نظام الوقف في التطبيق المعاصر
19 يوليو 2011 - 18 شعبان 1432 هـ( 3245 زيارة ) . ( كتاب )
التصنيف :الأوقاف
تأليف: محمود أحمد مهدي وآخرون
 
قراءة : أحمد فتحي النجار
 
إيماناً بدور نظام الوقف التاريخي في نهضة الأمة عبر سنوات ممتدة  من عمر الإنسانية، واحتساباً لوجه الله الكريم، واستعداداً لمستقبل مشرق آتٍ لا محالة، يكون الوقف فيه معزّزاً لدوره التاريخي كأحد أكبر مصادر قوة النهوض والرقي بهذه الأمة على كافة الأصعدة الإنسانية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية والتنموية، وبتكاتف من البنك الإسلامي الدولي، متمثلاً في المعهد الإسلامي للدراسات والبحوث التابع له، والهيئة العامة للأوقاف بالكويت، وعلى مدار سنوات طويلة من الجهود المبذولة عبر سلاسل طويلة من الفعاليات والندوات والمؤتمرات المتخصصة؛ جاء كتاب (نظام الوقف في التطبيق المعاصر) مدعوماً بنماذج من تجارب سبع دول إسلامية، جاء اختيارها مدعوماً بوجود المادة الصالحة للنش، ومراعاة تمثيل مختلف مناطق العالم الإسلامي الجغرافية بقدر الإمكان. والكتاب في مجمله يعد قراءة موجزة في أبرز ملامح تلك التجارب التاريخية الممتدة  - دون تعمق-، ومقوماتها  التنظيمية والقانونية والإدارية والتمويلية، والآفاق المتاحة؛ من أجل تطويرها..
 
ومن واقع قراءتنا للكتاب وجدنا أن الدول المختارة  كنموذج  قد عرفت نظام الوقف مع دخول الإسلام، وازدهر الوقف فيها بازدهار الحكومات الإسلامية المتعاقبة، وكان الاستعمار العقبة الرئيسية التي أدت لتراجع  دور الوقف كثيراً في مختلف الجوانب الإنسانية والاجتماعية؛ فقد طوقه الاستعمار من كل جانب، وكبّله، واستأثر لنفسه بموارده وأعيانه؛ لأنه كان يعلم يقيناً أنه من أهم مصادر قوة الدول التي حط فيها رحاله البغيضة. وبعد التحرر أدركت الدول ضرورة الوقف في الحياة الإنسانية والاجتماعية، فعمدت جميعها للعمل على إعادته، والبحث عن أصوله ووثاقه التي بددها الاستعمار، ومن ثم تقنينه من خلال قوانين خاصة، وتقليد إدارته إلى جهات وحقائب وزارية مختصة، تحسن إدارته واستغلاله، وتتمتع بالاستقلالية في معظم الأحوال، وإنشاء الصناديق التي تساعد في دعمه وتمويله وتطويره، وكذلك إنشاء الجهات الرقابية التي تكون راعياً لعدم المساس به إلا بحق.
 
دور الوقف المتقارب في كل الدول
الكتاب ـ أيضاً ـ يوضح أن للوقف أدوارا مهمة ومتشابهة في كل دول النموذج، وفي كل الدول، ولا غنى عنها في المستقبل القريب أو البعيد، فيساهم الوقف في المجال الديني في بناء المساجد والمنارات  الدينية، والإنفاق عليها وعلى ما يتعلق بها من أجور الأئمة والوعاظ وغيرهم، وما هي في حاجة إليه من مفروشات، ومياه، وإنارة .... إلخ.
 
دور الوقف في مجال التعليم والثقافة
ومن أهم أدوار الوقف أنه يساهم في النهضة الفكرية والثقافية والتعليمية، من خلال الوقف على المؤسسات العلمية، وإنشاء المدارس والمعاهد والجامعات، وتقديم المساعدات المباشرة وغير المباشرة للطلبة والمعلمين والشيوخ.
 
دور الوقف في المجال الاجتماعي
للوقف دور تاريخي متواصل لم ينقطع في الحياة الاجتماعية للمجتمع المسلم؛ فقد ساهم في نفع الأيتام والأرامل والفقراء، وإسعاف المرضى والعاجزين، ومساعدة المعاقين، وإنشاء الملاجيء والحمامات والأرحية والسقايات، وتسهيل عمليات الزواج ووقاية المجتمع من مخاطر كثيرة كانت ستعتريه لولا أن امتن الله تعالى على هذه المجتمعات بالإسلام بكل نظمه الأخلاقية، ومنها الوقف.
 
دور الوقف في الحياة الاقتصادية
يعتبر الوقف جزءا من الثروة القومية ومن دعائم الاقتصاد؛ حيث إن رأس المال الموقوف، من عقارات وأموال وغيرها، تعتبر بالنسبة للدول المسلمة من مصادر قوتها وحمايتها الاقتصادية الدائمة، وعادة ما تتسع وتتزايد في أوقات الأزمات. كما أن للوقف أدواراً ممتدة في العمليات الاقتصادية الحية والمستمرة عبر الزمن في البناء والتعمير، واستصلاح الأراضي، وإقراض المحتاجين دون فوائد، إضافة إلى القروض العينية المتنوعة، وتوليد فرص العمل، عبر سلاسل الإنتاج المتعلقة به، كالإنتاج الزراعي والصناعي والإنشائي، كما أن التعلق بالعمل والإنتاج الزراعي يحافظ على معدلات الهجرة بين الريف والمدن، والتي قد تصاحبها آثار اقتصادية واجتماعية سلبية.. ويساهم الوقف في إنعاش أسواق العقارات والوحدات السكنية والمحلات والمكاتب التجارية، وتوفير المساكن وأسباب العيش والاستقرار لمن لا قبل لهم به عن طريق الكراء، وهذا من الأمور المتشابهة في كل الدول ..
 
أنواع الأوقاف
لم يظهر في الكتاب أن هناك اختلافا بين الدول في تحديد أنواع الأوقاف والأحباس، وظلت الأحباس الموقوفة ما بين أحباس عامة تتوقف على جهات البر، فلا يكون المحبوس عليه شخصاً معيناً، ومثل ذلك العقارات المحبسة على خدمة المساجد والمستشفيات والمدارس وملاجيء العجزة ودور المسنين والأيتام، يضاف إلى ذلك الكتب والصحف والأجهزة والمعدات، وكذلك الأحباس والأوقاف المشتركة، وهو ما يكون موقوفاً لجهات البر وأشخاص معينة كالأبناء والأهل.
 
أما الأحباس الأهلية أو الذرية، وهي ما يكون فيها الوقف  في باديء الأمر من أجل الأهل والذرية حتى وقت معين، ثم بعد ذلك يكون من أجل جهات البر الموقوف عليها. و الأحباس الخاصة، وهي أن يحبس الرجل مالاً أو عقاراً على أولاده وأبنائه ما تعاقبوا وتناسلوا، ليستمر انتفاعهم إلى ما شاء الله.
 
استراتجيات للنهوض بالدور التنموي للوقف
لقد عكس الكتاب الاهتمام الكبير من قبل الدول الإسلامية، التي ضمها الكتاب بين دفتيه، بعد التحرر من ربقة الاستعمار والانتباه لأهمية الوقف في الحياة الإنسانية، فعمدت الدول على التنقيب وراء وثائقه لاستعادة أصوله، واستحداث قوانين من شأنها العمل على تنظيمه إدارياً وتمويلياً، وكذلك العمل على استثماره والنهوض به على الدوام، من خلال تنويع أساليب استثمار الموارد الوقفية، وتطويرها، والحفاظ على أصوله دون مساس، وحمايتها، وتنميته وتنمية موارده، والدعوة الدائمة إلى إحياء سنته؛ لكي تبقى هذه المؤسسة صرحاً شامخاً من صروح الإسلام المرتفعة إلى حدود السماء.
 
أغراض الكتاب
 
أولاً: جمع أكبر قدر من تجارب الدول والمجتمعات الإسلامية في مجال الوقف على صعيد واحد، مما يتيح الفرصة للدارسين والباحثين والقائمين على شؤون الوقف  العملية للاطلاع على ملامح التجربة الوقفية في ماضيها العريق وحاضرها ومستقبلها، وذلك من خلال التنوع الجغرافي لرصد تجارب الوقف في بيئاته الاجتماعية المختلفة.
 
ثانياً: يعتبر الكتاب استقراءا للملامح المشتركة بين التجارب الوقفية لهذا العدد غير اليسير من الدول والمجتمعات الإسلامية، ويعين على استلهام ما يمكن أن يستشف من ثنايا تلك التجارب من الدروس والعبر، التي تعين على دعم مؤسسة الوقف كإحدى مؤسسات المجتمع الطوعية الفاعلة روحياً واقتصادياً واجتماعياً، واقتراح ما يمكن النظر فيه من حلول؛ من أجل تذليل ما يعترض مسيرة  الوقف من عقبات.
 
هدف الكتاب
هدف الكتاب الرئيس هو توثيق التجارب الوقفية الضخمة ـ رغم الإيجاز في العرض ـ ونشرها؛ لإتاحة الفرصة للباحثين والدارسين والقائمين على شؤون الوقف  للوقوف على عرض مفصل لتجارب الوقف في مناطق مختلفة من العالم الإسلامي، يستوفي ما تتيحه المادة المتوفرة من تنوع من حيث البيئة الاجتماعية للتجارب المعروضة، والملامح المميزة لكل تجربة؛ فتتاح بذلك فرصة طيبة للإفادة العلمية والعملية من محتوى التجارب المنشورة، وتكملة الجهود التي لن تتوقف ـ بعون الله ـ من أجل إحياء مؤسسات الأمة، والسعي لبعث ماضيها العريق العامر بالمنجزات، وتحقيق ما يعود عليها بالنفع والصلاح حاضرا ومستقبلاً..