الأوضاع الإنسانية في قطاع غزة خلال فترة العدوان، وقبل تثبيت وقف إطلاق النار
31 يناير 2009 - 5 صفر 1430 هـ( 3986 زيارة ) . ( كتاب )
 القاهرة: يوسف عبد الوهاب
 
تعكس القراءة الأولية  للتقرير الدولي الصادر  حديثا عن  مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية في الأراضي الفلسطينية المحتلة "أوتشا"  التابع للأمم المتحدة عن الأوضاع الإنسانية في قطاع غزة بعد تثبيت وقف إطلاق النار  تعكس جرائم لا إنسانية، لم يعهدها التاريخ، ارتكبتها قوات الاحتلال الإسرائيلي خلال عدوان الـ 22يوم على القطاع،  البالغ سكانه مليونا ونصف مليون مواطن، أغلبهم من الأطفال والنساء، حيث لم يسلم  هؤلاء الأطفال والشيوخ والنساء من عمليات القصف المتعمد، بجانب حالات تربص بكافة الجهود الإغاثية التي كانت تقوم بها منظمة الإغاثة الإسلامية وأجهزة الهلال والصليب  الأحمر  واليونسيف ووكالة غوث وتشغيل اللاجئيين "أنروا "؛ مما عرقل المهام الإنسانية العاجلة لإنقاذ ضحايا الحرب، في  انتهاك صارخ  للقانون الدولي الإنساني. فيما أشار التقرير إلى سعي وكالات الإغاثة الدولية  إلى إجراء عمليات تقييم  شامل لاحتياجات الشعب الفلسطيني في غزة من الخدمات الاجتماعية مثل: المياه، والصحة، والتعليم، ودعم إصلاح البنية التحتية الضروري، على أمل  إطلاق نداء خاص في بداية" فبراير" في ختام عمليات التقييم لتحرك مؤسسات العمل الإغاثي في أداء مهامها.
 
حرب ضد وكالات الإغاثة الدولية
ومن بين ما يرصده التقرير  الموزع من  المكتب الإقليمي للأمم المتحدة بالقاهرة من مظاهر متعمدة من قبل جيش الاحتلال الإسرائيلي لعرقلة عمليات الإغاثة  ما حدث صباح  الخميس 8 يناير/كانون الثاني 2009 م  بقيام الجيش الإسرائيلي بإطلاق النار على قافلة مساعدات دولية في القطاع أثناء فترة التهدئة التي أعلنتها إسرائيل، مما أدى إلى مقتل 2 من الموظفين الدوليين لإسعاف الجرحى ونقل القتلى أثناء الوقوع في مرمى النيران الحية. كما قصفت دبابات وطائرات القوات الإسرائيلية ثلاث مدارس تابعة لوكالة الغوث الدولية (أونروا) مما أدى إلى استشهاد 45 فلسطينيا على الأقل احتموا داخل إحدى المدارس في مخيم جباليا للاجئين الفلسطينيين في شمال غزة. أما القتل والقصف المتعمد لوكالات الإغاثة  فقد علقت بعض المؤسسات الإغاثية الدولية أعمالها مؤقتاً حتى حصلت على ضمانات أمنية من السلطات الإسرائيلية بعدم تكرار انتهاكات القانون الدولي الإنساني الذي يقضي بحماية أفراد الخدمات الإنسانية ـ مثل موظفي الخدمات الطبية، و جمعيات الإغاثة التطوعية ـ إلى جانب حماية المنشآت الطبية المدنية و العسكرية،  ومن بينها المستشفيات، والسفن، ومراكز نقل الدم، و الطب الوقائي، والمستودعات الطبية، ووسائل النقل الطبي.
 
ويشير التقرير الدولي إلى أن طواقم الرعاية الصحية تعرضت لمخاطر كبيرة؛ حيث قتلت غارة جوية إسرائيلية استهدفت منزلا في جباليا طبيبا كان يحاول أن يعالج الجرحى، فيما أصيب ثلاثة من المعاونين الذين كانوا في انتظار إجلاء المصابين، وقتل 13 فردا من الطواقم الطبية منذ 27 ديسمبر الماضي. و وحسب معلومات من  منظمة الصحة العالمية  فقد تم إغلاق 28 مركزا طبيا من إجمالي 58 مركزا تابعا لوزارة الصحة؛ بسبب القصف، وتوقفت برامج التطعيم ومراقبة التغذية؛ بسبب نقص الموظفين والكهرباء والظروف الخطيرة على الأرض، كما تم قصف غرفة  الطواريء في مستشفى الدرة  بغزة، وأوقفت خدماتها، وأغلقت باستثناء الخدمات الطارئة منذ 8 يناير الجاري، بينما لم يتم إصلاح التدمير الذي لحق بالمستشفى الأوروبي بغزة منذ  العاشر من يناير.
 
وبين التقرير أن الأوضاع الإنسانية تزداد تفاقما، وسط تحديات متنامية تواجه الطواقم الإنسانية العاملة في القطاع بعد الأضرار البالغة التي أصابت المنازل، والبنية التحتية العامة، وخدمات المياه والصرف الصحي والكهرباء،  كما أن  هناك ضغطاً متزايداً على غرف الطواريء ووحدات العناية المكثفة، يصاحبه إرهاق للطواقم الطبية. وهناك ـ أيضا ـ حسب التقرير قلق خاص فيما يتعلق بالآثار النفسية بعيدة المدى على الأطفال نتيجة للنزاع؛ حيث يشكل الأطفال ما نسبته 56 في المئة من سكان القطاع. كما حمل التقرير تحذيرا من  اليونيسيف واللجنة الدولية للصليب الأحمر والوكالات الأخرى من مخلفات الحرب التي لم تنفجر بعد، خاصة بعد مقتل طفلين، وشدد على الحاجة إلى استيراد مواد البناء الضرورية وقطع الغيار من أجل البدء في عمليات الإصلاح للمنشآت الحيوية، مثل: المياه، والصرف الصحي، والخدمات الصحية.   
 
50 ألف طفل في الملاجيء
ومما تضمنه التقرير الدولي أن أعداد الفلسطينيين الذين هربوا من منازلهم في غزة مازالت غير معروفة، ولكنهم يقدرون بعشرات الآلاف. وطبقا لمركز "الميزان" لحقوق الإنسان، نزح ما بين 80 – 90 ألف فلسطيني، بما يتضمن 50 ألف طفل. وفتحت الأونروا أربعة ملاجيء جديدة بتاريخ 10 كانون الثاني (يناير) كاستجابة للطلب المتزايد في مدينة غزة وجباليا ودير البلح،  حيث تشرف الأونروا ـ حاليا ـ على 31 ملجأ توفر ملاذا لأكثر من 25 ألف فلسطيني. وطبقا لمنظمة الصحة العالمية لم  يتوافر لكافة المستشفيات سوى ما بين 3 إلى 4 ساعات من الكهرباء في اليوم، ومعظم هذه المستشفيات  ليس لديها وقود كاف لتشغيل المولدات الاحتياطية، كما لا توجد  مياه لما يقرب من 500 ألف شخص، وتم توزيع خمسين من حقائب المياه الطارئة من اليونيسيف (ما يكفي إلى 500 عائلة) بتاريخ 9 كانون الثاني (يناير) عبر جمعية الهلال الأحمر الفلسطينية. ولا توجد خطط لجلب خزانات مياه ومضخات ومحولات لصالح مصلحة مياه البلديات الساحلية.
 
وحدد التقرير الأممي بعض منظمات الإغاثة الدولية  التي تواجه عراقيل أمام مهامها التطوعية لتوفير احتياجات سكان  غزة، وأشار إلى  الأنروا، وهي  أكبر وكالة إغاثية  تابعة للأمم المتحدة تعمل بغزة.  وواجه نحو  أكثر من 29000 موظف عراقيل أمام تأدية مهام وظيفتهم، وهم موظفون معظمهم من اللاجئين الفلسطينيين الذين يعملون بشكل مباشر لخدمة مجتمعاتهم في وظائف المدرسين والأطباء والممرضات والأخصائيين الاجتماعيين. وأوضح التقرير أنه منذ بدء عملياتها الإغاثية  في 1 مايو/ أيار 1950م وهي تقوم بجمع تبرعات طوعية غير محددة من الدول الأعضاء، إلا أن الأمم المتحدة تمول الوظائف الدولية  لأنشطتها؛ حيث تقدم معونة لتغطية تكلفة الرعاية الطبية الثانوية، لاسيما حالات الطواريء وإنقاذ الحياة، في المستشفيات العامة وغير الحكومية والخاصة، وتوفر المعونة العينية والمالية المباشرة لأسر اللاجئين، حيث يعيش ثلث اللاجئين في واحد من 59 مخيما في مناطق عمليات الأونروا الخمسة، وهي: ( الأردن، لبنان، سوريا، الضفة الغربية، غزة).
 
رعاية ذوي الإعاقات
أما الدور التطوعي الذي تقوم به منظمة اليونيسف  خلال العدوان وبعده فهو حماية الأطفال من ضحايا الحروب، والكوارث، والفقر المدقع، وكل أشكال العنف والاستغلال، ورعاية ذوي الإعاقات،  حيث إن لهذه المنظمة الدولية ۱۲٦مكتباً يقوم بعضها بخدمة عدة دول من خلال برنامج تعاون مع الدولة المضيفة. وتدار المنظمة من مقرها في نيويورك. ومن بين المكاتب المتخصصة شعبة الإمدادات ومقرها كوبنهاجن، التي توفر المواد الضرورية ـ مثل جرعات اللقاحات التي تنقذ حياة الأطفال في الدول النامية. وتدير اليونيسف ـ أيضا ـ مركز" إينوشنتي" للأبحاث في فلورنسا، ومكاتب في اليابان وبروكسل تساعد في جمع التبرعات، وإقامة الاتصالات مع صانعي السياسات. وتقدم صناديق التبرعات الدعم الكامل لليونيسف.
 
أما "مؤسسة أوكسفام " فهي من  المؤسسات الأوروبية الكبرى  المتخصصة في تقديم الخدمات التطوعية لمكافحة الفقر  بين سكان غزة. وتقود حاليًا أكبر حملة عالمية تحت شعار (سويًا نحو الحقوق، سويًا ضد الفقر) تستمر لمدة 5 سنوات، فيما ترجع التسمية إلى لجنة "أوكسفورد" التي تأسست في بريطانيا عام 1942 م؛ لمساعدة النساء والأطفال المنكوبين خلال الحرب العالمية الثانية. ونشأت "أوكسفام" أثناء الحرب العالمية الثانية بهدف توصيل مواد الإغاثة للمحاصرين في اليونان أثناء الحصار البحري الذي فرضته عليها قوات الحلفاء بعد أن احتلها النازيون. واستمرت في أعمالها الخيرية بعد انتهاء الحرب، وتوسعت أهدافها لتشمل إغاثة الحالات التي تنشأ عن الحرب أو أية أسباب أخرى في أي مكان بالعالم.
 
ومن أبرز وأقدم الحركات الإنسانية الدولية التي تواجه عراقيل أمام جهودها الإنسانية في قطاع غزة "الحركة الدولية للصليب الأحمر والهلال الأحمر" التي تشمل عدة منظمات مستقلة قانونيا عن بعضها البعض، لكنها متحدة ضمن الحركة من خلال المباديء الأساسية المشتركة، والأهداف، والرموز، والقوانين، والأعضاء الحاكمة. ومن مهامها الرئيسية ـ حاليا  داخل القطاع ـ التخفيف من وطأة المعاناة الإنسانية لمن يعيشون تحت الاحتلال، والعمل على الوقاية من الأمراض والرعاية الاجتماعية، وتشجيع الخدمة الطوعية، فضلا عن تشجيع حس التضامن العالمي مع المحتاجين، إلى حمايتها والمساعدة التي تقدمها. وتسترشد الحركة بمبادئها الأساسية السبعة عند القيام بمهامها, وهي: الإنسانية, وعدم التحيز, والحياد, والاستقلال, والخدمة التطوعية, والوحدة, والعالمية. ويتم تمويل اللجنة الدولية من خلال مساهمات حكومات الدول الأعضاء في اتفاقيات جنيف
 
دور حيوي للإغاثة الإسلامية
ومن منظمات الإغاثة الحديثة  التي تمارس أعمالا إنسانية تطوعية بالقطاع مؤسسة الإغاثة الإسلامية؛ حيث تقوم بواجبها الإنساني، والمساهمة بشكل فعال في التنمية وتقديم الخدمات الطارئة، والسعي نحو تنمية اجتماعية في البلاد الفقيرة، عبر برامج تنموية وإغاثية مشتركة مع المجتمعات المحلية. وتشمل برامجها الإغاثة الطارئة، والتنمية الشاملة، بالإضافة إلى كفالة الأيتام. وهي مؤسسة دولية، تأسست سنة 1984م بمدينة "برمنجهام" شمال لندن، حين قرر طالبان مسلمان في الجامعة ـ إثر متابعة آّثار المجاعة القاسية في إفريقيا ـ تأسيس جمعية خيرية لإعانة المحتاجين في العالم. ثم تحولت إلى منظمة دولية غير حكومية، و يتمركز  نشاطها في مناطق النزاع مثل: البوسنة والهرسك، وبنجلادش، والشيشان، وقطاع غزة، ومالي، والهند، وباكستان، والسودان. ولها مكتب إغاثة بالضفة الغربية وقطاع غزة منذ أكثر من 10 سنوات. وتمثل منظمة الإغاثة الإسلامية عضواً ناشطاً في عدة هيئات منها: المجلس الاجتماعي والاقتصادي التابع للأمم المتحدة، كما أنها عضو معترف به في المنظمات التنموية البريطانية غير الحكومية العاملة في الخارج.