المعاملات الإسلامية المنسية" لتنشيط العمل الخيري الإسلامي
4 مايو 2007 - 17 ربيع الثاني 1428 هـ( 2812 زيارة ) . ( رسالة )
مدير مركز الاقتصاد الإسلامي بجامعة الأزهر في دراسة حديثة :
 
"بذل الفضل" مبدأ  إسلامي كفيل بإغناء كثير من المحتاجين عالمياً
 
المسلمون مطالبون بتفعيل الآليات الإسلامية لسد حاجات المحرومين
 
عدد فقراء العالم ارتفع إلى 3 مليارات إنسان بينهم 800 مليون جائع
 
عرض وتقديم: محمـد الدسـوقي- القاهرة
 
في دراسة حديثة  مهمة، شدد المفكر الإسلامي والخبير الاقتصادي الدكتور محمد عبد الحليم عمر مدير مركز الاقتصاد الإسلامي بجامعة الأزهر على ضرورة إحياء "المعاملات الإسلامية المنسية" لتنشيط العمل الخيري الإسلامي في جميع مجالاته، لخدمة الفقراء والمحتاجين.
 
وأكد أنه في مقدمة تلك المعاملات "بذل الفضل" الذي يمكن من خلاله حل مشكلات عديدة من بينها الجوع، والانتقال، والكساء.
 
وأشار الدكتور محمد عبد الحليم عمر إلى تعاليم الإسلام وأحكامه السامية تتضمن وسائل "خيرية" عديدة لتوفير الحماية الاجتماعية لجميع المحتاجين.
 
ودعا علماء المسلمين ودعاتهم ومفكريهم وباحثيهم إلى تفعيل الآليات الإسلامية لسد حاجات المحرومين، ولفت أنظار الآخرين إليها، باعتبارها آليات مضمونة لتخفيف حدة الفقر، وسد حاجات المحرومين، مشيرا إلى أنه من بين تلك الآليات "الإبضاع" و"المنيحة".. وغيرهما.
 
وأكد أهمية تلك الآليات الإسلامية في خدمة فقراء العالم كله وليس العالم الإسلامي وحده، مشيرا إلى أن مشكلة الفقر والحرمان البشرى في تزايد؛ فقد وصل عدد الفقراء إلى نحو  3 مليارات نسمة، منهم 1.3 مليار في فقر مدقع، إضافة إلى 800 مليون إنسان يعانون من الجوع.
 
وفي السطور التالية نتعرف على أهم ما جاء في هذه الدراسة المهمة
يقول الدكتور محمد عبد الحليم عمر في دراسته القيمة: "لقد وضع الله سبحانه وتعالى أساسا لتنظيم العلاقات بين الناس في شتى المجالات ومنها العلاقات الاقتصادية، وهو الذي يستفاد من قوله تعالى: "إنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ".
 
فالعدل أساس العلاقات التي قوامها «المعاوضات» بلغة الفقه، أو المعاملات بلغة الاقتصاد، والتي يقدم فيها كل طرف عوضا مقابل ما يقدمه له الطرف الآخر، مثل السلعة والثمن في البيع، والعمل والأجر في الإجارة.. وهكذا.
 
أما الإحسان فهو أساس العلاقات التي قوامها "التبرعات" بلغة الفقه، أو «التحويلات أو آليات إعادة التوزيع» بلغة الاقتصاد.
 
وتطبيقاً لهذا الأساس جاءت الشريعة الإسلامية بالأحكام السديدة والتوجيهات الرشيدة لتنظيم تفاصيل جميع أنواع المعاملات التي تنطوي تحت هذين النوعين من العلاقات من أجل تحقيق الخير للبشرية.
 
تخفيف معاناة المحرومين
ويضيف الدكتور محمد عبد الحليم عمر أنه إذا كان الناس لديهم الدوافع الذاتية للقيام بالمعاملات التعويضية لتحقيق مصالحهم، فإنهم لا يقدمون التبرعات إلا بدافع من الدين، ومن هنا كان اهتمام الإسلام بالحث على الإحسان للغير من الفقراء والمحتاجين وشرع لذلك العديد من الآليات التنظيمية، وما أحوج الناس الآن - وخاصة المسلمين-  إلى تفعيل هذه الآليات لأمور مهمة.. منها:
 
- طاعة لله عز وجل الذي أمر بالإحسان، ورجاء ثوابه تعالى.
 
- أن مشكلة الفقر والحرمان البشرى في تزايد، فقد وصل عدد الفقراء إلى حوالي 3 مليارات نسمة يمثلون نسبة 50% من سكان العالم، منهم 1.3 مليار في فقر مدقع، ويوجد حوالي 800 مليون إنسان يعانون من الجوع.
 
كما أن النسبة بين متوسط دخل الفرد في الدول المتخلفة إلى نفس المتوسط في الدول المتقدمة تبلغ 113:1 وأن 20% -والذين يمثلون سكان الدول المتقدمة - يستحوذون على 80% من الاقتصاد العالمي، بينما نصيب الـ80% -الذين يمثلون سكان الدول المتخلفة - هو20% فقط.
 
وتزداد الحالة سوءا بالنسبة للعالم الإسلامي الذي يبلغ عدد سكانه 1306 ملايين نسمة في أكثر من 60 دولة منهم حوالى890 مليون نسمة فقراء بنسبة تبلغ حوالي 68.5%.
 
- سيادة نظام رأسمالية السوق الحرة الذي فشل في تحقيق العدالة الاجتماعية ويؤدي إلى زيادة معاناة الفقراء.
 
ولذلك كان لابد من البحث عن أساليب وآليات أخرى للتخفيف من حدة الفقر وتقليل معاناة الفقراء والمحرومين، ولذا فإنه من الواجب على المسلمين- وخاصة علماء الإسلام ومراكز البحث والعلم الإسلامية- الإسهام الإيجابي بتقديم ما شرعه الإسلام من أساليب للحماية الاجتماعية للعالم، وتفعيله في حياتهم.
 
ويمضي الدكتور محمد عبد الحليم عمر في دراسته القيمة قائلا: إذا كان التركيز في البحث والتطبيق انحصر في أسلوب إسلامي واحد وهو الزكاة التي ثبت نجاحها إلى حد كبير، فإن الشريعة الإسلامية غنية بالعديد من الأساليب الأخرى التي يمكن أن تفيد في هذا المجال ومنها ما تتناوله هذه الدراسة، وقد أسميناها "معاملات شرعية منسية" لأنه رغم النص عليها صراحة في القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة وتضمنها في الآيات القرآنية التي تحث على الإحسان للغير، وذكر أحكامها في كتب الفقه ـ إلا أن حظها من التدريس والبحث قليل، كما أنها منسية في التطبيق أو غائبة عن حياة المسلمين الذين يقلدون ما لدى الغير وينسون ما لديهم.
 
 وهذه الأساليب المنسية عديدة، وقد اخترنا منها ثلاث معاملات هي: "بذل الفضل، والإبضاع، والمنيحة"، وسوف نعرض كل معاملة منها ببيان الجوانب الشرعية ثم بيان وجه الحاجة إليها وكيفية تطبيقها في الوقت المعاصر.
 
حل مشكلة النقل
ويتناول الدكتور محمد عبد الحليم عمر "بذل الفضل" فيعرفه بأنه: "إعطاء الغير ما بقى عن حاجة الإنسان ومن يعولهم من المال".
 
ويقول: إن بذل الفضل في الأصل من باب الإحسان المأمور به شرعا، كما أنه يدخل في إطار قوله تعالى: "وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ".. ويوجد دليل خاص به في قول الرسول صلى الله عليه وسلم الذي رواه أبو سعيد الخدري: "من كان معه فضل ظهر فليعد به على من لا ظهر له، ومن كان له فضل زاد فليعد به على من لا زاد له..".
 
فهذا الحديث يحث على الصدقة، والجود، والمواساة، والإحسان إلى الرفقة والأصحاب، وقيام الأغنياء وكبار القوم بمصالح ومواساة المحتاجين.
 
وبذل الفضل من باب الإحسان والتبرع إلا أنه يكون واجبا في حالة الاضطرار؛ لأن الرسول - صلى الله عليه وسلم-  نهى عن منع فضل الماء في الحديث الشريف: "لا يمنع فضل الماء ليمنع به الكلأ".
 
ويحدد الدكتور محمد عبد الحليم عمر بعض مجالات التطبيق المعاصر لبذل الفضل.. ومنها وسائل الانتقال، حيث يمثل الانتقال في الوقت المعاصر مشكلة كبرى خاصة في المدن الكبيرة، ويعانى الناس من هذه المشكلة سواء من حيث تكاليف الانتقال لمن ينتقل يوميا من محل إقامته إلى مكان عمله، أو من حيث الزحام الشديد وما يترتب عليه من ضياع الوقت واستهلاك الوقود، وأن الأغلب من السيارات الخاصة يركبها شخص واحد.
 
وهنا يمكن استخدام أسلوب بذل الفضل للإسهام في حل هذه المشكلة؛ فالحديث الشريف ينص على بذل فضل الظهر، أي ظهر الدابة باعتبارها كانت وسيلة المواصلات، بمعنى أن يحمل صاحب الدابة الخالية في سفر أخاه عليها تبرعا وإحسانا والله يثيبه على ذلك، وكيفية ذلك في الوقت المعاصر أن يتم الاتفاق بين جارين أو متقاربين في السكن والعمل أو أكثر من شخص على أن يركبا معا في سيارة أحدهما بالتناوب كل يوم أوكل أسبوع، أو أن يسمح صاحب السيارة بإركاب بعض من ليست لديهم سيارة من جيرانه في السكن والعمل تفضلاً منه، وبالتالي تقل عدد السيارات في الشوارع بما يساهم في علاج أزمة المرور.
 
ويشير إلى أن الركوب بالتناوب في سيارة واحدة مطبق في بعض الدول مثل الكويت، كما أنه نظراً لازدحام المرور في إندونيسيا لا يسمح بمرور السيارات داخل مدينة جاكرتا العاصمة ما لم تكن محملة بعدد ثلاثة أفراد على الأقل، وبالتالي فبدلا من إصدار تعليمات ملزمة يتم استخدام أسلوب "بذل الفضل" طواعية رجاء الثواب من الله عز وجل.
 
وفي ترتيب آخر يمكن من باب الصدقة قيام أهل الفضل من الأغنياء باستئجار سيارة أو أكثر للنقل الجماعي لبعض المواطنين خاصة من صغار العاملين الفقراء إلى أماكن عملهم.
 
مواجهة مشكلة الجوع
وينتقل الدكتور محمد عبد الحليم عمر إلى مجال آخر مؤكدا أنه يمكن تطبيق بذل الفضل في حل مشكلة الجوع، فالمجال الثاني الوارد في الحديث النبوي الشريف هو "بذل فضل الزاد"، ونحن نعلم أن الطعام هو الضرورة الأولى من ضرورات الحياة، وأنه في ظل تزايد نسبة الفقر يعانى الفقراء من سوء التغذية، بل من الجوع، هذا في الوقت الذي يعانى فيه بعض الأغنياء من التخمة وأمراضها، وتلقى الكثير من كميات الطعام الفائضة منهم ومن بعض أفراد الطبقة المتوسطة في صناديق القمامة.
 
ومن هنا يمكن استخدام أسلوب بذل الفضل في تجميع الطعام الفائض من المنازل وخاصة اللحوم والفواكه، ومن الحفلات خاصة في الفنادق الكبرى وحفلات الأفراح بواسطة الجمعيات الخيرية، وإعادة فرزه وتعبئته في علب أو أكياس وتوزيعه على فقراء الحي بصفة دورية.
 
كما يمكن تطبيق بذل الفضل في الملابس، فمن الأمور اللافتة للنظر الآن كثرة مشتريات البعض من الملابس -خاصة النساء- جريا وراء تغيرات الموضة، وبالتالي تتجمع لديهن الكثير من الملابس التي تكون محلا لبذل الفضل، ولذلك فإنه يمكن تطبيقه في مجال بذل الفائض من الملابس للفقراء عن طريق تولى الجمعيات الخيرية هذا العمل بتجميع وتلقى الملابس من أصحابها وغسلها وكيها وتغليفها ثم توزيعها على الفقراء.
 
وكذلك تطبيق بذل الفضل في توفير العدد والآلات للحرفيين، حيث تعد مشكلة البطالة من أخطر المشكلات المعاصرة ويعلق الجميع آمالا كبيرة لحلها عن طريق المشروعات الصغيرة والحرفية التي يعمل الشباب العاطل فيها، ولكن الكثير منهم ينقصه التمويل خاصة لمبنى الورشة ولعدد وأدوات الحرفة، ويمكن التخفيف من هذه المشكلة عن طريق أسلوب بذل الفضل الذي يقدم من خلاله أصحاب الورش الكبيرة والمصانع العدد التي لا يستخدمونها وتفيض عن حاجتهم لهؤلاء الشباب لبدء مشروعاتهم، ويمكن أن يتولى تنظيم ذلك الجهات المعنية بالصناعات الصغيرة مثل اتحاد الصناعات أو النقابات المهنية أو الجمعيات الخيرية.
 
وكالة بدون أجر
أما "الإبضاع" فيقصد به "بعث المال مع من يتجر فيه تبرعا والربح كله لرب المال".. وهذا المال قد يكون مبالغ نقدية أو بضاعة.
 
ويقول الدكتور محمد عبد الحليم عمر: الإبضاع يدخل في باب التعاون المأمور به في قول الله عز وجل: "وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى".. ويدخل في قول الرسول - صلى الله عليه وسلم- : "والله في عون العبد مادام العبد في عون أخيه".. رواه  أبو هريرة، وفى الحديث الذي رواه أبو ذر حينما سأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم- : أي العمل أفضل؟ فقد جاء فيه ما يدل صراحة على أفضلية الإبضاع وهو أنه من الأعمال الفاضلة "أن تعين صانعا".. والإبضاع نوع من الوكالة بدون أجر، والوكالة جائزة شرعا.
 
وهناك حاجة إلى الإبضاع لأن رب المال قد لا يحسن التجارة، وقد يحسن ولا يتفرغ فيوكل غيره عنه في التجارة بماله تبرعا، فهي حينئذ سبيل للمعروف وتآلف للقلوب وتوثيق للروابط، ومن جهة أخرى يستفيد التاجر المستبضع بضم مال المبضع إلى ماله والتجارة بهما معا فتتوسع أعماله ويزيد ربحه.
 
ويحدد الدكتور محمد عبد الحليم عمر عددا من أهم المجالات المعاصرة التي يمكن تطبيق الإبضاع فيها، ومنها: تسويق منتجات المشروعات الصغيرة، حيث تحتل تلك المشروعات أهمية كبرى في الاقتصاديات المعاصرة فتبلغ حوالي 9 ملايين منشأة في الولايات المتحدة الأمريكية تساهم بحوالي 30% في الناتج القومي، ويبلغ عددها 6 ملايين منشأة في اليابان يعمل فيها 81% من مجموع العمالة، كما أنها تمثل حوالي 90% من عدد المشروعات في مصر وتسهم بحوالي 66% في الناتج القومي وتستوعب 70% من العمالة، وهى الأمل الذي تركز عليه الدول لحل مشكلة البطالة ولذا تهتم بها كثيرا، وتحاول تذليل العقبات أمامها.
 
ويعتبر التسويق من أكبر المشكلات التي تواجه هذه المشروعات خاصة الحرفية والمشروعات الصناعية متناهية الصغر؛ لأن أصحابها في الغالب من الفقراء والذين لا يستطيعون النفاذ إلى الأسواق لبيع إنتاجهم، كما أن ظروفهم المالية لا تمكنهم من تحمل تكاليف التسويق وهم في احتياج لكامل إيراد مبيعاتهم.
 
ومن هنا يمكن استخدام أسلوب الإبضاع عن طريق الاتفاق مع الغرف التجارية في كل مدينة لتنظيم العملية مع المتاجر الكبرى والمتوسطة للقيام بتسويق بضاعة المشروعات الصغيرة عن طريق تخصيص بعض نوافذ العرض (الفاترينات) بمتاجرهم وبيعها لحساب أصحابها تبرعا منهم وتسليمهم كامل إيراد المبيعات، وهذا العمل يعد من الإحسان الذي أمر الله سبحانه وتعالى به.
 
استثمار أموال اليتامى
ويؤكد الدكتور محمد عبد الحليم عمر أنه يمكن استخدام أسلوب الإبضاع في استثمار أموال اليتامى، وذلك عن طريق تبرع بعض رجال الأعمال باستثمارها مع أموالهم وصرف الربح لليتامى فهذه من الصور الأصلية التي نص عليها الفقهاء.
 
كما يمكن استخدام أسلوب الإبضاع في استثمار أموال الخيرات، وتتمثل في نوعين:
 
الأول: أموال الزكاة التي تحصلها الجمعيات الخيرية ثم تقوم بصرفها للفقراء في صورة رواتب شهرية حيث تتجمع لديها مبالغ تحتفظ بها لحين موعد الصرف.
 
الثاني: ما يقوم به بعض المسلمين بتخصيص عائد مبالغ يتم استثمارها وصرف عائد الاستثمار للفقراء، حيث يمكن في الحالتين الاتفاق مع بنك إسلامي لاستثمار هذه الأموال تبرعا بنظام الإبضاع في صورة "حسابات استثمار خيرية" وصرف العائد كله للمستحقين الذين يحددهم صاحب الحساب دون خصم حصة البنك بصفته مضاربا أو تحميل الحساب بأية مصروفات، ويعد هذا النشاط أداء للمسئولية الاجتماعية في البنك.
 
التبرع بمنافع الأعيان
أما "المنيحة" فالأصل فيها الشاة أو الناقة يعطيها صاحبها رجلا يشرب لبنها ثم يردها إن انقطع اللبن، ثم كثر استعمالها حتى أطلقت على كل عطاء. والمنيحة ما يعطى ليتناول ما يتولد منه كالثمر واللبن ونحو ذلك ثم يرد.
 
وهى تدخل في باب الإحسان المأمور به شرعا، إضافة إلى أدلة خاصة بها من الحديث النبوي الشريف منها ما رواه عبد الله بن عمرو بن العاص، والذي قال فيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم-: "أربعون خصلة أعلاهن منيحة العنز ما يعمل رجل بخصلة منها رجاء ثوابها وتصديق موعودها إلا أدخله الله بها الجنة".
 
ويتناول الدكتور محمد عبد الحليم عمر بعض مجالات التطبيق المعاصر للمنيحة قائلا: المنيحة في مضمونها الموسع تمتد إلى التبرع بمنافع الأعيان أو منتجاتها، وسوف نقتصر على ذكر مجال واحد لتطبيق أسلوب المنيحة لأهميته القصوى وهو مجال الإسكان، فمن المعروف أن المسكن من ضروريات الحياة، و أنه توجد أزمة إسكان حادة ببعض المدن في الوقت الذي توجد فيه مساكن خالية كثيرة يدخرها بعض الناس لمدد طويلة، ويمكن استخدام أسلوب المنيحة في الحل الجزئي لمشكلة الإسكان بالطرق التالية:
 
الطريقة الأولى: يوجد آلاف الطلاب الجامعيين الفقراء المغتربين في المدن الكبرى من المصريين ومن الدول الإسلامية الذين يدرسون في الجامعات المصرية وخاصة جامعة الأزهر ويعانون أشد العناء من السكن في ظل الإيجارات الجديدة المرتفعة، وتعجز إمكانيات المدن الجامعية عن استيعابهم، ويمكن عمل ترتيبات خاصة بين جامعاتهم وبين أصحاب الشقق الخالية لمنحهم السكن في هذه الشقق خلال فترة الدراسة على أن يتحمل الطلاب أو الجامعة تكاليف المياه والكهرباء والصيانة الدورية.
 
كما يمكن أن تتولى الجامعة فرشها بالأثاث المناسب، وتشرف على حسن استخدام الطلاب لهذه الشقق وحفظ حقوق أصحابها. وبذلك تتحقق مصلحة الطلاب بالسكن المناسب، وتتحقق المصلحة لأصحاب الشقق بالبركة والثواب من الله عز وجل من جهة وبشغل الشقق بدل تركها خالية ويتم ردها إليهم من جهة ثانية.
 
الطريقة الثانية: يمكن لذوي الفضل والكرم من أغنياء المسلمين أن يساهموا في حل مشكلة الإسكان لهؤلاء الطلاب بأسلوب المنيحة باستئجار عمارة كاملة أو بعض الشقق ومنح سكناها للطلاب بنفس الترتيبات التي ذكرناها في الطريقة الأولى بالاتفاق مع الجامعات.
 
الطريقة الثالثة: يمكن استخدام الشقق الخالية أو الاستئجار ومنح منفعة السكنى للشباب المقبل على الزواج في بداية حياته الزوجية حتى يتمكن من تحمل تكاليف السكن بموارده الخاصة، ويمكن أن يتم ذلك بترتيب واتفاق يحفظ حقوق أصحاب المساكن من خلال الجمعيات الخيرية أو مجالس الأحياء.
 
ويختتم الدكتور محمد عبد الحليم عمر دراسته القيمة قائلا: هذه أهم الأفكار حول التطبيق المعاصر لبعض المعاملات الشرعية المنسية والغائبة عن حياة المسلمين والتي اتضح أنها يمكن أن تلعب دوراً بارزاً في علاج الكثير من المشكلات المعاصرة، فهي دعوة للمسلمين لكي يتوجهوا في تنظيم جميع أمور حياتهم على الأحكام الشرعية السديدة والتوجيهات الإسلامية الرشيدة طاعة لله عز وجل، بدلاً من أن يعيشوا عالة على فكر ونظم الآخرين.