الاندثار القسري للأوقاف : المظاهر ـ الأسباب ـ العلاج
7 يناير 2011 - 3 صفر 1432 هـ( 2647 زيارة ) . ( كتاب )
التصنيف :الأوقاف
علي أبو النصر الرشيد ـ قطر
 
مصطلح الفقد القسري للأوقاف يقصد به ما يحصل لوقف من الأوقاف، كالدور والمحلات والكتب والضياع  وغيرها، من تعطل لمنفعته بأي صورة من الصور، ولأي سبب من الأسباب البشرية أو الطبيعية أو السياسية أو الاقتصادية أو المجتمعية.
 
وتبرز المشكلة الحقيقية في كون هذا الفقد القسري للوقف إنما كان نتيجة أسباب كثيرة ومتداخلة، وقد تكون ممتدة عبر عصور متوالية؛ مما يجعل من الصعوبة إعادته مرة أخرى من خلال حلول جزئية أو محدودة الزمان والمكان والقدرة.
 
ورغم ذلك، فإن تناول  هذا الموضوع  ـ كما يرى المؤلف في المقدمة ـ مفيد؛ لأنه سوف يلفت الانتباه إلى الحالات المستقبلية للوقف، لتلافي ما كان سببا لذلك الفقد؛ مما يجعل عمر الوقف يمتد لمرحلة أطول في العطاء، وينتشر على مدى أوسع وأرحب، خصوصا مع توجه الأنظار مرة أخرى للوقف باعتباره البذرة االصحيحة والرئيسة لبداية نهضة شاملة لجميع مجالات الحياة في المجتمع المسلم.
 
يقع الكتاب في 120 صفحة من القطع الكبير، ويناقش في ستة فصول تعريف الوقف، وأهدافه، وأغراضه، ومزاياه، ثم تطوره عبرالتاريخ، ويعقد فصلا خاصا لأوقاف الحرمين الشريفين، ثم ينتقل لبحث مظاهر الاندثار القسري للأوقاف، والأسباب التي أدت لذلك، والحلول المقترحة لعلاج هذه الظاهرة.
 
الفصل الأول: الوقف.. أهدافه وأغراضه ومزاياه:
استهل الباحث هذا الفصل بتعريف الوقف، مبينا أنه لغة: الحبس والمنع. واصطلاحا: "تحبيس الأصل، وتسبيل المنفعة". ثم انتقل إلى التدليل على مشروعية الوقف في الفقه الإسلامي من خلال الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، والأدلة العملية، ومنها ما فعله ـ عليه الصلاة والسلام ـ في أموال مخيريق، وهي سبعة حوائط بالمدينة، بعد أن أوصى بها الأخير إن هو قتل يوم أحد، حيث جعلها الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ أوقافا لله، وكانت أولى الأوقاف بالمدينة.
 
وينقسم الوقف ـ كما فصّله المؤلف ـ إلى ثلاثة أقسام: الأهلي أو الذرّي: حيث يحبس الأصل، ويتصدق بالريع على الواقف نفسه وذريته من بعده أو غيرهم، بشروط يحددها الواقف. والخيري أو العام: ويصرف ريع الوقف لجهات البرّ التي لا تنقطع كالفقراء، أو جهات البر كالمساجد والمستوصفات والمدارس. والمشترك: وهو مختلط بين الأمرين السابقين.
 
وحدد أهداف الوقف، والتي من أهمها: الدوافع الدينية، والغريزية، والواقعية، والعائلية، والاجتماعية. وبين مزاياه التي أكسبته الحيوية التي استمر أثرها في الأمة الإسلامية على مدى قرون طويلة، ومنها: منح الحرية الكاملة في الكيفية التي يرغب بها الواقف للتصرف فيما يوقفه من أموال في حدود الشرع، ودوام الأجر وعدم انقطاعه طالما بقيت العين الموقوفة نافعة، والمرونة التي تمكّن الواقف من توقيت الوقف بوقت معين وعدم تأبيده، وتنوع أشكال الوقف؛ مما يسهل التعامل معه وإدارته.
 
الفصل الثاني: تطور الوقف عبرالتاريخ الإسلامي:
واستعرض الباحث في الفصل الثاني تطور الأوقاف عبر التاريخ الإسلامي، منوها بوجود تناسب طردي بين تحسن الأحوال المادية والاقتصادية وازدياد الأوقاف، إلى أن برزت ظاهرة جديرة بالتأمل، وهي وجود علاقة عكسية بين درجة تدخل الدول والحكومات في إدارة الأوقاف وإقبال الناس على الوقف؛ لما يسود من صورة ذهنية سالبة عن الإدارة الحكومية للأوقاف، فضلا عن الخوف من الاستيلاء عليها أو تعطيلها.
 
وذكر أن كثيرا من الباحثين في مجال الاقتصاد الوقفي مع عدد من المؤرخين للحضارة الإسلامية يتفقون على أن الوقف قد استحوذ على قسم غير قليل من الموارد الاقتصادية للمجتمع، فبعضهم قدّر هذا القسم بنسبة ترواحت بين ( 30 ـ 50% ) من الأراضي الزراعية والعقارات المبنية العامرة في أواخر الدولة العثمانية، فيما قدر آخرون أن حوالي ثلث الأراضي المزورعة بمصر مطلع القرن التاسع عشر كانت موقوفة.
 
وأشار المؤلف إلى أن الخط البياني الذي يعكس تطور الوقف قد تصاعد بالكم والنوع في الدول الإسلامية، وخاصة في الزنكية والأيوبية والمملوكية، إلا أنه وصل إلى ذروته في الدولة العثمانية. موضحا أن الأوقاف التي كانت مرصودة على الحرمين الشريفين وخدمتها هي من أكبر وأكثر الأوقاف على مر التاريخ؛ لأنهما مهوى أفئدة المؤمنين الذين كانوا يتنافسون في الوقف عليهما.
 
الفصل الثالث: الأوقاف على الحرمين الشريفين:
وخصص هذا الفصل للأوقاف على الحرمين الشريفين؛ نظرا لحجمها، وحجم الاندثار الكبير الذي  حصل فيها. ولعل من أهم ما يستخلص من قراءة هذا الفصل ما يلي:
 
§ أن المسلمين في شتى بقاع الأرض كانوا يوقفون أوقافا كثيرة للحرمين، سواء على عمارتها، أو خدمتها، أو على من يقوم بالتدريس فيها، أو صيانتها والاعتناء بها، أو على المجاورين فيها أو سكانها.
 
§ ما يؤكد على كثرة الأوقاف على الحرمين الشريفين على مر العصور أنه ما من مؤلف أو عالم يؤرخ لدولة من الدول العربية والإسلامية، أو لدولة وجد الإسلام فيها، ويتحدث عن واقعها الاجتماعي أو الاقتصادي أو السياسي، إلا ويفرد فصلا عن أوقاف الحرمين في ذلك البلد، ثم يسرد الأوقاف الموقوفة على الحرمين في مصر وتركيا والهند وبلاد الشام والمغرب.
 
§ كان ريع الأوقاف يرسل للحرمين مع الحجيج، وكان المظهر الأبرز في ذلك ما يسمى بـ " الصرّة" عند العثمانيين، وهي عبارة عن محصلة الأموال الموقوفة على الحرمين ومن جاورهما، وكان الحكام العثمانيون يعتبرون أن ( الصرة الشريفة) واجبا عليهم، وليس تفضلا يتفضلون به على سكان الأراضي المقدسة.
 
§ صدرت مطالبات ومناشدات مختلفة بخصوص حصر أوقاف الحرمين في الخارج، ومتابعة ريعها في العقود الأخيرة، لمسؤولين من أوقاف مكة المكرمة، كان آخرها من قبل عضو مجلس أوقاف مكة المكرمة ووجيهها الشيخ: عبد الرحمن بن عبد القادر فقيه عام 1420 هـ، وقبلها من قبل الشيخ: علي الطنطاوي، وشكيب أرسلان في كتابه الذي كتبه عن رحلة الحج التي قام بها عام 1348 هـ.
 
الفصل الرابع: مظاهر الاندثار القسري للأوقاف:
ولدى استعراض المؤلف في الفصل الرابع لمظاهر الاندثار القسري للأوقاف، يطرح تساؤلات عن أسباب هلاك الأوقاف، وانخفاض حجمها، وتناقصها مع مرور الزمن، رغم أن الأصل أن تكون في ازدياد؛ نظرا لتطاول الزمن، وإقبال المسلمين على الإيقاف طوال أربعة عشر قرنا، فضلا عن انطباق قانون( النمو التراكمي)؛ وذلك بسبب صفة التأبيد في الوقف.
 
وقد بيّن أن تناقص حجم الأوقاف واندثار الكثير منها لا يعني عدم وجود بعض الأوقاف التي استمرت مئات السنين أو لقرون، ويشير الباحث إلى ما اطلع عليه شخصيا، وهو وقف الخليفة الراشد عثمان بن عفان، المعروف بـ "بئر رومة"، الذي ما زال موجودا حتى وقتنا الحاضر في المدينة المنورة، وتشرف عليه إدارة الأوقاف في المدينة المنورة.
 
ويشير المؤلف إلى أن المتتبع لتاريخ الأوقاف في العواصم العربية والإسلامية يلمس مظاهر اندثارها من الجمل المؤلمة التي تمر عليه بحق الأوقاف ومؤسساتها، ومن العبارات التي يوردها ـ على سبيل المثال لا الحصر ـ قول الباحثين: " ( إن هذا الوقف لا يعرف الآن)، أو عبارة ( لم يعد الوقف موجودا)، أو ( يصعب علينا أن نجد أرض الرباط لتطاول الزمن)،  أو ( دُرِسَت هذه المدرسة وضاعت معالمها، ولم يبق لها أي أثر في وقتنا الحاضر)، أو ( الوقف ضاع، ومسّته يد الخراب).
 
الفصل الخامس: أسباب الاندثار القسري للأوقاف:
ويستعرض المؤلف أسباب الاندثار القسري للأوقاف في هذه المساحة من الكتاب، التي كانت الأكبر مقارنة بفصوله الأخرى، مع إيراد بعض الشواهد على ذلك، وأهم هذه الأسباب:
 
§ الاحتلال والاستعمار الأجنبي، حيث كان المحتل يحرص أول ما يحرص على القضاء على الوقف وتحجيمه، وهو ما فعله الاستعمار الفرنسي في تونس ولبنان وغيرهما، وما قام به الكيان الصهيوني ـ وما يزال ـ  حيث ( استولى على مليون وستمائة ألف دونم من أملاك الأوقاف الإسلامية حتى الآن، وهدم 1200 مسجد، وحوّل خمسين مسجدا لكنس يهودية، وخمسين مقاما إسلاميا إلى دور عبادة لليهود المتعصبين، وغيّر أسماءها).
 
§ إلغاء الوقف بشكل عام، أو الوقف الأهلي بشكل خاص، ففي عصرنا الحديث ألغى لبنان الوقف الذري عام 1947، وتبعته سوريا عام 1949، ومصر عام 1952.
 
§ اختفاء الحجج الوقفية للعديد من الأوقاف؛ بسبب عدم وجود هذه الحجج أصلا، والاكتفاء بإشهارها في زمان الوقف، أو بسبب عدم التوثيق أو الحفظ من خلال المحاكم الشرعية، كما في مكة والمدينة والقدس، أو بسبب التلف لعدم صيانة هذه الحجج، خصوصا مع تقادم الزمن.
 
§ فساد بعض النظّار أو هلاكهم دون وجود من يخلفهم، أو تلاعبهم بوثائق الوقف، أو السعي للاستيلاء عليه.
 
§ التأجير طويل الأجل، أو ما يسمى بـ (التحكير) أو ( الحكر)، أو ما يعرف في بعض بقاع العالم الإسلامي ـ ومنها بعض دول الخليج ـ بـ ( الصبرة).
 
§ عدم وجود موارد مالية تضمن استمرار الوقف أو تأديته لوظيفته التي قام من أجلها، أو تناقص غلة الأوقاف الموقفة عليها، ومن ذلك "جامع ابن طولون"؛ حيث أهملت أوقافه العقارية حتى اندثرت، كما أن المسجد بقي خرابا حتى جدّد في أواخر القرن السابع الهجري.
 
§  انتفاء الحاجة إلى عين الوقف أو غلته، كما في بعض الموقوفات القديمة، حيث كانت تلك الموقوفات تتناسب والمرحلة التي تم الإيقاف فيها، ومن ذلك وقف دلو للمسجد، أو سراج وزيت لإنارته، أو أوقاف لإصلاح سور المدن، والأسبلة ـ مساقي المياه ـ التي كانت ملاصقة للمساجد في عهدها، وغيرها.  
 
§ ما تشهده العديد من مناطق العالم الإسلامي من تطورات عمرانية في مدنها، كانتقال السكان من الأرياف للمدن؛ ما أدى لاندثار الأوقاف في بعض القرى، فضلا عن تدمير أوقاف بسبب التوسع العمراني  لمدينة ما، حيث أصبحت الأوقاف ـ كما يرى باحثون ـ حمى مستباحا لكل راغب بإقامة مشروع ما، حتى من قبل بعض الجهات المحلية والحكومية.
 
§ عدم وجود صلة مكانية أو إدارية أو إشرافية بين الوقف ـ إشرافا وإدارة وصيانة ـ من جهة، وبين أوجه صرف ريعه من جهة أخرى، وهذا متمثل تماما في الأوقاف الخاصة بالحرمين الشريفين خارج الأراضي السعودية.
 
الفصل السادس: الحلول المقترحة لعلاج اندثار الأوقاف:
 
ويصل المؤلف في ختام الكتاب ( الفصل السادس والأخير) إلى الحلول المقترحة لعلاج الاندثار القسري للأوقاف، والتي  يمكن تلخيصها على النحو التالي:
 
§ إنشاء مركز عالمي للوقف، يكون مرتبطا برابطة العالم الإسلامي أو الهيئة العالمية للوقف التابعة للبنك الإسلامي للتنمية ـ حسب مقترح الباحث ـ، حيث يتمثل دور هذا المركز في تسجيل كل وقفية جديدة بجميع تفاصيلها على مستوى العالم الإسلامي، وهذا المركز ليس بديلا عن التوثيق المحلي لكل دولة ـ حسب رأيه ـ.
 
§ إعادة النظر فقهيا في موضوع التحكير، وإعداد مراجعة شاملة لجميع الحكورات القائمة حاليا؛ لتصحيح وضعها من جانب، ولتجديد العهد بوثيقة الوقف من جانب آخر، خصوصا أن التجربة أثبتت أن الحكورات أضرّت بالكثير من الأوقاف.
 
§ إنشاء مراكز متخصصة لصياغة الحجج الوقفية، ومساعدة الواقفين على صياغة الوثائق الوقفية لأوقافهم، لعدم قدرة كثير من الواقفين ـ كأفراد ـ على تحقيق التوازن بين المنفعة الاجتماعية للوقف والمنفعة الاقتصادية له.
 
§ ضرورة تبني إحدى المنظمات الدولية الإسلامية، كالبنك الإسلامي للتنمية أو منظمة المؤتمر الإسلامي أو رابطة العالم الإسلامي أو الهيئة العالمية للوقف، السعي لاسترداد ما يمكن استرداده من أوقاف هي في حكم المندثرة الآن في عدد من دول العالم الإسلامي، أو الدول التي كان للإسلام وجود فيها في فترة من الفترات.
 
§ التوسع في الإعلان عن جوائز مالية أو نسبة من قيمة الوقف لكل من يدل على وقف أو يكشف عنه، والدفع بسخاء في هذا المجال؛ حيث سيؤدي ذلك بالكثير من الناس إلى الإبلاغ عما يعرفونه، فضلا عن أن هذا يفتح باب الرجوع والتوبة من أوسع أبوابه وأكثرها سترا لبعض من سبق لهم الاستيلاء على وقف أو وضع يدهم عليه.
 
§ النظر في الأوقاف التي انتفت الحاجة فيها إلى عين الوقف أو غلّته، مثل: أوقاف إصلاح أسوار المدن (كما كان الحال سابقا)، أو أوقاف إعتاق العبيد والأسرى، التي تجاوزها الزمن، والاجتهاد بشأنها فقهيا، بحيث يخوّل النظار أو الجهات المشرفة عليها تغيير مصارفها وفقا للاحتياجات المستجدة للمجتمع المسلم.
 
§ النظر إلى الأوقاف الصغيرة التي أصبحت لا تدرّ دخلا كافيا على نفسها لصيانتها أو لمستفيدها، بحيث يدرس موضوع ضمّ بعض الأوقاف الصغيرة بعضها إلى بعض؛ لتتمكن من القيام بمجموعها على نفسها، بدلا من ترك كل وقف صغير يؤول في نهاية المطاف إلى الاندثار، خصوصا أن هناك من الفقهاء القدماء والمعاصرين من يرى ذلك الرأي، كما أن المزايا الاقتصادية المطروحة في هذا المجال تحفز على سلوك هذه الطريق.
 
بقي أن نذكر أن مؤلف الكتاب أحد المتخصصين والمهتمين في مجال العمل الاجتماعي والرعاية الاجتماعية والوقف، وله عدد من الأبحاث العلمية والكتب المتخصصة التي نشرت وصدرت له في السنوات الماضية، ومنها: كتاب( الآفاق المستقبلية للأوقاف ودورها في تماسك المجتمعات وترابطها)، وهو من منشورات مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية.   
 
كما لا بد من التنويه بأن الكتاب يتضمن عددا من  الأخطاء النحوية، والتي نأمل الانتباه إليها وتصحيحها في الطبعات القادمة.