12.5% من أموال الزكاة للجمعيات الخيرية .. توصية تثير الجدل
22 ديسمبر 2011 - 27 محرم 1433 هـ( 3310 زيارة ) .
 
 المنيع:  الترخيص للجمعية في حكم  التكليف الشرعي من ولي الأمر
 
الخريجي: التوصية سوف تُسهم في زيادة إيرادات الجمعيات الخيرية
 
المفلح: لا تضارب بين دورها ومهام مصلحة الزكاة والدخل
 
الرياض - كمال حسن
 
أعادت توصيات ندوة شرعية نظمها مؤخرا البنك الأهلي السعودي حول" ضوابط الصرف على الجمعيات الخيرية من حصيلة الزكاة"، الجدل مجددا حول إمكانية حصول الجمعيات الخيرية المرخصة من الدولة بأخذ سهم "العاملين عليها" في تحصيل الزكاة، حيث أجازت الندوة، التي شارك فيها مجموعة من علماء الشريعة الإسلامية وخبراء المصرفية الإسلامية والعمل الخيري، اقتطاع 12.5% من أموال الزكاة كحد أعلى للإنفاق على عمليات الجباية والصرف التي تقوم بها الجمعية الخيرية عند تحصيلها الزكاة.
 
وقال عبد الرزاق الخريجي - نائب الرئيس التنفيذي، ورئيس مجموعة تطوير العمل المصرفي الإسلامي في البنك الأهلي -: "إن الحل الذي توصلت إليه الندوة يتمثِّل في جواز حصول الجمعيات الخيرية المرخصة من الدولة بالعمل الخيري بأخذ سهم العاملين عليها، وهو الثُّمن (12.5%) من أموال الزكاة، كحد أعلى؛ للإنفاق على إدارة شؤون الزكاة جباية وصرفاً، في إطار عدد من الضوابط".
 
وأوضح أن هذه التوصية سوف تُسهم في زيادة إيرادات الجمعيات الخيرية؛ الأمر الذي سيساعدها على أداء رسالتها في مساعدة المحتاجين، وتضييق دائرة الفقر، وتعزيز جسور الثقة بينها وبين مانحي الزكاة، واصفا التوصية بأنها حل عملي من شأنه تشجيع مانحي الزكاة الشرعية على تقديم زكواتهم للجمعيات الخيرية، وإضفاء المزيد من الترشيد على أداء تلك الجمعيات، فضلاً عن ضبط تصرفات الجمعيات الخيرية تجاه أموال الزكاة.
 
وقال الخريجي: "بحمد الله تعالى فإن الحل الذي توصلت إليه الندوة سينعكس في حث الناس على أداء هذا الركن الإسلامي العظيم، وتوجيه معظم أموال الزكاة للمستحقين وليس للمجالات الإدارية". مشيرا إلى أن أهمية هذه الندوة تأتي من كونها المرة الأولى التي تُعقد فيها ندوة مُخصصة لمناقشة هذا الموضوع الحيوي، الذي يؤطِّر التعاملات المالية للجمعيات الخيرية، ويؤثر على الدعم الذي تقدمه للمستفيدين من خدماتها.
 
وأشار إلى أن الهدف من عقد مجموعة تطوير العمل المصرفي الإسلامي بالبنك الأهلي التجاري الندوة، بالتنسيق مع الهيئة الشرعية للمصرفية الإسلامية في البنك، هو بلورة رؤية شرعية حول  قضية تحسين إيرادات الجمعيات الخيرية، وبما يضمن تسيير أعمالها الإدارية، بجانب  ضبط المصروفات الإدارية التي تأخذها هذه الجمعيات من حصيلة الزكاة.
 
مناقشات شرعية واقتصادية مكثفة
وأكد  الخريجي أن التوصيات التي خرجت بها الندوة جاءت بعد مناقشات شرعية واقتصادية خيرية مكثفة، وتمت مناقشة  أقوال الفقهاء فيما يستحقه العامل على الزكاة من حصيلة الزكاة، حيث يرى فريق أن العامل على جمع الزكاة وصرفها يستحق الثُّمن فقط كحد أعلى،  وفي المقابل  يرى فريق آخر أن الذي يستحقه العامل يجب ألا يتجاوز نصف حصيلة الزكاة كحد أعلى، ومنهم من يرى أنه لا يوجد حد أعلى لما يستحقه العامل، بل يعطى كامل أجره من الزكاة، وإن أدى إلى استغراق كامل حصيلة الزكاة.
 
وخلصت الاتجاهات الفقهية المتعددة حول حصة  الجمعية الخيرية من عملية تحصيل الزكاة إلى عدة توصيات، أبرزها: الإجازة  للجمعيات الخيرية المرخصة من الدولة بالعمل الخيري، والتي من ضمن إيراداتها الزكاة الشرعية، الأخذ من هذه الزكاة بمقدار سهم العاملين عليها، وهو الثمن (12.5%)، حداً أعلى للإنفاق على إدارة شؤون الزكاة جباية وصرفا، وفي إطار ضوابط، أهمها: أن تُذكر هذه النسبة في أنظمة الجمعية الخيرية، بحيث تكون معلومة ومعلنة لجميع الجهات الإدارية والرقابية، ومعلومة للمتعاملين مع هذه الجمعيات من دافعي الزكاة ومستحقيها.
 
وتشير التوصيات إلى أنه إذا كان للجمعية موارد أخرى غير الزكاة فيلزم أن تضع مال الزكاة في حساب خاص إيراداً وصرفاً، وبالنسبة لنفقات الجمعية المشتركة التي يصعب عزلها، مثل: الإيجار الشهري، أو ثمن الأثاث ونحوه، فإن أمكن تحميل هذه النفقات على الموارد الأخرى فهو الأولى، وإلا فبالنسبة والتناسب بينها وبين الموارد الأخرى، مع دعوة الجمعيات الخيرية بتوفير جميع وسائل الرقابة والمحاسبة والضبط الداخلية والخارجية.
 
تحديد النسبة يدعم الشفافية في حسابات الجمعية
ويعتبر الدكتور: عبد الوهاب نورولي ـ مساعد أمين عام الندوة العالمية للشباب الإسلامي (سابقا) ـ تحديد نسبة معينة للجمعيات الخيرية المرخصة من الدولة من حصيلة الزكاة في إطار سهم العاملين عليها  سيرفع مستوى الشفافية للجمعيات الخيرية، خاصة من قبل أصحاب الزكاة، متهما 80 % من الجمعيات الخيرية  بالافتقار  إلى الشفافية، وعدم الالتزام بإعداد  قوائم مالية للمصروفات والإيرادات، وهو ما يُفقد كثيرا من الثقة في التبرع لجمعيات خيرية لا تمتلك دفاتر محاسبية منتظمة.
 
وأكد المساعد السابق لأمين عام الندوة العالمية للشباب الإسلامي أن حصول الجمعيات على سهم من الزكاة  نابع من نصوص شرعية، وأوضح  أن تحديد  نسبة  12.5 % جيدة ومعقولة، موضحا أن التوصية مهمة جدا، وتدعم الاستقرار المالي للجمعية الخيرية، وبما يساعدها على أداء أدوراها الاجتماعية، داعيا إلى حصر شامل للفقراء والمحتاجين، و تقديم الخدمات المادية والعينية  للمحتاجين، و التعرف على احتياجات الشباب، والعمل على معالجة مشكلاتهم، وحمايتهم من الانحرافات الأخلاقية، ودعم الراغبين في الزواج، والتوعية بعدم المغالاة في المهور، وإقامة حفلات الزواج الجماعية؛ لتقليل نفقات الأعراس. وشدد على ضرورة إدارة العمل الخيري  بشكل مؤسسي، ووفق مفاهيم عصرية، مع تأهيل العاملين بها؛ ليصبح العمل الخيري صناعة وطنية وليس جهدا تطوعيا يفتقد للتنظيم، منتقدا بشدة الحملات الشرسة الموجهة ضد الجمعيات الخيرية الإسلامية، و التي تقف وراءها جهات مشبوهة ومغرضة، تستهدف تشويه صورة الإسلام وكل عمل نبيل وشريف جاءت به الشريعة الغراء.
 
التكييف الشرعي لجباية  الجمعيات للزكاة
وفي تساؤل للشيخ عبد الله بن سليمان المنيع - عضو هيئة كبار العلماء بالسعودية، وعضو المجلس الأعلى للأوقاف - حول مدى أحقية الجمعيات الخيرية  في جباية الزكاة، ويجيب أن الجمعيات الخيرية جهات احتسابية، تقوم في الغالب بالتبرع بجهودها في جمع الزكاة وصرفها في مصارفها الشرعية، وأن أغلب قيادات هذه الجمعيات تحتاج إلى جهاز إداري يقوم بالجانب التنفيذي لهذا النشاط الاحتسابي.
 
ويطرح المنيع  في رؤية مطبوعة بعنوان: "هل للجمعيات الخيرية جباية الزكاة؟ وما أثر ذلك؟" عدة تساؤلات، ويستنبط منها  الإجابة، وأحد هذه التساؤلات: هل إذن الدولة
للجمعية الخيرية بالعمل  في حكم تكليفها من ولي الأمر؟ ويؤكد وجوبية السمع لها والطاعة في طلبها الزكاة ممن تجب عليهم الزكاة، كما تبرأ ذمة المزكين بدفعهم الزكاة الواجبة عليهم للجمعية، كما هو الحكم الشرعي لولي الأمر حينما يطلب الزكاة من المزكين، وتبرأ ذممهم بدفعها إليه.
 
والتساؤل الثاني الذي يطرحه الشيخ المنيع هو :"هل الجمعيات الخيرية غير المرخص لها تختلف من حيث الأحكام المترتبة على الجمعيات الخيرية المرخص لها؟ ويقول إنه لا يخفى أن لولي الأمر حق السمع والطاعة فيما يأمر به وينهى عنه إذا كان ذلك في معروف، و لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. ويقول:" وبناء على هذا الأصل، فلو قامت جمعية غير مرخص لها في جباية زكاة وصرفها في مصارفها الشرعية، فهل يكون تصرفها مقبولاً شرعاً فتبرأ بذلك ذمة المزكي، وتعتبر هذه الجمعية وكيلة عنه، وتجري عليها أحكام الجمعية الخيرية المرخص لها؟"  ويجيب: "أرى الفرق بينها وبين الجمعية المرخص لها في ترتب الأحكام الشرعية على تصرفها وعلى تكييفها وكيلةً عن المزكي، ويبقى أمر مزاولتها هذا النشاط بدون ترخيص من ولي الأمر، فإن كان في الأنظمة ما يمنع ذلك فيكون ذلك التصرف مخالفة تستحق الجمعية ما يقتضيه النظام من المخالفة، مع إجازة التصرف شرعاً، كصلاة من يصلي في أرض مغصوبة، وحج امرأة بدون محرم، فالصلاة والحج صحيحان مع الإثم والله أعلم".
 
أما التساؤل الثالث الذي يطرحه الشيخ المنيع، فيتعلق بما يأخذه سعاة ولي الأمر لجباية الزكاة نيابة عن ولي الأمر، وهل يستمر الأمر على صفة الزكاة والتقيد بأحكامها في صرفها من قبل ولي الأمر أم أنها تتحول من زكاة إلى مورد من موارد بيت المال، وتنفصل عنها أحكام الزكاة فيما يتعلق بصرفها؟ ويجيب أن ما يأخذه ولي الأمر من أموال الزكاة يتحول من صفة زكاة خاصة لأصناف معينة إلى أن تكون مورداً من موارد بيت المال، كالفيء والغنائم والزكاة والكنوز، وإن لولي الأمر إلا يتقيد بصرفها في مصارف الزكاة، بل بصرفها في أي مرفق من مرافق الدولة، أو في أي جهة تقتضيها مصلحة البلاد وأهلها، والمستند في ذلك أن الصدقات والغنائم والتعشيرات وغيرها، مما مآلها بيت المال، لا يفرّق في صرفها في المصالح العامة بين زكوات وغيرها.
 
وعن مشروعية قيام الجمعيات الخيرية المأذون لها من قبل ولي الأمر بتولي جباية الزكاة و صرف جزء منها في تغطية النفقات اللازمة للجباية والصرف، وذلك من سهم
العاملين عليها؟ وهل يختلف الأمر بين جمعية مرخص لها وأخرى غير مرخص لها؟ يجيب على تلك التساؤلات بأن العاملين على الزكاة جباية وصرفاً صنف من أهل الزكاة بنص صريح من كتاب الله تعالى، ولا يجوز تخصيص العموم إلا بمخصص؛ فيجوز للعاملين على الزكاة الأخذ من الزكاة أجرة على عملهم عليها، سواء أكانوا فقراء أم أغنياء، وسواءً أكانوا مرخصاً لهم أم غير مرخص لهم.
 
36 مليار ريال حصيلة الزكاة في 5 سنوات
وعن إمكانية حدوث تضارب في عمليات تحصيل الزكاة  بين الجمعيات الخيرية  ومصلحة الزكاة والدخل، أكد إبراهيم المفلح ـ المدير العام لمصلحة الزكاة والدخل ـ أن المصلحة معنية فقط بتحصيل الزكاة الشرعية على عروض التجارة من الشركات والأفراد، ممن يحملون سجلات تجارية أو تراخيص من الجهات المعنية بذلك،  مشيرا إلى أن جميع المبالغ الزكوية التي يتم تحصيلها تودع مباشرة في حساب خاص لدى مؤسسة النقد العربي السعودي، لتصرف على مستحقي الضمان الاجتماعي في مختلف مناطق المملكة.
 
وكشف عن إيداع المصلحة في الحساب  الخاص خلال السنوات الخمس الماضية ما يزيد على 36 مليار ريال، تمثل حصيلة الزكاة في تلك السنوات، حيث تتولى وزارة الشؤون الاجتماعية، ممثلة في وكالة الضمان الاجتماعي، صرفها لمستحقيها، داعيا عموم مكلفي الزكاة بضرورة تقديم الإقرارات الزكوية، وتسديد الزكاة الشرعية المستحقة على أنشطتهم في الموعد المحدد، ليتم إيصالها للصرف على مستحقي الضمان الاجتماعي أولاً بأول.
 
وتطرق إلى حرص المصلحة على استمرار عمليات التطوير والتحديث، و أنه يتم الربط حالياً بين المصلحة والجهات الحكومية الأخرى آلياً؛ لتسهيل عمليات تبادل البيانات
إلكترونياً، بالتنسيق والعمل المشترك مع برنامج التعاملات الإلكترونية ''يسر''،  فيما وصل عدد المكلفين المسجلين بالمصلحة إلى نحو 480 ألف مكلف بين شركات وأفراد.