
- وقال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ:" ...... والصدقة برهان ...."(رواه مسلم).
 
الجائزة الثالثة: الزيادة في العمر، والوقاية من ميتة السوء.
تطيل الصدقة في عمر الإنسان في الخير، وتقيه ميتة السوء، ودليل ذلك:
 
- قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: " إن الصدقة تزيد في العمر، وتمنع ميتة  السوء، ويذهب الله بها الكبر والفخر". (رواه الطبراني، وحسنه الترمذي).
 
الجائزة الرابعة: تطفيء غضب الرب
تطفيء الصدقة غضب الله ـ عز وجل ـ عندما يقدم المسلم على التوبة والاستغفار وعمل المعروف وتقديم القربى إلى الله، ودليل ذلك:
 
- قال الله تبارك وتعالى: )إِلاَّ مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً  (( سورة الفرقان:70).
 
- قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ:" صنائع المعروف تقي مصارع السوء، وصدقة السر تطفيء غضب الرب، وصلة الأرحام تزيد في العمر، وكل  معروف صدقة". (رواه الطبراني في الأوسط عن أبي أمامة).
 
الجائزة الخامسة: مضاعفة الحسنات عند الله
يضاعف الله ثواب ما يقدمه المسلم من صدقات، فهو استثمار رابح، ودليل ذلك:
 
- قال الله تبارك وتعالى: ) مَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِّائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ  (( سورة البقرة:261).
 
- وقال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: " من تصدق بعدل ثمرة من كسب طيب، ولا يقبل الله إلا طيباً، وإن الله يتقبلها بيمينه، ثم يربيها لصاحبه كما يربي أحدكم فلوه حتى تكون مثل الجبل". (أخرجه البخاري عن أبي هريرة).
 
الجائزة السادسة: استنزال الرزق
تعتبر الصدقة من أسباب نزول الرزق الحلال الطيب من عند الله، ودليل ذلك:
 
- قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: " استنزلوا الرزق بالصدقة". (رواه البيهقي).
 
- وقال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: " ما من يوم يصبح العباد فيه إلا وينزل ملكان، يقول أحدهما اللهم أعط كل منفق خلفاً، ويقول الآخر اللهم أعط كل ممسك تلفا".(رواه مسلم).
 
الجائزة السابعة: البركة في الرزق
من أسباب البركة في الرزق إعطاء الصدقات، ودليل ذلك:
 
- قال الله تبارك وتعالى: )يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ كُفَّارٍ أَثِيمٍ (( سورة البقرة: 276 ). وقال تبارك وتعالى أيضاً: )وَمَا أَنفَقْتُم مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ ( ( سورة سبأ:39).
 
- قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ:" ما نقصت صدقة من مال، وما زاد الله عبداً بعفوٍ إلا عزاً، وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله عز وجل". (رواه مسلم عن أبي هريرة).
 
الجائزة الثامنة: دواء للأمراض
إعطاء الصدقات ابتغاء الله ـ عز وجل ـ دواء للعديد من الأمراض، ودليل ذلك:
 
- يقول رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: " حصنوا أموالكم بالزكاة، وداووا مرضاكم بالصدقة، وأعدوا للبلاء بالدعاء". (رواه الطبراني).
 
الجائزة التاسعة: مع أهل المعروف في الآخرة.
يكون المتصدق في الدنيا مع أهل المعروف، وكذلك يكون معهم في الآخرة، ودليل ذلك:
 
- قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: " ... كل معروف صدقة، وأهل المعروف في الدنيا هم أهل المعروف في الآخرة، وأهل المنكر في الدنيا هم أهل المنكر في  الآخرة، وأول من يدخل الجنة أهل المعروف". (رواه الطبراني).
 
الجائزة العاشرة: الاستظلال بظل الله يوم القيامة، والوقاية من النار
المتصدق من السبعة الذي يظلهم الله ـ عز وجل ـ بظله يوم القيامة يوم لا ظل إلا ظله، ويقيه الله من النار، ودليل ذلك:
 
- قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ:" من استطاع منكم أن يتقي النار ولو بشق تمرة، فمن لم يجد فبكلمة طيبة".