المزاوجة بين الوقف الإسلامي وحملة دبي العطاء
2 مايو 2008 - 26 ربيع الثاني 1429 هـ( 2414 زيارة ) . ( رسالة )
التصنيف :الأوقاف
دبي: أحمد الشريف
 
دعت دراسة بحثية إلى الاستفادة من اموال الحملات الخيرية في انشاء اوقاف مختلفة الاهداف، تكون دائمة الربحية، وصدقة جارية.
 
واقترحت الدراسة أن يتم الاستفادة بأموال حملة "دبي العطاء" التي جمعت مايزيد عن ثلاثة مليارات درهم في إنشاء أوقاف تخدم الفقراء.
 
وقالت إن الوقف مصدر خير للمجتمع الإسلامي ، وعامل إصلاح في حياة المجتمع ، فله دور هام في تغطية جانب كبير من جوانب المتطلبات الاجتماعية، وفي سد الثغرات الاقتصادية لفئات عديدة من أفراد المجتمع ، كما أنه يعمل على دفع وتنمية المسيرة الاقتصادية ، ويحقق المتطلبات الدينية التي تساعد على استمرارية التعاليم الإسلامية في مجتمع مترابط ومتعاون يعمل على إنجاح مسيرة الأمة الإسلامية في جميع مناحي الحياة .
 
وأشارت إلى أن الهدف العام للوقف هو إيجاد مورد دائم ومستمر لتحقيق غرض مباح من أجل مصلحة معينة. أما الأهداف الخاصة فهي تحقيق مبدأ التكافل بين الأمة المسلمة ، وإيجاد التوازن في المجتمع ، وضمان لبقاء المال ودوام الانتفاع به والاستفادة منه مدة طويلة . إضافة إلى انه يمثل النفع العائد من المال المحبس ، فثوابه مستمر لموقفه حياً أو ميتاً ، وداخل في الصدقة الجارية.
 
يقول الباحث: إن الوقف أحد مآثر ، الأمة الإسلامية ، جاءت به الآيات القرآنية التي تدعو إلى فعل الخير وتحث على البر والإنفاق في سبيل الله ، وبينه المصطفى صلى الله عليه وسلم في سنته وحث عليه صحابته ، وتسابق المؤمنون في المبادرة إليه ، ووفقت الأمة في القيام به وتواصله ، فكان للوقف إسهام فاعل في ازدهار الحضارة الإسلامية إبان تألقها ، فكثرت وقوف  المسلمين وتعددت أنواعها ، واتسعت اهتمامهم لتشمل دور العبادة ، ودور العلم ومراكزه، والمستشفيات والملاجئ  والطرق والفقراء والمحتاجين وعابري السبيل ، وحماية تغور الدولة الإسلامية ، حتى شملت الحيوانات .
 
فالوقف رافد هام يرفد الحياة الاجتماعية والثقافية والعلمية والاقتصادية شعاره التراحم ، والتواصل والتعاطف والتكافل الاجتماعي بين المسلمين ، حتى شمل الوقف رعاية غير المسلمين .
 
معنى الوقف
هو التنازل عن ملكية المال مؤبداً لله تعالى، من أجل أن ينتفع به الناس، وذلك كوقف المساجد ليصلي فيها الناس، ووقف المدارس، ووقف مياه الشرب في الطرقات والأسواق.
 
مشروعيته
نظام الوقف نظام إسلامي أصيل ، فهو يقوم على الإحسان ويستمد إطاره العام من القرآن الكريم وأصوله من السنة النبوية الشريفة ، وتفاصيل أحكامه من اجتهادات الفقهاء ، فهو من خصائص الإسلام . قال الإمام الشافعي رحمه الله تعالى : لم يحبس أهل الجاهلية فيما علمت ، وإنما حبس أهل الإسلام ، والأدلة على مشروعية الوقف عند جمهور الفقهاء كثيرة منها .
 
قوله تعالى  : )  لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ فَإِنَّ اللّهَ بِهِ عَلِيمٌ ( [ آل عمران: 92] فالآية تأمر بالإحسان ، والوقف صورة من صوره الرئيسية ، وما روى عن ابن عمر قال : " إن عمر أصاب أرضاً بخيبر ، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم يستأمره فيها فقال : يا رسول الله إني أصبت أرضاً بخيبر ، لم أصب مالاً قط أنفس عندي منه فما تأمرني به ، قال : إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها "  قال : فتصدق بها عمر ، أنه لا يباع ولا يوهب ولا يورث ، وتصدق بها في الفقراء وفي القربى وفي الرقاب وفي سبيل الله والضيف لا جناح على من وليها أن يأكل منها بالمعروف ويُطعم غير متمول. وهذا النص صريح الدلالة على مشروعية الوقف ، قال ابن حجر : " حديث عمر هذا أصل في مشروعية الوقف "، وهو يدل على عدم جواز التصرف في الموقوف لأن الحبس معناه المنع ، فلا تكون المعين ملكاً ، ولا محلاً لتصرف تمليكي .
 
وما روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : " إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاثة أشياء : صدقة جارية أو علم ينتفع به ، أو ولد صالح يدعو له " ، وقد فسر العلماء الصدقة الجارية بالوقف لدوام منافعه وذكر الناس صاحبها بالخير .
 
وقد وردت آثار تدل على أن الصحابة رضوان الله عليهم تتابعوا في الوقف بعد وقف عمر، فقد روى أن عثمان رضي الله عنه  اشترى بئر رومة  ووقفها حين قال النبي صلى الله عليه وسلم:" من يشترى بئر رومة فيكون دلوه فيها كدلاء المسلمين" فاشتراها عثمان رضي الله عنه ، وروى أن علياً  رضي الله عنه تصدق بأرضه بينبع حبساً على الفقراء والمساكين وفي سبيل الله وابن السبيل .
 
قال ابن قدامة :وأكثر أهل العلم من السلف ومن بعدهم على القول بصحة الوقف ، قال جابر: لم يكن أحد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ذو مقدرة إلا وقف واشتهر ذلك فلم ينكره أحد فكان إجماعاً ، وقال الترمذي : " والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم لا نعلم بين المتقدمين منهم في ذلك اختلافاً في إجازة وقف الأرضين وغير ذلك "
 
أهداف الوقف وأهميته
الهدف العام للوقف : هو إيجاد مورد دائم ومستمر لتحقيق غرض مباح من أجل مصلحة معينة .أما الأهداف الخاصة فهي : 
 
1- تحقيق مبدأ التكافل بين الأمة المسلمة ، وإيجاد التوازن في المجتمع .
 
2- في الوقف ضمان لبقاء المال ودوام الانتفاع به والاستفادة منه مدة طويلة .
 
3- استمرار النفع العائد من المال المحبس ، فثوابه مستمر لموقفه حياً أو ميتاً ، وداخل في الصدقة الجارية يقول زيد بن ثابت : لم نر خيراً للميت ولا للحى من هذه الحبس الموقوفة ، أما الميت فيجري أجرها عليه، وأما الحي فتحبس عليه ولا توهب ولا تورث ولا يقدر على استغلالها .
 
4- تحقيق لأهداف واسعة وأغراض خيرية شاملة كدور العلم والوقف على طلبة العلوم الشرعية والعلوم المباحة .
 
5- فيه استجابة وامتثال لأمر الله تعالى بالإنفاق والبذل في وجوه الخير ، وامتثال لأمر الرسول صلى الله عليه وسلم بالصدقة وحثه عليها، وهو وسيلة لحصول الأجر والثواب من الله تعالى وتكثيره ، كما أن فيه وسيلة للتكفير عن الذنوب ومحوها .
 
6- بالوقف يمكن للمرء أن يؤمن مستقبله ومستقبل ذريته بإيجاد مورد ثابت يضمنه ويكون واقياً لهم عن الحاجة والعوز والفقر .
 
7- في الوقف حماية للمال ومحافظة عليه من عبث العابثين كإسراف ولدٍ أو تصرف قريب ، فيبقى المال وتستمر الاستفادة من ريعه .
 
8- في الوقف بر الموقوف عليه ، وقد حث الشرع على البر ورغب فيه .
 
9- يتحقق في الوقف في الدنيا بر الأحباب ، وفي الآخرة تحصيل الثواب ، وفي الوقف حل لكثير من المشاكل الاجتماعية التي تنتاب المجتمع في كل عصر وحين .
 
أثر الوقف في تنمية المجتمع
 يعد الوقف مصدر خير للمجتمع الإسلامي ، وعامل إصلاح في حياة المجتمع ، فله دور هام في تغطية جانب كبير من جوانب المتطلبات الاجتماعية، وفي سد الثغرات الاقتصادية لفئات عديدة من أفراد المجتمع ، كما انه يعمل على دفع وتنمية المسيرة الاقتصادية ، ويحقق المتطلبات الدينية التي تساعد على استمرارية التعاليم الإسلامية في مجتمع مترابط ومتعاون يعمل على إنجاح مسيرة الأمة الإسلامية في جميع مناحي الحياة .
 
فقد أدت الأوقاف الإسلامية ، دوراً متميزاً في مجال التعليم ، وفي نمو المجتمع اجتماعياً وثقافياً واقتصادياً ، فقد أوقف المسلمون على المساجد وغيرها من المؤسسات التعليمية والاجتماعية والاقتصادية ، فتحقق من خلال الوقف توفير المساجد والمدارس وما يحتاج إليه من أئمة وخطباء ومدرسين  وما يلزم لعمارتها من ماء وأطباء وتجهيز وصيانة ، في الأرياف والحواضر ، وتأمين الرعاية الصحية للمواطنين ، واطمئنان الفقراء والمساكين وأبناء السبيل ، والأرامل واليتامى والشيوخ ، والمرضى ، وحتى الأطفال الرضع ، فالجميع اطمأنوا على مصيرهم بالدعم الذي تقدمه لهم الأوقاف والإعانات ، وأنواع الأرزاق التي تجريها عليهم ، وغير ذلك مما تعجز الدولة عن حمله أحياناً، وقد وسع الأوقاف القيام به ، بفضل التنظيم الإسلامي لها ، وقدمت لجميع المجتمع خدمات جليلة في كافة مجالات الحياة وشؤونها ، حتى شملت خدمات الأوقاف ، ورعاية الحيوانات  وتقديم الطعام والشراب والعلاج لها ، من أوقاف حبست وخصصت لذلك رجاء رضوان الله تعالى .
 
لقد تنافس المسلمون على الوقف للمساجد والجهات العلمية والثقافية ، كالمدارس والكتب والمكتبات العلمية، والكتاتيب والمستشفيات التعليمية والمؤلفات في مختلف المجالات ، ولم يتركوا مجالاً لخدمة العلم والثقافة إلا وقفوا من أجله الأموال.
 
أولاً: الوقف على المساجد
وقد اعتنى المسلمون بالوقف على المساجد والإنفاق عليها، منذ عهد النبوة ، فقد شيّد الرسول – صلى الله عليه وسلم – المسجد بمجرد وصوله إلى المدينة ، ثم انتشرت في كافة أرجاء المعمورة فأدت دوراً عظيماً في بناء المسلم، عقيدة وعبادة وسلوكاً وأخلاقاً على امتداد تاريخ الأمة الإسلامية .
 
وقد اشتهرت عدة مساجد وجوامع في مختلف العصور الإسلامية، وفي أقطار متعددة في كونها مراكز للتعليم ، فكانت قبلة أنظار العلماء والمتعلمين وفي مقدمتها الحرم المكي، والمسجد النبوي في الحجاز ، ومسجد الكوفة، ومسجد البصرة في العراق ، والمسجد الأموي بدمشق ، والجامع الأزهر بمصر، وجامع الزيتونة بتونس، وجامع القرويين بالمغرب، وجامع قرطبة بالأندلس
 
 ثانياً: الكتاتيب
هي الأماكن التي كان يتعلم فيها الأطفال المبتدئون ، القراءة والكتابة، وحفظ القرآن وتلاوته وتجويده ومبادئ العلوم الدينية، وقد انتشرت الكتاتيب العامة الموقوفة عبر العصور المختلفة في جميع الأقطار الإسلامية، وقد بلغت المئات في المدينة الواحدة، وضم بعضها الألف من الطلاب ، وهي في جملتها وقفية تكفل مجانية التعليم للأطفال، وتوفر لهم لوازم الدراسة، وتجرى على المعلمين الذين ينقطعون للتدريس في هذه الكتاتيب رزقاً يكفيهم، ويسد حاجاتهم .
 
ثالثاً: المدارس
اهتم المسلمون بوقف المدارس على اختلاف مراحلها التعليمية: باعتبارها مصادر إشعاع لرقي الفكر والنهوض بالمعرفة الإنسانية، ووقفوا مع هذه المدارس أماكن لنوم الطلاب الغرباء، ومواضع للدراسة والمطالعة، وقاعات للبحث والكتابة، ومرافق صحية، وكان يقوم على هذه المدارس أساتذة عظماء وعلماء أجلاء، متفرغون للتعليم والمدارسة، ينفق عليهم من مال الوقف، حرصاً على أوقاتهم من التشتت، وضماناً لاستمرار أدائهم رسالتهم، في التعليم والإرشاد والتأليف والبحث، وتذكر كتب التاريخ أن المدارس الوقفية على اختلاف مراحلها التعليمية بلغ عددها في (صقلية) - في ايطاليا اليوم- في القرن الرابع الهجري (الحادي عشر الميلادي) أكثر من ثلاثمائة مدرسة، فيها عشرات الآلاف من الطلاب، في تعليم مجاني للجميع·ولا تزال أثار هذه المدارس باقية في كثير من العواصم والمدن الإسلامية في مكة والمدينة ودمشق وحلب والقدس وبغداد والقاهرة واسطنبول وغيرها من مدن آسيا الوسطى وايران والهند، وكان للأموال الموقوفة على تلك المدارس إسهام في تنشيط الحركة العلمية، ونشر التعليم  والارتفاع بالمستوى الثقافي ، وبناء الحضارة الإنسانية الإسلامية، وقد تخرج في هذه المدارس الكثير من العلماء والفقهاء والأدباء ، والمفكرين والمصلحين الاجتماعيين .
 
رابعاً: المكتبات
وقف المكتبات العلمية والثقافية: التي حوت عشرات الآلاف من الكتب في أصناف العلوم والثقافات والفنون والمعارف وكان يقوم على رعايتها وصيانتها موظفون وخطاطون ومترجمون وأمناء .
 
وقد تنافس الواقفون في إنشاء المكتبات الوقفية العامة والخاصة، وتزوديها بما يحتاج إليه الباحثون من مؤلفات ، ووقف الأموال اللازمة عليها تقرباً إلى الله تعالى ، ودعماً نشر العلم وتيسير المعرفة لعموم الناس، وللمحافظة على كتب التراث ومخطوطاته، لأنها من معالم الرقي الحضاري للأمة، وانتشرت خزائن الكتب الوقفية في مختلف أقطار العالم، وكانت هذه المكتبات بما تحويه من كتب قيمة لطلاب العلم، للتزود بالمعارف الجديدة، ومواكبة الأفكار والآراء للمؤلفين من مختلف الأقطار.
 
وقد اشتهر عدد من المكتبات في التاريخ الإسلامي منها : مكتبة بيت الحكمة ببغداد ، ودار الحكمة في القاهرة،وهناك مكتبات وقفية أخرى شهيرة مثل خزانة المالكية في مكة المكرمة، والخزانة العلمية الصبيحية بسلا في المغرب، وخزانة الكتب في حلب، ومكتبة شيخ الإسلام عارف حكمة بالمدينة ، ودار العلم في طرابلس الشام ، وخزانة كتب الهمذاني ، في همذان في إيران وغيرها كثير ، وكانت هذه المكتبات مع المكتبات الخاصة وراء حركة الازدهار الفكري والثقافي التي شهدها العالم الإسلامي على مدى قرون عديدة .
 
حملة دبي للعطاء والوقف الإسلامي
دبي العطاء - حملة خيرية قادها الشيخ  محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الامارات رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، بهدف توحيد مجتمع دبي على مختلف أعراقهم وثقافاتهم وجنسياتهم لدعم القضايا العالمية وبالتحديد قضية محاربة الفقر والأمية.ففي إطار الاهتمام الكبير الذي يوليه للقضايا الإنسانية وفي مقدمتها قضية العلم والمعرفة ومحاربة الفقر، وامتدادا لجهوده الدؤوبة لتحقيق مستقبل أفضل للإنسان، أطلق حملة "دبي العطاء" والتي تعتبر واحدة من أكبر الحملات الإنسانية العالمية لدعم التعليم في عدد من دول العالم الفقيرة. وهي حملة عالمية أطلقت اسم الإمارات عالياً في سماء العالم المحب للخير والعطاء والعمل الإنساني،وتستهدف حملة "دبي العطاء" مساعدة مليون طفل في الحصول على فرصة التعليم الأساسي الملائمة في عدد من الدول النامية نظرا لأهميته الكبيرة كونه أحد العناصر الرئيسية في مكافحة الأمية وغرس مبادىء العلم والمعرفة في عقول النشء إيذانا بإيجاد أجيال جديدة من المتعلمين القاردين على مواكبة قاطرة التقدم العالمية والتعاطي مع مجمل التحديات التي بات العلم الرافد الرئيسي في مواجهتها والتغلب عليها للخروج بالدول النامية من دائرة الفقر بنشر نور العلم وصولا إلى اللحاق بمسيرة التطور العالمي، وتتطابق أهداف المبادرة مع أحكام الوقف الإسلامي وأهدافه التي سبق وأن أشرنا إليها ، ومن أبرز ما يميز حملة "دبي العطاء" المشاركة الشخصية  للشيخ محمد بن راشد آل مكتوم وعدد من الشيوخ من أفراد عائلته ، في مجموعة من الفعاليات التي ستتضمنها الحملة، إضافة إلى تقديم الدعم المباشر سواء كان ماديا أو معنويا في سبيل إنجاح أهدافها، مع دعوة سموه لكافة المقيمين في دبي للمشاركة الفعالة لانجاح هذه المبادرة العالمية، وتأتي "دبي العطاء" لتنضم إلى سجل المبادرات ذات الطابع العالمي التي انطلقت من دبي مؤكدة قدرتها وحرصها الكبير على لعب دور فعال ومؤثر يساهم في تحقيق تطلعات شعوب العالم في إيجاد غد أفضل للأجيال القادمة، وهي مسؤولية عظيمة اختارت دبي أن تأخذ على عاتقها شرف المشاركة فيها بمجموعة متنوعة ومتميزة من الجهود التي تضع الإنسان في قلب اهتمامها.
 
 وترتكز فلسفة المبادرة على أهمية التعليم للأطفال وارتباطه الوثيق في عملية التنمية المستدامة التي يرجعها سموه إلى رقي فكر الإنسان مع توافر البنية التحتية الملائمة والمناخ المناسب والبيئة المواتية لإطلاق طاقات الإبداع والابتكار.ومن المقرر أن تطال الحملة عدة محاور اساسية لنجاح العملية التعليمية، من خلال التركيز على تشييد المباني المدرسية، وتدريب المعلمين وتحفيز الطلاب ومساعدتهم على الانخراط في العملية التعليم وخفض نسب التسرب من المدارس إلى أدنى مستوياتها في الدول التي ستشملها المبادرة.
 
ولعل من تيسير الله تعالى لفعل الخيرات أمام عباده أن هيأ لهم آليات يمكن الإفادة منها في تحقيق مقاصد الصدقة الجارية وبعض مصارف الزكاة دون المخاطرة بالأموال أو تبديدها، ويأتي في مقدمة ذلك الوقف الإسلامي ، ونحن من خلال هذا المنبر ندعو إلى وقف تلك الأموال والتبرعات التي تم جمعها من خلال مشروع : " دبي العطاء " حيث تبنى بها مدارس وتشيد بها الكتاتيب وأماكن تعلم وإقامة الطلبة ، وتوقف في سبيل الله ، وأيضا أن يستثمر جزء من هذه الأموال كأسهم وقفية ينفق من ريعها على الطلبة المحتاجين .
 
المهم أننا لا نوزع هذه الأموال عيناً على الطلبة أو المُدرسين، وإنما نستثمرها سنة أو سنتين، أو نشتري بها عقارات تدر أرباحاً وغلةً معتبرة ينفق منها على ما وقفت عليه من تعليم ومطتبات ودور علم، وبهذا نضمن بقاء أصول هذه الأموال ، لأننا لو وزعناها على المحتاجين لضاعت في ساعتها ولم تحقق الأهداف المرجوة الدائمة .
 
وأقترح أن يتم التنسيق بين القائمين على مشروع : " دبي العطاء " ومؤسسة الأوقاف وشؤون القصر ، والمؤسسات المالية بأنواعها للاستثمار الأمثل لهذه الأموال ، والتفكير في بناء المشاريع الوقفية التي يصرف ما تدره من أرباح على المشاريع التي تهدف :" دبي العطاء"  تحقيقها ، حيث نضمن مصدر إنفاق دائم على الجهات المحتاجة حتى تنهي تعليمها وتنتقل إلى العمل والإنتاج والاستغناء ..
 
 إن تعظيم منافع مشروع : " دبي العطاء "  يتطلب عملا مؤسسيا منظما والتفكير في آلية استثمارية مربحة تشارك فيها المؤسسات ذات العلاقة  مثل : مؤسسة الأوقاف ، وهيئة السوق المالية، ووزارة الشؤون الاجتماعية،  وأن ندفع البنوك والمؤسسات المالية الأخرى إلى تأسيس صناديق "استثمار" تتولى استقبال صدقات المحسنين وأهل البر  لشراء أسهم شركات معينة ووقف ريعها لصالح  التعليم ، وبناء المدارس والمكتبات بعينهم.
 
إن إنشاء صناديق استثمارية لإدارة ما يوقفه المحسنون من أسهم في الشركات المدرجة في السوق المالية كصدقة جارية سيجذب شرائح كبيرة من المجتمع للإنفاق في الأعمال الخيرية، ويفتح أبوابا واسعة لتمويل الأنماط الجديدة من احتياجات المجتمع. إذ تتميز هذه الآلية بأن ريع الوقف يصل المستفيد وافيا كاملا دون عناء وهي أمنية لكل من أوقف مالا لعمل الخير. ليس هذا فحسب، بل إن إجراءات متابعة وتدقيق الصدقات ومصارفها أكثر انضباطا وشفافية إذا أسندت إدارتها إلى صناديق متخصصة ذات أصول مالية متينة، إذ ستعمل تلك الصناديق تحت سمع جهات رقابة متعددة وبصرها ما يدرأ الكثير من الشبهات التي طالت الأعمال الخيرية في السنوات الأخيرة. والجميل في هذه الآلية للعطاء والإنفاق لمساعدة الآخرين أنها ستكون ميسرة للجميع كل على مقدرته وسعته.