عالم بلا فقر
2 ديسمبر 2000 - 6 رمضان 1421 هـ( 3978 زيارة ) . ( كتاب )
القاهرة : كمال حسن
 
لم تتذكر الأمم المتحدة الفقر والفقراء في العالم  إلا في يوم  22 ديسمبر 1992؛ فاختارت يوم  17 أكتوبر من كل عام ليكون  "اليوم العالمي للقضاء على الفقر". لكن منذ ما يربو على 14 قرنا من الزمان جاء الإسلام الحنيف ليواجه أزمة الفقر، ويضع الحلول السماوية .. هذه النتيجة بلورها بشكل عملي بعيدا عن الوعظ والإرشاد الدكتور رفعت العوضي ـ أستاذ الاقتصاد في جامعة الأزهر، والمستشار الأكاديمي بالمعهد العالمي للفكر الإسلامي ـ في كتابه القيِّم " عالم إسلامي بلا فقر "، الذي صدر في عدة طبعات، كان أبرزها ما صدر عن سلسلة " كتاب الأمة"  التي يصدرها مركز البحوث والدراسات في وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بدولة قطر، وهو الكتاب الذي وضع مقدمته عمر عبيد حسنة ـ مدير مركز البحوث والدراسات التابع لوزارة الأوقاف والشؤون الإسلاميّة بقطر، وعضو مجلس كليّة الشريعة والقانون والدراسات الإسلاميّة بجامعة قطر.
 
بمطالعة الكتاب الذي صدر في مقدمة وثلاثة فصول يقدم الدكتور العوضي  رؤية علمية وعملية لمعالجة الفقر في عالمنا الإسلامي  الذي تعيش فيه غالبية الفقراء في العالم، حيث يؤكد أن مبادئ الاقتصاد الإسلامي تمثل «الطريق الثالث» لإنقاذ الاقتصادات الإسلامية خاصة، والعالمية عامة، من الانهيار الذي أحدثته وتحدثه آثار العولمة، ويضرب مثالا لذلك  بالزكاة كأهم وسائل مكافحة الفقر بأنها تتجاوز مئات المليارات من الدولارات. وفي حال تنفيذ  استراتيجية إسلامية لإيجاد عالم إسلامي بلا فقر سوف يتحقق ذلك خلال زمن قياسي قياسا على تجارب مماثلة في الحضارة الإسلامية، خاصة أن الإسلام وضع الآليات لمحاصرة الفقر والقضاء عليه نهائياً؛ فالزكاة ـ كأحد أركان الإسلام ـ شرعت لتحقيق التكافل بين المسلمين، وهو ما لم تعرفه الحضارة الإنسانية قديما وحديثا إلا من خلال الإسلام،  حيث حدد الإسلام مواردها و مصارفها في الآية «60» من سورة التوبة: «إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللهِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ». وهي ثمانية أصناف لا اجتهاد فيها.  
 
ويشير الدكتور العوضي إلى أن المنهج الإسلامي في القضاء على الفقر قام بتأمين الملكية الخاصة؛ مما يدفع الناس إلى العمل، وجعل للدولة ملكية عامة تقوم من خلالها بمساعدة المحتاجين، وإنعاش الحياة الاقتصادية، وتحقيق العدالة والتكافؤ بين أفراد المجتمع. ولم يبدأ الإسلام علاج الفقر بالزكاة؛ بل من خلال الإنتاج وترشيد الاستهلاك أو التوزيع، ففي مرحلة الإنتاج يتم تشغيل كل الموارد وإيجاد فرص العمل، والإسلام يعمل على حل مشكلة الفقر في منطقة الإنتاج أولا؛ لأنه لا يمكن القول إن الإسلام يعالج الفقر في منطقة الاستهلاك أو التوزيع من خلال الزكاة حتى لا يستند الناس إلى ذلك ويمتنعوا عن العمل، ووضع الإسلام حُكْما رادعا في هذه القضية بأن الزكاة لا تجوز للقادر على العمل في منظومة اقتصادية تقوم على الأخلاق، وتحقيق العدالة والأمانة والوفاء، ومنع الغرر والجهالة، ومنع الاتجار في السلع الخبيثة، مثل: الخمر، والخنزير، والميتة، وغيرها.
 
في مقدمته يعيب الدكتور العوضي على المشتغلين بالإسلاميات مواجهة مشاكل وظواهر المجتمع المسلم دون توظيف جيد  لما جاء به الإسلام لإدارة الحياة وحل مشاكلها، بل يصل الأمر ـ أحياناًـ  إلى أنهم يتهمون من يقدم الحلول الإسلامية بالماضوية، وفي سياق ذلك يدّعون أن اهتمامهم هو بالمستقبل والمستقبليات، رغم أن ذلك يخالف المنهج العلمي.  ويرى أن بحثه في كيفية  علاج الإسلام للفقر هو دراسة أصيلة في المستقبليات، ويتوافر فيه كل مقومات وعناصر الدراسة المستقبلية؛ فالإسلام هو نظريتنا العامة، ومن حقنا أن ندخل إلى مستقــبلنا انطــلاقاً مـنه. ويتساءل: لـماذا نُتــهم بالـماضـويـة ونحن لا نفعل أكثر مما يفعله غيرنا؟! فالمنهج الذي أسس به هانتينجتون للعولمة المعاصرة ينطلق فيه من الماضي ليخطط للمستقبل، ومع ذلك لم نسمع أحداً يتهمه بالماضوية، بل إنه بالمساهمة التي قدمها عن العولمة يُصنّف في الغرب على أنه من أكبر علماء المستقبليات. وتقتضي العدالة أن نُعامل نحن المسلمين بنفس المنهج عندما نرجع إلى تراثنا الإسلامي نؤسس عليه دخولنا إلى المستقبل، ولا يحق لأحد أن يتهمنا بالماضوية، كما لا نقبل ذلك.
 
يحمل الفصل الأول من الكتاب عنوان "منهج الإسلام للقضاء على الفقر"، وينقسم إلى خمسة مباحث رئيسية:
 
يتناول المبحث الأول:
صحة العقيدة الاقتصادية.
 
والثاني:
التخصيص الصحيح للموارد الاقتصادية.
 
والثالث:
إدارة الاقتصاد بأسلوب التخطيط للقضاء على الفقر.
 
والرابع:
منهج الأولويات الاقتصادية وتوظيفه لمواجهة مشكلة الفقر.
 
أما الخامس
عن التحويلات من الأغنياء إلى الفقراء، بجانب عدد من المداخل الأساسية في مناقشة الظاهرة وفق المنهج الإسلامي.
 
ويستنتج أن  مواجهة الفقر تتطلب بيئة عقيدية صحيحة تحكم الملكية.. ومبدأ الاستخلاف يوفر هذه البيئة العقيدية. وبناء على هذه النتيجة؛ تقبل نتيجة أخرى، هي أن مبدأ الاستخلاف يعتبر من أساليب القضاء على الفقر في الإسلام. وهذا المبدأ، وإن لم يمكن ترجمته في أسلوب مادي، إلا أنه يهيمن على كل الأساليب المادية التي تُواجه بها مشكلة الفقر، كما يعطي مبدأ الاستخلاف الأساليب الإسلامية لمواجهة الفقر صبغة تجعلها متميزة. هذا التميز يجيء من انطلاق هذه الأساليب من مبدأ مهيمن عقيدياً على من تقع عليه الالتزامات للمشاركة في مواجهة الفقر. ويمكن أن يوضح هذا المعنى بالآتي: إن المستخلِف يلزم المستخلَف بأن يجعل جزءاً مما استخلف فيه للقضاء على الفقر. هذا هو التميز الذي يتحقق في الأساليب الإسلامية للقضاء على الفقر.
 
ويشير الدكتور العوضي في هذا الفصل إلى أن منهج الإسلام للقضاء على الفقر يكمن في مأسسة الزكاة؛  فهي أداة الإسلام الرئيسة في محاربة الفقر، و ثالثة أركان الإسلام الخمسة بعد الشهادتين وإقام الصلاة، ويعني ذلك أن التشريعات الإسلامية للقضاء على الفقر تنطلق وتبدأ من أركان الإسلام. ومن المعروف أن الركن فوق الفرض والواجب. وهذا الأمر بدوره يحدد الدرجة أو الأهمية التي يعطيها الإسلام للقضاء على الفقر؛ ففي خلافة أبي بكر الصديق ـ رضي اللَّه تعالى عنه ـ أعلنت الدولة الحرب على مانعي الزكاة، ودخلت في حرب معهم بسبب ذلك. وهذه أول مرة في التاريخ يثبت فيها أن الدولة حاربت وقاتلت بجيوشها من أجل القضاء على الفقر.
 
وفي الفصل الثاني "منهج اقتصاديات العمل في الإسلام وتوظيفه في القضاء على الفقر"، يتحدث الباحث عن  قيمة العمل في الإسلام، وتوظيفه ضمن منهجه للقضاء على الفقر من خلال استراتيجية متكاملة للتنمية البشرية ودور الإنسان في تقدم المجتمع وتنميته، من خلال خمسة مباحث رئيسية:  يتحدث الأول منها عن أهمية الوقت وتخطيطه في الإسلام، والثاني: عناصر أساسية في العمل والأجر، والثالث: العمل أساس قيمة المنتج، والرابع: العمل والحافز، في حين يركز المبحث الخامس على العنصر البشري في العالم الإسلامي، والتحدي الحضاري المعاصر.
 
أما الفصل الثالث "الموارد الاقتصادية للعالم الإسلامي" فيربط فيه العوضي  عملية الحصر للموارد الاقتصادية للعالم الإسلامي بتوظيفها في خدمة تكامله الاقتصادي؛ لتحقيق عالم إسلامي بلا فقر. ولا شك أن هذا التوظيف، أو لِنَقُلْ هذا الهدف، يعكس نفسه في المنهج الذي تجري بناء عليه الدراسة؛ فالعالم الإسلامي يتكون من أقاليم متكاملة اقتصاديا. ويتناول هذا الفصل ثلاثة مباحث:
 
الأول: التفاؤلية والتشاؤمية في دراسة الموارد الاقتصادية.
 
والثاني: الموارد الزراعية في العالم الإسلامي.
 
والثالث: المعادن والطاقة في العالم الإسلامي.
 
مقترحا في ختام دراسته عدة توصيات، منها:
 
1- غرس قيم الإسلام بشأن الوقت، وهذه مسؤولية المجتمع كله، وخاصة المؤسسة التعليمية والمؤسسة الإعلامية، مرئية ومسموعة ومقروءة.
 
2- وضع سياسيات للأجور، مؤسسة على الشريعة الإسلامية، بحيث تربط هذه السياسات الأجر بالإنتاجية.
 
3- وضـــع سيــاسات ثقافيـــة بمعناها الواسع، واقتصادية، وإدارية؛ لوضع الحــافــز الاقتصــادي وفــق التصور الإسلامي موضــع التطبـــيق.
 
4- وضع سيــاســات للملكيـــة تلتـــزم بتطبيــــق الشريعة الإسلاميــة بشــأن دور العمل في ملكية مصادر الثروة الطبيعية.
 
5- وضــع سيــاسات اقتصادية للأســعــار تلتــزم بتطبــيق الفكــر الإسلامي فيما يتعلق بتحديد دور العمل في القيمة، أي قيمة السلع والخدمات.
 
6- وضع سياسات للاستثمارات ذات الطابع الاجتماعي، التي تعمل على الإعداد البدني للفرد في العالم الإسلامي. ومن المجالات التي تشملها هذه السياسات: الرعاية الصحية، والمياه المأمونة، والصرف الصحي.
 
7- وضع سياسات تعليمية ترتب القضاء على الأمية، وتوسيع قاعدة التعليم الجامعي؛ مما تؤدي إلى إطلاق إبداعات عقل الإنسان المسلم في اكتساب المعارف والفنون المعاصرة، ويُهَيِّئُه للتعامل مع الثورة التكنولوجية المعاصرة، وبالتالي يؤهل للمساهمة في ثورة الاختراعات والاكتشافات العلمية المتلاحقة بسرعات عالية (يراجع المبحث الخامس ).