دراسة محكمة تناقش الوقف ودوره في المجتمع الإسلامي المعاصر
30 نوفمبر 2008 - 2 ذو الحجة 1429 هـ( 5987 زيارة ) . ( كتاب )
التصنيف :الأوقاف
 القاهرة : يوسف عبد الوهاب
 
في دراسة مُحَكَّمة علميا، وتم جمع مادتها بطريقة احترافية وفقا لمنهجية البحث العلمي الجاد، أنجز الدكتور سليم هاني منصور مجلدا بجزء واحد يحمل عنوان "الوقف ودوره في المجتمع الإسلامي المعاصر"،  مركزا على دور الوقف في عملية  التنمية الاقتصادية للمجتمع الإسلامي في الوقت الراهن؛ حيث يمثل الوقف عنصراً أساسياً من مصادر التمويل الإسلامي لإقامة المشروعات وتوفير العطاءات، ودوره في الحفاظ على الشخصية الإسلامية في مجتمعاتها المختلطة (إسلامية ومسيحية)، وفي دول الاغتراب (الأقليات المسلمة). وقدم الباحث شهادة عملية لنجاح الإسلام في إيجاد  وسائل حضارية لعلاج  أهم  المشاكل الاقتصادية التي تواجه العالم،  مثل:  الفقر والبطالة، فشكّل الوقف بذلك حلقة من حلقات التكافل والتضامن كنظام اجتماعي تكافلي  يقوم أساساً على مبدأ القيم والأخلاق السامية التي جاء بها الإسلام وحث عليها انطلاقا من أن المال لله تعالى، والعباد مستخلفون فيه، كما قال تعالى:(وآتوهم من مال الله الذي آتاكم)(النور:33) وقوله تعالى: (وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه)(الحديد:7).
 
وقسم الباحث الدراسة إلى تمهيد وأربعة فصول:
أما التمهيد فقد خصصه لشرح ما يتعلق بالوقف من ناحية التعريف به، ومشروعيته، وأنواعه، وفقه الوقف. ورأى أنه رغم أهمية الوقف إلا أنه لم يلق الاهتمام اللازم من قبل الدارسين والباحثين؛ فأغلب الباحثين تحدثوا عنه متطرقين إلى الجانب الفقهي له فقط، ولم يتطرقوا إلى الجوانب الأخرى، وأبرزها الجانب الاقتصادي والسياسي؛ لذلك اعتنت  الدراسة بتسليط الضوء على الوقف، وتحديد دوره في المجتمع الإسلامي المعاصر.
 
وعرف الباحث الوقف  في اللغة بالحبس والمنع، وهو مصدر وَقَفَ الثلاثي، يقال: وقفت الدار: أي حبستها. أما الوقف في الاصطلاح الشرعي فقد تعددت عبارات الفقهاء في تعريفه بناء على اختلاف آرائهم في لزومه، وتأبيده، وملكيته. وعرفه الإمام أبو حنيفة بقوله: " هو حبس العين على حكم ملك الواقف، وتسجيل منفعتها على جهة من جهات البر. وعرفه بعض المالكية بقوله: هو جعل المالك منفعة مملوكه، ولو كان مملوكا بأجرة، أو جعل غلته كدراهم لمستحق، بصيغة مدة ما يراه المحبس". وعرفه بعض الشافعية بقوله: هو حبس مال يمكن الانتفاع به مع بقاء عينه على مصرف مباح. وهي كلها تعريفات متقاربة بالنظر إلى جوهر حقيقة الوقف، وهي تحبيس العين على وجه من وجوه الخير، ومنع التصرف فيها من قبل المالك، ومن قبل الموقوف عليه معا، وإنما تستفيد الجهة أو الجهات الموقوف عليها من منافعها. 
 
دور تنموي للوقف
وتطرق الباحث في تمهيده إلى أول وقف في الإسلام وهو مسجد قباء الذي أسسه النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ حين قدومه إلى المدينة مهاجراً. ثم المسجد النبوي الذي بناه ـ صلى الله عليه وسلم ـ بالمدينة بعد أن استقر به المقام. وأول وقف خيري عرف في الإسلام هو وقف سبع بساتين بالمدينة، كانت لرجل يهودي اسمه مخيريق، أوصى بها إلى النبي ـ صلى الله عليه و سلم ـ حين عزم على القتال مع المسلمين في غزوة أحد، قال في وصيته: "إن أصبت ـ أي قتلت، فأموالي لمحمد يضعها حيث أراه الله". فقتل، وحاز النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ تلك البساتين السبعة، فتصدق بها، أي حبسها. ومضى الصحابة ـ رضوان الله عليهم ـ على ما سنه النبي ـ صلى الله عليه و سلم ـ، وعملوا بما حث عليه من الإكثار من الصدقة والإنفاق مما يحبون، وسجلوا أروع الأمثلة في التطوع بأحب أموالهم إليهم. من تلك الأمثلة وقف عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ وقيل: هو ثاني وقف في الإسلام، ففي الحديث أنه أصاب أرضاً بخيبر، فجاء إلى النبي ـ صلى الله عليه و سلم ـ وقال: يا رسول الله، أصبت مالاً بخيبر لم أصب قط مالاً أنفس منه، فبم تأمرني؟ فقال: " إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها". فتصدق بها عمر على ألا تباع ولا توهب ولا تورث، وتكون (أي منافعها وثمارها) في الفقراء وذوي القربى والرقاب والضيف وابن السبيل، ولا جناح على من وليها أن يأكل منها بالمعروف، ويطعم غير متمول. ثم تتابعت الأوقاف بعد ذلك في أوجه البر والخير.
 
وتطور مفهوم الوقف وإدارته في الحضارة الإسلامية؛ ففي العصر الأموي  قامت الدولة بإنشاء هيئات خاصة للإشراف عليها، وأحدث ديوان مستقل لتسجيلها. وفي عهد العباسيين أصبحت للأوقاف إدارة خاصة مستقلة عن القضاء، يقوم عليها رئيس يسمى (صدر الوقوف). وواكب هذا التطور الإداري جهد علمي مفيد؛ لضبط أحكام الوقف، وطرق التصرف فيه، ولحماية أملاكه من الضياع، فخصه الفقهاء بمؤلفات خاصة، وأفردوا له فصولا واسعة في مدونات الفقــه الكبرى. وهذا التطور والتوسع في العناية بالأوقاف أدى إلى قيام الوقف بدور كبير في التنمية الاجتماعية على مر التاريخ الإسلامي.
 
أهداف إنسانية نبيلة للوقف
وشرح الباحث الحكمة من مشروعية الوقف في الإسلام وهي  إيجاد موارد مالية ثابتة ودائمة لتلبية حاجات المجتمع الدينية والتربوية والغذائية والاقتصادية والصحية والأمنية، ولتقوية شبكة العلاقات الاجتماعية، وترسيخ قيم التضامن والتكافل، والإحساس بالأخوة والمحبة بين طبقات المجتمع وأبنائه، كل ذلك لنيل مرضاة الله. ففي  تحقيق الأمن الغذائي للمجتمع المسلم تصدق أبو طلحة بنخيله، وجعل ثمارها للفقراء من أهل قرابته، وفي البئر التي وقفها عثمان ـ رضي الله عنه ـ على عامة المسلمين. وفي  إعداد القوة والوسائل الضرورية لجعل الأمة قادرة على حماية نفسها والدفاع عن دينها وعقيدتها  وقف خالد بن الوليد سلاحه في سبيل الله. وفي  نشر الدعوة إلى الله وإقامة المساجد لتيسير إقامة شعائر الدين وتعليم أبناء المسلمين كان  تأسيس مسجد قباء والمسجد النبوي، وجعلهما مركزين للعبادة والتعليم وتنظيم العمل الاجتماعي. وفي  توفير السكن لأفراد المجتمع أوقف  عدد من الصحابة الدور والمساكن التي حبست على الضيف وابن السبيل أو على الذرية.
 
الوقف وعلاقته بالتنمية الاجتماعية والسياسية
تعرض الفصل الأول من المجلد  للوقف وعلاقته بالتنمية الاجتماعية، ودوره في تحصين المجتمع، ومعالجة الآثار السلبية للكثير من المشاكل والأعباء، وإشاعة روح التعاون والتكافل.
 
وكذلك تعرض فيه للوقف وعلاقته بالتنمية السياسية، ودوره في إقامة المجتمع المدني وتدعيم المؤسسات المستقلة، وتوفير المصدر المالي للعديد من الأنشطة. ويعتبر هذا الموضوع من القضايا الهامة التي تجاهلها الكثير من الدارسين. وفيه ـ أيضاً ـ قام بتوضيح العلاقة بين الوقف والتنمية في المجال العسكري، ودوره في إقامة الحصون والقلاع، وتوفير المعدات العسكرية، وأهميته عموماُ في دعم الجهاد وتفعيله، وتوضيح  العلاقة بين الوقف والتنمية الصحية، ودوره في إقامة المستشفيات والمعاهد الطبية، ومدى ملاءمته لإقامة المشاريع الصحية. وتعرض أخيراً في هذا الفصل للوقف ودوره الحضاري وميزته الإنسانية، وأبرز فيه العديد من العناصر التي تثبت دوره في إقامة الحضارة الإسلامية.
 
وتطرق الباحث إلى  آليات النظام الاقتصادي الإسلامي في تحقيق التكافل الاجتماعي من خلال وسائل التمويل التصدّقي، والتي تنقسم إلى نوعين هما: الفريضة، مثل: الزكاة، الكفارات، الخراج، العشور، النفقة. والتطوع، مثل: الصدقة، الهبة، كفالة الأيتام. ثانياً: وسائل تمويل استثمارية عن طريق العقود والمعاوضات كالمضاربة، والشركة، والسلم، وغيرها. حيث سعى  الإسلام إلى تقليل الفوارق الاجتماعية من خلال رعاية الفقراء وذوي الحاجة والضعف بحيث يتحقق لهم مستوى لائق للمعيشة.
 
وكان للوقف دور بارز في تحقيق هذه الغاية العظيمة؛ حيث شمل أنواعاً متعددة من وجوه البر اقتضتها ظروف المجتمع المختلفة، كالوقف على الذرية والأولاد، أو المساكين والمحتاجين، أو ابن السبيل المنقطع، أو الوقف على المدارس والمساجد والمستشفيات، والأراضي والعقارات، والأوقاف للقرض الحسن، والبيوت الخاصة للفقراء، والمطاعم التي يفرق فيها الطعام للمحتاجين والفقراء، ووقف بيوت للحجاج بمكة ينزلون فيها وقت الحج، ووقف الآبار. بل إنه شمل- أيضاً- الوقف على شؤون الزواج لمن ضاقت أيديهم عن نفقاته.
 
الوقف وعلاقته بالتنمية الاقتصادية
وفي الفصل الثاني: تطرق الباحث للوقف وعلاقته بالتنمية الاقتصادية، ومدى مساهمة الوقف في تفعيل الدورة الاقتصادية، ومعالجة العديد من المشاكل: البطالة، الفوارق بين الطبقات... ودور الوقف الهام في مجال التنمية، وتنشيط الإنفاق بنوعية الاستهلاكي والاستثماري... وكذلك قام في هذا الفصل بشرح دور الوقف في مجال التعليم، ودوره وارتباطه الوثيق بانتشار المدارس والمكتبات وتوفير الكتب والمراجع والرواتب للمعلمين، وأهميته في إحداث نهضة علمية أثبتها التاريخ. وكذلك تعرض في هذا الفصل لدور الوقف في المجال الديني، من خلال إقامة المساجد والتكايا والزوايا، وأهميته في الحفاظ على الشعائر الإسلامية على مر العصور، وكذلك دوره في الحفاظ على الشخصية الإسلامية من خلال تمويله للنشاط الديني من خلال تحفيظ القرآن ورعايته للمعاهد الدينية.
 
وتحدث  هذا الفصل من المجلد عن الوقف على الذرية كأحد مظاهر التأمين الاجتماعي في الإسلام؛ حيث يعمل على توفير صيغة فاعلة وصورة ناجحة للذين يرغبون في تأمين معيشة كريمة لعقبهم من بعدهم. وتكمن فاعلية هذه الصورة في كونها وثيقة تأمين لأجيال متعاقبة؛ فحيث وجدت الذرية استحقت ذلك الوقف على مر السنين. وقد ساهمت بعض أنظمة الوقف الذري في بعض الدول في تمكين الأسر التي تضم أفراداً عاجزين أو قاصرين من استغلال الوقف كمصدر دخل يدر عليهم أرزاقاً ثابتة، وأَسْهَم الوقف الخيري على المحتاجين والمعوزين بدرجة كبيرة في سد حاجات هذه الفئة؛ حيث عمل على تخفيف معاناتهم، وتأمين حياة كريمة لهم، وتوفير لقمة هنيئة.
 
وعرض الباحث لبعض مظاهر الوقف الخيري على المعدمين في عدة صور، منها: وقف الرباطات والخانات؛ لتأمين إقامة ومبيت لمن لا مأوى له، لاسيما أبناء السبيل الذين انقطعت بهم السبل ولا مأوى لهم. ووقف السقايات والمطاعم  للمعوزين الذين لا يملكون من المال ما يدفع عنهم ضرر الجوع والعطش، ومن أمثلتها: تكية السلطان سليم، والشيخ محيي الدين بدمشق، وتكية الحرم الإبراهيمي بالخليل، و صرف مبالغ ومساعدات عينية من الأوقاف على الفقراء والمساكين. وهذا النوع من المساعدة الوقفية بهدف تأمين دخل دوري وثابت لأولئك المعوزين أو العاجزين.
 
مشكلات أمام الأنشطة الوقفية
وتطرق الفصل الثالث من "الوقف ودوره في المجتمع الإسلامي المعاصر" لمشكلات الوقف والأخطار والمشاكل التي تعرض لها من المسلمين والنظار والسلاطين والحكام، وتعرض فيه كذلك للأسباب المالية والاقتصادية لتراجعه واضمحلاله، وكذلك للأسباب السياسية الداخلية والخارجية ـ الاستعمار، والتغريب الثقافي، والاحتلال الصهيوني ـ وشدد الباحث على ضرورة إحياء سنة الوقف باعتباره أهم أنواع التمويل الذي جاء به النظام الإسلامي لتحريك المال وتداوله؛ وذلك لأن الأموال المدخرة عند الأغنياء إذا أوقفوها بحيث تستغل استغلالاً تجارياً يدر ربحاً على الموقوف عليهم، الأمر الذي سيؤدي إلى زيادة في الطلب، وعندما تحدث الزيادة في الطلب يترتب على ذلك زيادة في الإنتاج لتلبية رغبات الطالبين، يسير مع زيادة الإنتاج قلة في التكاليف، بالإضافة إلى المنافسة الشريفة، وتوليد حركة استثمارية شاملة من المجتمع من خلال إنشاء الصناعات العديدة التي تخدم أغراض الوقف، ومن ذلك على سبيل المثال: صناعة السجاد، وصناعة العطور والبخور،  وهي صناعات ازدهرت من جراء عملية الوقف وما تولد عنها من صناعات، وبذلك يحقق النظام الاقتصادي الإسلامي في تشريعه للوقف عنصر التوازن من خلال التوزيع العادل للثروة بإيجاد مصارف متعددة لتقليب وتدوير المال في الأيدي، و إعادة دوران حركة الأموال والنقود في أيدي الناس؛ كي لا يكون دُوْلَة بين فئة معينة دون بقية أفراد المجتمع.
 
مقترحات لمعالجة سلبيات مستجدة
وطرح الباحث في الفصل  الأخير من الكتاب  بعض المقترحات لمعالجة السلبيات التي أحاطت بالوقف وإمكانية النهوض به، والعمل على تفعيل دوره على مستوى الأمة خاصة بعد ثبوت الدور التاريخي للوقف، حيث تجاوز المسلمون الحاجات الضرورية إلى الحاجات الكمالية، وعُرف من الأوقاف في الشام وقف خاص لشراء الفستق لطلبة العلم، ووقف خاص لشراء الزبادي التي تنكسر بأيدي الأولاد، ووقفوا الحلي للبس والاستعارة، كما فعلت السيدة حفصة ـ رضي الله عنها ـ، وغير ذلك من الأوقاف المختلفة. كما  تجاوز الوقف الإسلامي حاجات الناس إلى حاجات الدواب والحيوان، فوقفوا أوقافاً لها، ولعل أقرب الأمثلة إلى ذلك ساحة الشهداء بدمشق (المرجة) التي كانت في الحقيقة وقفاً للدواب، تأكل منها، وترعى فيها سائر الأوقات.
 
ورأى الباحث إمكانية لعب الوقف الإسلامي دوراً مهماً في عملية التنمية الاقتصادية والاجتماعية في كل بلدان العالم الإسلامي إذا توفرت جملة من  الشروط،  منها: وضع الأنظمة والقوانين التي تحمي أموال الوقف، وتساهم في تنمية دور هذه الأموال في الخطط الاقتصادية والاجتماعية في الدول الإسلامية، على أن تسند مهمة وضع الأنظمة والقوانين للخبراء من الفقهاء والاقتصاديين، و توجيه أموال الوقف توجيهاً سليماً نحو المشاريع ذات النفع العام وما يحقق مصلحة المجتمع بأسره، فإذا كانت حاجة الأمة إلى نوع محدد من المشاريع، كالمشاريع الزراعية أو الصناعية أو التجارية، كان من الواجب أن توجه هذه الأموال إلى الاستثمار في هذه المجالات، لاسيما أن الوقف يهدف فيما يهدف له: توليد دخل نقدي مرتفع، بحيث يضمن فرصاً أفضل لخدمة المجتمع وتلبية احتياجاته على الوجه الأكمل، و العمل على توسيع ممتلكات وأموال الوقف، بتشجيع المحسنين من خلال خطط إعلامية وإرشادية بجانب الاستفادة من التجارب والخبرات السابقة، وبخاصة في الدول الإسلامية التي حققت بعض النجاحات في هذا المجال.