الورقة الأولى "ملف الأزمة المالية"
2 نوفمبر 2008 - 4 ذو القعدة 1429 هـ( 1358 زيارة ) .
الخبير الدولي للبنوك الإسلامية أستاذ الاقتصاد الإسلامي:
 
الدكتور/ محمد طاهر خليفة لـ(مداد)
 
الأزمة الاقتصادية العالمية  من الممكن أن تجهض مشروع مكافحة الفقر
 
الشريعة الإسلامية الأكفأ لحل الأزمة الاقتصادية العالمية..
 
الأزمة المالية العالمية التي غزت العالم من داخل سوق وولستريت لم تكن مفاجأة للعالم..
 
أصوات غربية قوية ترفع شعار "البابا أو القرآن" كأحد أوجه الأزمة الديني
 
دعوة غربية لجر الكنيسة إلى المعركة وتحميلها جزءا كبيرا بسبب إجازتها الفائدة الربوية
 
  الشريعة الإسلامية الأكفأ لحل الأزمة الاقتصادية العالمية
 
توقع الدكتور محمد طاهر خليفة.. الخبير الدولي للبنوك الإسلامية، أستاذ الاقتصاد الإسلامي..أن يكون للأزمة الاقتصادية العالمية ـ التي بدأت بوادرها من الولايات المتحدة الأمريكية و تدور رحاها الآن ـ آثار على مشروع مكافحة الفقر.. وقال الدكتور خليفة في حديثه لـ(مداد) خلال زيارته مؤخراً للعاصمة صنعاء: "من الطبيعي جداًَ أن هذه الأزمة ستزيد من عدد الفقراء في العالم، أكثر من عشرين مليون عامل مهددين اليوم بترك وظائفهم، دائرة الفقر ستتسع لتشمل مواطنين أمريكيين وبريطانيين وغربيين وشرقيين. وبالرغم من أن البلاء إذا عم خفّ، لكن المتوقع أن العالم اليوم سيشهد أكثر تضامناً وأكثر مسؤولية في مكافحة ظاهرة الفقر؛ درءاً  لمظاهر اجتماعية أسوأ قد تنتجها تربة الفقر. وفي تقديري هنا تتصدر الشريعة الإسلامية لتقدم النموذج الأفضل في مبدأ التكامل الاجتماعي وصندوق الزكاة ومؤسسة الوقف وغيرها من المؤسسات التي تساهم في احتضان ذوي الاحتياجات الخاصة لضمان  حد الكفاية، الحد الأدنى من مستوى العيش الكريم.
 
الآثار على الجمعيات الخيرية
ونوه الدكتور محمد خليفة.. إلى أن لهذه الأزمة آثارا على الجمعيات الخيرية.. وقال: "إذا ما تم النظر إلى الجمعيات الخيرية بدون أية خلفية عقائدية، ومن زاوية اجتماعية مجردة فإنه يجب على العالم اليوم أن يحتضن مثل هذه الجمعيات الخيرية ويحفز على إنشائها ورعايتها؛ حتى يعم خيرها ومساهمتها الإيجابية في التخفيف من حدة الفقر، والتقليل من حدة التفاوت الطبقي في المجتمع".
 
تأسيس نظام تكافل اجتماعي عالمي
ودعا الخبير الدولي للبنوك الإسلامية أستاذ - الاقتصاد الإسلامي.. فاعلي الخير وداعمي الجمعيات الخيرية إلى تغيير نظرتهم المتشائمة إلى الخدمات التي تقدمها هذه الجمعيات، وأن تكون النظرة إيجابية حتى تتمكن من أداء مهامها على الوجه الأكمل.. وقال: " داعمو هذه الجمعيات الخيرية من دول ومؤسسات وأفراد يجب أن تتغير النظرة إليهم من نظرة اتهام وتهديد وتضييق إلى نظرة أكثر إيجابية، يغلب عليها التحفيز والتشجيع والدعم والرعاية؛ فالعالم اليوم في أمس الحاجة من أي وقت مضى لكل آلية تحت أي مسمى كانت تساهم في تخفيف حدة الفقر، وتؤسس لنظام تكافل اجتماعي عالمي جديد، يسوده التآخي بدلاً من الحقد والضغينة، والسلام بدلاً من الحروب، والتواصل والتآزر والإيثار بدلاً من القطيعة والأنانية، والعدل بدلا من الظلم، والاحترام والتقدير بدلاً من الاحتقار والازدراء. والشريعة الإسلامية هي الأرضية الصلبة والمرجعية الغنية لأن تؤسس لمثل هذا الحوار والتوجه". 
 
الأزمة لم تكن مفاجَأة للعالم
وأكد الدكتور محمد طاهر خليفة.. أن الأزمة المالية العالمية التي غزت العالم من داخل سوق وولستريت لم تكن مفاجِئة له ولا للخبراء الاقتصاديين المتابعين للاقتصاد الأمريكي بصفة خاصة وللاقتصاد العالمي بصفة عامة، وليست هذه الأزمة الأولى التي يعرفها الاقتصاد الأمريكي، ولا يتوقع أنها ستكون الأخيرة إذا ما استمرت الولايات المتحدة الأمريكية في نهجها الرأسمالي الجشع – القائم على الحروب وعلى نهب ثروات الآخرين عبر أساليب مختلفة آخرها التلاعب بقيمة الدولار بغرض امتصاص الفائض الاقتصادي عند الآخرين، وتغطية جزء من العجز الذي يعاني منه اقتصادها..
 
أسباب دينية واقتصادية للأزمة
وقال الدكتور خليفة.. أن لهذه الأزمة الاقتصادية والمالية العالمية أسبابا دينية واقتصادية، وهنا يتداخل ما هو ديني بما هو اقتصادي – أصوات مرتفعة اليوم جريئة وقوية داخل المجتمع الغربي تطالب بجر الكنيسة إلى المعركة، وتحميلها جزءا كبيرا مما وصل إليه الوضع الاقتصادي المتدهور؛ بسبب إفتائها بجواز الفائدة الربوية، بل إن هذه الأصوات القوية أصبحت ترفع شعار "البابا أو القرآن". هذا أحد أوجه الأزمة الديني، أما وجهها الاقتصادي فإن النظرية الرأسمالية القائمة على آلية السوق المفتوح دون تدخل الدولة وبدون أي ضوابط لجشع أصحاب رؤوس الأموال والقائم على آلية الفائدة الربوية دون ضوابط، والقائم على الاقتصاد الرأسمالي الريعي دون شفافية ووضوح كامل لتحديد الأسهم المتداولة في أسواق البورصات، بما في ذلك من غرر وغبن، كل هذه الأسباب الاقتصادية كافية لانهيار الأسواق المالية، ولأن يعيش العالم أزمة مالية مثل التي نعايشها الآن.
 
تأثير الأزمة على الأمة الإسلامية
وأوضح الدكتور خليفة أن لهذه الأزمة الاقتصادية العالمية تأثيرا على العالم العربي والإسلامي.. وقال: "مما لا شك فيه بأنه في ظل نظام العولمة يعتبر العالم قرية واحدة اقتصادية متداخلة ومترابطة مصالحها، وإذا ما تأثر رأس هذه المنظومة الاقتصادية العالمية قطعاً ستتأثر بقية أعضائه، وذلك في حدود ترابط هذه الأعضاء بهذا الرأس، ولذلك نجد أكثر الدول تأثراً بالأزمة هي الأكثر ارتباطاً باقتصاديات أمريكا أو اقتصاديات الدول الغربية".
 
الشريعة الإسلامية الأكفأ
وقال الخبير الدولي للبنوك الإسلامية ـ أستاذ الاقتصاد الإسلامي: "إن الشريعة الإسلامية الأكفأ لحل مثل هذه الأزمات؛ فتطبيق الشريعة الإسلامية السمحاء يجنب المجتمع مثل هذه الأزمات، وهذا ما تؤكده الدراسات الغربية نفسها لتشخيص الأزمة وحلولها؛ فالمراقبون من قرب لهذه الأزمة من الاقتصاديين الغربيين والأمريكيين يؤكدون بأن النظام الرأسمالي يحمل بذور فنائه من الداخل؛ فالفائدة الربوية وبيوع الدين بالدين والجهالة والغرر الذي يغلب على تقييم أسهم البورصات هي بيوع قد أضرت كثيراً بهم، وهي في نظر الشريعة الإسلامية بيوع فاسدة. وكذلك الأمر نفسه في الجانب النقدي؛ فالأزمة المالية الحالية وما تبعها من ركود دفع العالم للطلب على النقود كسلعة وليست كأداة للتثمين أو وسيط للقيم، وبذلك تفقد النقود أهم وظائفها كوسيط للقيم والتبادل، وتفقد بذلك الثبات في قيمتها. والشريعة الإسلامية تعارض ذلك بقوة؛ لأنها جعلت علة الثمينة في النقدية هي الثبات في القيمة، وبالتالي كل الآليات التي تعمل على تثبيت قيمة النقود لعدم بخس ما لدى الآخرين من قيم مقصد مهم من مقاصد العدالة الاقتصادية في المجتمع الإسلامي. وفي الحقيقة إن الحديث عن كفاءة الشريعة الإسلامية في معالجة الأزمة الحالية وتقديم البديل يحتاج منا إلى حلقات وندوات، ولكن بإيجاز شديد أقول إن الشريعة الإسلامية بما تحمله في جانبها الاقتصادي من عدالة في التوزيع، وتكافل اجتماعي، ومحاربة لكل أشكال الاستغلال والاحتكار والبيوع الفاسدة، وقيامها على أساس العمل لتحقيق مبدأ حدّ الكفاية، ومن وجود نظام صيرفي تمويلي قائم على مبدأ ( الغنم بالغرم )"مبدأ المشاركة في الربح والخسارة" واعتمادها على تمويل يرتكز في اختيار المشروعات الممولة على أولويات تبدأ بالضروريات والحاجيات والتحسينات إلى أن تصل إلى المصالح المسترسلة، وعلى تمويل لبعض المشروعات الاستهلاكية، بالإضافة إلى استنادها إلى القروض الحسنة، ومؤسسة زكاة تكفل تعويض الغارمين....... وعلى مبدأ تقديس العمل والكسب الحلال، ونبذ الغش والكسب الحرام، و........... كل هذه المباديء ـ لهذا كله فهي كفيلة فعلاً بأن تجعل الشريعة الإسلامية الغراء هي الأقدر على حل مثل هذه الأزمة، وعلى قيادة المجتمع الدولي برمته إلى شاطيء الأمان، وإلى الاستقرار والتوازن الاقتصادي والاجتماعي. 
 
حزمة الحلول للأزمة الاقتصادية
وقال الدكتور محمد طاهر خليفة: " في تقديري إن معالجة الأزمة المالية الراهنة تحتاج إلى حزمة من الحلول تستند إلى مجموعة من السياسات النقدية والمالية.....والسياسية.. سياسات تعيد النظر في آلية الاقتراض البنكي على مبدأ يتيح للمقترض في الدول الغربية وأمريكا وغيرها من دول العالم اختيار مبدأ المشاركة مع البنك الممول في الربح والخسارة، أو اختيار مبدأ تحمل المقترض مسؤوليته الكاملة في مدى نجاح أو فشل المشروع الممول، وبالتالي يختار معدل الفائدة الربوية. وأنا متيقن شخصياً أن النتيجة ستظهر أكثر من 90% يتجهون إلى الخيار الأول ـ إلى مبدأ المشاركة في الربح والخسارة.. ثم إن تبني القطاع المصرفي الأمريكي والغربي وغيرهم لمبدأ المشاركة في الربح والخسارة سيدفع بهذه البنوك للحرص الأكبر على التدقيق والتمحيص وإعادة النظر في دراسة الجدوى للمشروع المراد تمويله مرات ومرات، وهكذا سيتم ضبط الإفلات في الإقراض. ثم إن هذه الآلية ستجعل على مستوى الاقتصاد الكلي التحكم في حجم الكتلة النقدية وربطها بمنظومة الناتج القومي الإجمالي وجعلها أكثر فاعلية، وبالتالي فالتحكم في معدلات التضخم يكون أكثر دقة.. والسياسات الضريبية أكثر عدالة وفاعلية في المجتمع وفاعلية في تحفيز الإنتاج والاستثمار الحقيقي دون المساس بذوي الدخول المحدودة والطبقة الفقيرة في المجتمع. 
 
الحاجة لضبط آلية السوق
وأضاف الدكتور خليفة.. أن العالم اليوم في حاجة ماسة إلى إعادة النظر في ضبط آلية السوق وتقييم الأسهم في البورصات بأكثر شفافية ووضوح وعدالة.. الدول الكبرى التي هزتها الأزمة المالية الحالية كأمريكا والاتحاد الأوروبي وبريطانيا في حاجة ماسة لإعادة النظر في سياساتها الخارجية القائمة على التدخل في الشؤون الخاصة للدول الأخرى عبر آلية الحرب، فيكفي ما جنته الحروب على شعوبنا وهذا المطلب اليوم ينادي به المواطنون الأمريكيون والغربيون والبريطانيون بعدما اكتووا بنار هذه الحرب التي آلت عليهم بالوبال الداخلي انهيارا وركودا وكسادا وبطالة، وكل ضحايا الحروب يتوقون إلى عالم يسوده السلام والتأني وعدم الظلم وعدم الجشع والتكافؤ في التبادل بين ضفتي الشمال والجنوب.. لا بد أن يخرج العالم من هذه الأزمة بسياسة نقدية أكثر ثباتا واستقرارا ووضوحا في الآليات المحددة لقيم العملات الرئيسية التي تتحكم في اقتصاديات العالم من الدولار واليورور أساساً.