الإنترنت .. ثورة حديثة في لدفع العمل الخيري التطوعي إلى مجالات أرحب
27 اكتوبر 2011 - 29 ذو القعدة 1432 هـ( 4805 زيارة ) .
تحقيق: آلاء ممدوح الريدي
 
لا يترك المسلم وسيلة للخير إلا طرق أبوابها وسعى إليها، ولهذا يجب أن نستفيد من الإنترنت والتقنيات الحديثة كوسيلة من وسائل دعم العمل الخيري، و كطريق السريع لصناعة الخير.
 
ولقد أصبح التبرع عن الطريق الإنترنت ووسائل الاتصال الحديثة من وسائل التعجيل بالبر والعمل الصالح، فخير البر عاجله، وهي أسرع وسيلة لإدخال السرور على المسلم، وقد روى الطبراني عن عمر ـ رضي الله عنه ـ قال: سئل رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: أي الأعمال أفضل؟ قال : "إدخالك السرور على مؤمن أشبعت جوعته، أو كسوت عورته، أو قضيت له حاجة".
 
ومع التطور التكنولوجي، وما  يعرف باسم ثورة المعلومات، كما كان لها سلبيات واضحة فقد كان لها إيجابيات أيضا؛ ومنها بروز مصطلح (التطوع الإلكتروني) أو (التطوع الافتراضي) في الفترة الأخيرة، وخاصة مع توافر الإنترنت في أغلب البيوت، مما جعل أكثر الطبقات ازدحاما عليه هي فئة الشباب، وربما يكون قد تمدد بشكل واسع على حساب التطوع الميداني الذي يكون على أرض الواقع، كما أن شبكات التواصل الاجتماعي مثل: (توتير - فيسبوك) قد لعبت دورا في توسيع نطاق العمل التطوعي بين الشباب، وجعلت من نفسها داعما أساسيا للعملية التطوعية.
 
والتطوع الإلكتروني هو: "المهام التطوعية التي تتم بصورة كلية أو في جزء منها، خلال شبكة المعلومات الدولية الإنترنت، سواء من البيت أو من العمل". ويعرف أيضا باسم (التطوع الافتراضي) و (الأُون لاين).
 
ومن الأمثلة العملية المهمة في هذا المجال إطلاق ناد تطوعي إلكتروني بالمملكة العربية السعودية، تحت مسمى "لبيه"، حيث يراد له تنفيذ خطة (15× 15×15)، التي تهدف لجمع بيانات 15 ألف متطوع، و15 ألف فكرة تطوعية، بحلول العام 2015، تشمل بيانات المتطوعين ومهاراتهم الأساسية والتدريبية، وتجاربهم السابقة في العمل التطوعي، وفق استراتيجية مدروسة لتنظيم العمل التطوعي، وإيجاد قاعدة بيانات حقيقية ومنظمة، وسد ثغرة العشوائية في بعض الجهود التطوعية عند حدوث الأزمات والكوارث.
 
ويعد التطوع الإلكتروني مكملا للتطوع الميداني وداعما له، ومن مزاياه أنه يمكن للمتطوع عبره أن يحقق ما قد يعجز المتطوع الميداني عنه من طرح أفكار لمشاريع جديدة، وحشد أكبر عدد من المتطوعين الجدد، و قد كان من أسباب مولد التطوع الافتراضي انشغال الناس، وضيق الوقت، مما وفر الإنترنت والشبكة العنكبوتية ذلك المجال بسهولة ويسر..
 
ولذا، تكاتفت المجهودات من أجل إنشاء مواقع للعمل الخيري، وذلك لأكثر من مسبب؛ فالإنترنت أسرع وأدق في التواصل مع المؤسسات الخيرية، وسهل الوصول منه للمعلومات المرجوة عن بعض المشروعات الخيرية, وكذلك التواصل مع المتبرعين وإطلاعهم على أحدث المشروعات الخيرية، إلى جانب دعم التواصل والتعاون بين كل المؤسسات الخيرية بالوطن العربي، كما أنه يعد مفيدا بشكل كبير للأشخاص الذين لا يحبذون النزول لأرض الواقع في العمل التطوعي، ويحبون العمل عن بعد عبر الإنترنت..
 
وعن (التطوع الإلكتروني) تقول "ليندسي أوتشيسلي" ـ المحررة في موقع أميركا دوت غوف/واشنطن-: "إذا كنت تملك جهاز كمبيوتر موصولا بشبكة الإنترنت، وتتمتع بالمهارات اللازمة، فإنك تستطيع التطوع لتقديم خدمة ما في أي بلد من 130 بلدا حول العالم دون أن تغادر منزلك".
 
ويشار إلى أن المتطوعين عبر الإنترنت أنجزوا 14.313 مهمة في العام 2009، مضاعفين بذلك عدد المهمات المنجزة في العام الذي سبق. و يساهم المتطوعون عبر الإنترنت في تقديم أكثر من مجرد الخبرة القيّمة، فمع توسع الاتصال عبر الإنترنت تتوسع دائرة المتطوعين بحيث تشمل مناطق وأماكن متنوعة، مما يعني أن تنوع خلفياتهم الثقافية يشكل مكسبا للمشاريع بالإفادة من آراء ووجهات نظر جديدة.
 
شبابنا ... والتطوع الإلكتروني
وإذ انتقلنا للشباب للأخذ والنظر في آرائهم حول ذلك، فنجد محمود (23) عاماً يقول: "استغلال الشباب المتطوع للإنترنت ساعد المؤسسات الخيرية على أن تسوق لمن تريد أن تتواصل معهم من الشباب المتطوع أو أصحاب الخير الذين يتعاملون مع وسائل الاتصال الحديثة، وساعدها على وضع الأنشطة والخدمات التي تقدمها على موقعها الخاص على الإنترنت؛ وبالتالي أصبح من السهل أن تصل إلى المستفيدين من خلال محركات البحث المختلفة".
 
 وتضيف فاطمة (26) عاماً: "التطوع عبر الإنترنت ساعد الكثير من الشباب على الانضمام لصفوف العمل التطوعي، فبيتي وأولادي عائق كبير أمام خروجي للعمل الخيري، لذلك تواصلت مع بعض الجمعيات الخيرية، وقدمت لهم خبرتي في مجال الإنترنت، وأعمل حالياً من بيتي على التطوع في تحديث صفحاتها على "الفيسبوك" و "توتير"  بشكل أسبوعي".
 
وتتفق معها سهاد (24) عاماً قائلة: "يوجد من لا يحب ممارسة العمل التطوعي على أرض الواقع لأسباب عديدة، منها: الانطواء، وعدم الرغبة أو القدرة على التعامل مع الناس، أو الانشغال، أو عدم القدرة على الخروج من البيت، كما هو حال العديد من الفتيات، أو حتى ضعف البنية الجسدية، وعدم القدرة على عمل مجهود عضلي، كبعض المرضى أو المعاقين أو كبار السن، فيكون الإنترنت وسيلة مثالية لاستغلال طاقات هؤلاء التطوعية".
 
ويضيف فهد (34) عاماً قائلاً: "وجود موقع إلكتروني لأي جهة أو مؤسسة خيرية أتاح لها عرض النماذج والأعمال الإدارية الخاصة بها على الإنترنت، بالإضافة لعرض لوائح الجمعية، وتاريخ إنشائها، واللجان المتفرعة منها، ومؤسسيها، وأعضاء مجلس الإدارة؛ مما يجعل المتبرع أو الراغب في التطوع على دراية بكل ما يريد، بالإضافة إلى التبرعات والمشروعات التي تقوم الجمعية بتنفيذها، وتخبر المتبرعين بثمار تبرعاتهم أولا بأول عن طريق شريط الأخبار الذي يتم تحديثه بشكل يومي، هذا بالإضافة إلى التواصل مع المتطوعين أو الراغبين في القيام بأعمال الخير أو التبرع عن طريق البريد الإلكتروني، والمحادثات الفورية، ومجموعات النقاش".
 
آراء المتخصصين حول العمل التطوعي عبر الإنترنت
يقول عادل السلطان - رئيس فريق شباب همــّـة التطوعي السعودي - عندما سألناه عن كيفية إمكان  استغلال وسائل الاتصال الحديثة والإنترنت في تطوير وتنمية وتوسيع نشاطات الأعمال التطوعية: "في الحقيقية، الأعمال التطوعية ليست مقصورة على أعضاء الفرق أو المجموعات التطوعية، ولا يجب أن تكون كذلك، بل يجب أن تشمل جميع أفراد المجتمع إن كان من الممكن مشاركة الجميع، وكل ما يجب أن يقوم به أعضاء الفرق التطوعية هو الإعداد والتنظيم الجيد للعمل، ومن ثم تقسيم نسبة العمل بين الأعضاء وأفراد المجتمع الآخرين، والذين يجب أن يكون لهم تخطيط مسبق في كيفية دعوتهم وتفاعلهم مع الأعمال التطوعية المعدة.
 
قد تكون الرغبة في تفاعل نسبة كبيرة من أفراد المجتمع مسألة تحتاج في الحقيقية إلى جهد كبير، وهذا الجهد خفف أعباءه بشكل كبير وجود وسائل التواصل الحديثة، كالهواتف النقالة والإنترنت، من حيث سهولة الوصول لشريحة أكبر، وأيضا سهولة التواصل مع كافة الأفراد.
 
معظم الفرق حاليا تركز على استخدام كافة وسائل التواصل التقنية الحديثة، وهو ما نوفره ونعتمد عليه الآن تواصلا مع أعضاء الفريق وكافة أفراد المجتمع.
 
هذه الوسائل الحديثة طورت وبشكل فاعل طريقة التواصل بين الأفراد فأصبحت أسرع وأسهل وأكثر فاعلية، ولذلك قمنا بتوفير حسابات خاصة بالفريق في المنتديات، وحساب خاص بالفيسبوك و توتير، ونستخدمها في التواصل مع المتابعين وأخذ اقتراحاتهم وأفكارهم، وكذلك انطباعاتهم عن بعض النشاطات التي قمنا بها؛ لنقوم بتطوريها بشكل أفضل. كذلك قمنا بإنشاء مجموعة خاصة في مجموعات جوجل، و حساب (إس إم إس) (رسائل قصيرة) خاص بالفريق وأعضائه؛ ليسهل من عملية إرسال مواعيد الاجتماعات، والفعاليات، والنشاطات، وقد ساعدنا ذلك كثيرا جدا بتوفير الوقت والجهد".
 
التطوع عبر الإنترنت يزيل العقبات
ويقول الدكتور: عبد الله الصبي ـ مدير موقع أطفال الخليج ذوي الاحتياجات الخاصة الخيري:
 
"هناك بعض الحالات التي تمنع الراغبين في التطوع من ممارسة نشاطهم، مثل: الإعاقات الجسمية، أو ساعات العمل الكثيرة التي لا تتيح الوقت الكافي للتطوع على أرض الواقع، أو حتى أن تكون لدى الفرد مشاكل في التنقل. والتطوع الإلكتروني يزيل آلاف الأميال بين الشعوب.. و يجعل الاجتماع بمن في مشارق الأرض ومغاربها سهلاً، سواء أكان التطوع ميدانيا أم عبر الإنترنت فقط... ومن خلاله تطرح الأفكار وتناقش بشكل أوسع.
 
فالتطوع على شبكة الإنترنت يفتح المجال للتعرف على الشباب الخيِّر، وعلى بعض المشاكل التي تواجه كلا منهم في مجتمعه، وكيفية حلها بأسلوب آخر، من خلال التعرف على بعض الثقافات والمشاكل التي تواجه الدول العربية مثلا، وزيادة المعرفة، وتقريب المسافات بيننا، وتعميق التواصل. كما أنه يخفض كلفة الإعداد لهؤلاء المتطوعين، وأسرع في بلوغ الأهداف المراد تنفيذها، كما يساعد في الوصول لأكبر قدر من فئات المجتمع من الشباب والفتيات وحتى كبار السن؛ فهو يعد وسيلة فعالة بشكل جيد في التواصل مع المجتمع ككل، وطريقا لجذب متطوعين جدد، والاستفادة من الطاقات التطوعية عن بعد واستغلالها بشكل فعال وجيد،، بالإضافة إلى أنه يعد طريقة لتلقي الأفكار والإبداعات، مع سهولة الوصول إليها حسب الرغبة والزمان،، كما أنها شي مهم جدا لتصنيف مهارات المتطوع، و توظيفها في الاتجاه الصحيح"..
 
مزايا  التطوع الإلكتروني.. ومهاراته!
أما عندما نتحدث عن مزايا التطوع الإلكتروني، فنجد أنه يحول الطاقات الشبابية ووقت الفراغ لعمل نافع يفيد الشاب نفسه قبل إفادة المجتمع، كذلك فهو يحل مشكلة المكان؛ فقد أصبح لا وجود لها في ظل العمل التطوعي الإلكتروني؛ وبالتالي اختفت مشكلة وسائل الانتقال والمواصلات.
 
ومن أحد الإيجابيات والمزايا ـ أيضا ـ وجود مشاركة متطوعين من مناطق ودول مختلفة، وكذلك أتاح فرصة للنساء للعمل به خصيصا لمن لا تريد الاختلاط والعمل على أرض الواقع، وأيضا عدم تحمل المتطوع فوق طاقته، فعندما يحب أن يستريح فهذا أصبح بإرادته ووقتما يشاء، ويتيح له حرية اختيار الزمان والمكان المناسب له، كما أنه يمنع التضارب، ويحول دون الإحباط..
 
أما الميزة الكبرى به، فهي أن هناك بعض الحالات الإنسانية التي تمنع محبي التطوع من التطوع التقليدي، مثل: الإعاقات الجسمية..
 
أما الاستفادة التي سيحققها الفرد من التطوع الإلكتروني، فهي أنه يمكن له أن يقدم خدمات عديدة للمجتمع، كما يمكنه زيادة خبراته ومهاراته، ومنها: صناعة المجموعات وقيادتها، بجانب قيادة الحملات، وتوزيع المهام بين المتطوعين، وتغرس في المتطوع روح المغامرة والصبر، وتمكنه من بناء معارف وصداقات متنوعة، وتنوع الثقافة والاطلاع..
 
ومن أدوات التطوع الإلكتروني تأتي القوائم البريدية والمجموعات على رأس القائمة في العمل التطوعي الإلكتروني؛ وذلك لأنها سهلة الاستعمال، ولكنها تحتاج للوقت والجهد لجمعها.
 
كما أن للتطوع الإلكتروني مهارات عدة: فمنها ـ على سبيل المثال ـ مهارة التعامل مع الأدوات المستخدمة في العمل التطوعي من منتديات، ومجموعات بريدية، الويكيبيديا، بالإضافة لمواقع الحملات، كذلك القدرة على اكتساب أدوات جديدة ومهارات نوعية أخرى، فكل مشروع تطوعي يضم عدة أعمال، و لكل عمل منها مهارات لازمة له، فمثلاً:
 
إذا كنت الشخص الذي يقوم بتطوير موقع المشروع فلا بد أن تلم بلغة برمجة مناسبة، أما إذا كنت مسؤولا عن التصميمات فلا بد أن يكون لديك حس فني، وإذا كنت مشرفاً على المنتدى يجب عليك معرفة آداب الحوار، وكيف تخرج من الأزمات وتوجه الحوار إلى وجهة نافعة.
 
وأخيرا، مهارة تنظيم الوقت، مع أن العمل التطوعي الافتراضي يوفر مرونة جيدة في التعامل مع الوقت، ولكن عدم التحكم في الوقت قد يؤثر سلباً.