في المنظور الحضاري: المنظمات الدولية .. رؤية تأصيلية
11 مارس 2012 - 18 ربيع الثاني 1433 هـ( 3984 زيارة ) . ( كتاب )
عرض: علي الرشيد
 
توسّع دور المنظمات الدولية في ظل العولمة، وتعضدت مهمتها المفترضة في حماية الحق والسلم والأمن العدل، ولم يعد من خيار أمام الدول والحكومات والشعوب والأمم من التعامل معها.
 
صحيح أن هذه المؤسسات، تاريخيا، شكّلها وهيكَلها الأقوياءُ والمنتصرون لحماية مكاسبهم واستمرار هيمنتهم وخدمة أهدافهم وتحقيق مآربهم في شرعنة احتلال واقتسامه، ولكن صحيح - أيضا - أن على المسلمين استثمار العولمة للإفادة من المؤسسات الدولية والروابط الإنسانية المعاصرة؛ لبيان دور القيم الإسلامية في تفعيل هذه المؤسسات، وإكسابها إتقان العمل وأخلاق المعرفة، وانتشالها من التحيز والتمييز العنصري، وبيان نوع العطاء الذي تضطلع به القيم الإسلامية، والذي لا يزال غائبا عن الحضارة التي نشأت هذه المؤسسات في ظلها، وضبط مسيرتها بموازين الحق والعدل والأمن والسلم الدوليين (وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله إنه هو السميع العليم) [الأنفال: 61].
 
البحث عن البديل
ولعل كتاب "في المنظور الحضاري: المنظمات الدولية.. رؤية تأصيلية"، والذي يحتل رقم: 147 ضمن سلسلة " كتاب الأمة" بدولة قطر، لمؤلفه الدكتور: سامي الخزندار، يحاول ـ في ظل الأزمة الحضارية التي نعيشها ـ تقديم نموذج حضاري يصلح لأن يكون أحد مكونات قيادة المجتمع الإنساني وخدمته، والبحث عن هذا البديل لا يعني بالضرورة إلغاء أو الاستغناء عن أدوات أو خبرات المجتمع السياسي الإنساني في إدارة وقيادة المجتمع الإنسانية وتطويره، مثل: المنظمات الدولية، التي تشكل حاجة إنسانية في مجال العلاقات الدولية، وإنما المطلوب هو معرفة كيفية الاستفادة منها حضاريا، مع محاولة إزالة العوائق التي تحدث خللا وانحرافا في مسيرتها أو دورها في خدمة جميع المجتمع الإنساني الدولي على أساس من العدالة والمساواة والمصالح المشتركة.
 
الأسس والقواعد العامة
وبعد أن حدد المؤلف الإطار المنجهي لدراسته تناول ماهية المنظور الحضاري الإسلامي تجاه المنظمات الدولية المعاصرة، من خلال طبيعة أهداف وغايات المنظمات الدولية في المنظور والرؤية الحضارية الإسلامية، وتحديدا ما يتعلق بالغايتين الأساسيتين لمبررات وجودها المعلنة، وهي: "تحقيق الأمن والسلم" وتحقيق "التعاون" بين أعضائها، والأسس والقواعد العامة للمنظور الدولي تجاه المنظمات الدولية، والتي تتكون من أربعة مستويات:
 
1- المقاصد العامة للشريعة.
 
2- المبادئ الإسلامية العامة في مجال العلاقات الدولية.
 
3- القواعد الأصولية والفقهية.
 
4- الاجتهاد التطبيقي و"فقه الاعتبارات".
 
الإشكاليات والتحديات
ثم يفرد المؤلف بابا للإشكاليات والتحديات التي تواجه ممارسة المنظور الإسلامي في المنظمات الدولية المعاصرة، ويقسمها إلى قسمين: داخلية وخارجية.
 
ويذكر أن أهم التحديات الداخلية هي حالة الضعف والتفكك الحضاري للعالم الإسلامي، ومحدودية جهود الباحثين وصناع القرار في بناء وصياغة النظرية أو المنظومة "السياسية ـ الفكرية ـ الدولية " للدولة الإسلامية المعاصرة في العالم الإسلامي، وشبه غياب للإرادة السياسية العليا في العالم الإسلامي في العلاقات والمنظمات الدولية.
 
أما التحديات الخارجية، فتتلخص في: الهيمنة الأحادية القطبية للمنظومة السياسية الغربية على النظام الدولي المعاصر على حساب التعددية الحضارية والسياسية، وهي ما جعلت العالم الإسلامي يقع ضمن التبعية، أو ما يطلق عليه بـ"إلحاق الحضاري"، وظاهرة الخوف من الإسلام "الإسلاموفوبيا" لدى معظم الدول الأعضاء في المنظمات الدولية، وبخاصة الغربية منها، التي تسيطر على القرار في المنظمات الدولية المهمة.
 
الوسائل والإجراءات
ويختتم الكاتب بتخصيص مساحة لدور المنظمات الدولية المفترض في فض النزاعات في المنظور الحضاري الإسلامي، مستعرضا أولا: الوسائل والإجراءات في المنظمات الدولية والإقليمية الحالية، وهي:
 
§ الوسائل السياسية والدبلوماسية: وتشمل المفاوضات بين أطراف الصراع، استخدام لجان مؤتمرات السلام، الوساطة، المساعي الحميدة، التوفيق، وغيرها.
 
§ الوسائل القانونية والقضائية أو شبه القضائية: مثل: التحكيم، ولجان تقصي الحقائق، وغيرها.
 
§ وسائل القوة والإكراه: مثل: الحصار، والعقوبات الاقتصادية، استخدام القوة والتدخل العسكري كقوات حفظ السلام، والعقوبات السياسية والدبلوماسية، مثل: قطع العلاقات الدبلوماسية، وغيرها.
 
ولا شك أن المنظور الحضاري الإسلامي يتقاطع مع وسائل هذه المنظمات الدولية في تسوية الصراعات وفض النزاعات، سواء من حيث إقرارها أو ممارستها أو دعمها، ولكنه قد يختلف في الكيفية، وفي طبيعة القضايا والأطراف والدوافع أو  المبررات في استخدام بعضها، وبشكل خاص وسائل القوة والإكراه، فهو يدعو إلى الوسائل السلمية أوّلا في فض النزاعات أو "إصلاح ذات البين"، وهو ما يتوافق مع القانون الدولي والمنظمات الدولية المعاصرة، مع استبعاد إمكانية استخدام القوة في حالات معينة، وضمن ظروف وشروط معينة.
 
مثال عملي
وعلى سبيل المثال لا الحصر فإن الحصار الاقتصادي الشامل على مجتمع أو سكان مدنيين في دولة ما، وهي من الوسائل التي استخدمت عدة مرات من قبل بعض المنظمات الدولية الدولية والإقليمية ضد دولة ما، يعد شكلا من  أشكال "العقاب الجماعي"، التي تدل التجربة أن المنظور الحضاري لا يقبل ممارستها؛ لتعارضها من قواعد الرؤية الإسلامية من حيث إنه: " لا تزر وازرة وزر أخرى"، والمقصود هنا الشعوب التي ستضرر، ولأنه يتعارض مع تحقيق أحد المقاصد والضرورات الخمس في الشريعة الإسلامية للإنسان، وبخاصة أن فيها تهديدا لحياة الإنسان المدني غير المحارب من شيوخ وأطفال ونساء، وبالتالي هي تهديد لمصادر حياة الإنسان والمجتمع، وهو مرفوض في حالة الحرب في الإسلام، فكيف في ظروف غير الحرب؟!
 
بقي أن نشير أن الكتاب يقع في 125 صفحة من الحجم المتوسط، وأن مؤلفه الدكتور: سامي الخزندار يحمل الدكتوراة في العلوم السياسية، ويشغل مدير المركز العلمي للدراسات السياسية، وأستاذ العلاقات الدولية بالجامعة الهاشمية بالأردن، وله عدد من الكتب وأوراق العمل والأبحاث باللغتين العربية والإنجليزية، ومنها: المسلمون والأوربيون.. نحو أسلوب أفضل للتعايش.