"متحدون ضد الجوع " شعار العام للمنظمات الخيرية
10 نوفمبر 2010 - 4 ذو الحجة 1431 هـ( 4539 زيارة ) .
 * 14 مليون مصري وربع السودان و45% من اليمن معرضون للجوع
 
* الجوع أشدخطراً من أمراض الإيدز والملاريا والسل.. مجتمعة
 
* خالد مفيد:" عدد الجوعى في إيطاليا منخفض جدا؛ بسب خدمات الضمان الاجتماعي
 
* جمعية" ود" تكافح الفقر في المنطقة الشرقية بالسعودية بالدورات التدريبية
 
* ابتسام الشيخ: الجوع يتسبب في مقتل  25 ألف شخصا   يوميا
 
*  إمكانيات الجمعيات الخليجية ضعيفة فهي قائمة على التبرعات، وهذا لا يكفي لسد حاجة الأسر كاملة
 
* د.فارس الكاتب: هناك دول مستفيدة من تنفيذ سياسة التجويع
 
* محمود يوسف: الدول الغنية قد تتعرض للجوع  بسبب المناخ
 
* قاسم عثمان: المنظمات الإنسانية التابعة للأمم المتحدة تخضع للتسييس وعدم التوازن في الإنماء
 
* الدبا: الأمن الغذائي يتحقق  بالتعاون بين الدول التي تمتلك أراضي صالحة للزراعة بتمويل من الدول الغنية
 
* رسلان: نستورد كيلو بذور الطماطم بـ 100 ألف جنيه، رغم أنه لا يكلف 100 جنيه إذا تم إنتاجه محليا ..وهذا يساهم في رفع الأسعار على الفقراء
 
تحقيق: مروه رسلان
 
"عندما نعمل معا تصبح لدينا القدرة على إحداث تغيير حقيقي في حياة الملايين من الناس، الذين لولا ذلك لكان عليهم الصراع من أجل إطعام أسرهم".
 
هذه كانت الكلمة الافتتاحية لـ " شيلا سيسولو" ، نائب المدير التنفيذي لبرنامج حلول مكافحة الجوع التابع لهيئة الأمم المتحدة ،في الاحتفال بيوم الأغذية العالمي، الذي اختير له عنوان "متحدون ضد الجوع".
 
وتتصدر قائمة الأهداف الإنمائية التي وضعتها الأمم المتحدة للقرن الحادي والعشرين خفض نسبة الجوعى في العالم بمقدار النصف، فقد عاد الجوع ليزداد مرة أخرى ببطء، ولكن باطراد خلال العقد الماضي.
 
فحسب الإحصائيات الأخيرة، هناك 1.02 مليار شخص في العالم يعانون في الوقت الحالي من نقص التغذية، وهذا يعني أن واحداً من بين كل ستة أشخاص ، تقريباً ، لا يحصل على ما يكفي من الغذاء للتمتع بصحة جيدة وحياة نشطة. فالجوع وسوء التغذية هما في واقع الأمر الخطر الأول الذي يهدد صحة الإنسان في جميع أنحاء العالم، وهما أشد خطراً من أمراض الإيدز والملاريا والسل مجتمعة. حيث يقدر الاقتصاديون أن كل طفل يعاني من ضعف النمو الجسدي والعقلي بسبب الجوع وسوء التغذية يتعرض لخسارة 5- 10% من دخله المكتسب على مدى عمره.
 
وانطلاقا من توجه "متحدون ضد الجوع"، يناقش "مداد"هذه القضية في العديد من البلدان الخليجية والعربية والأجنبية؛ فكان هذا التحقيق.
 
في البداية  يقول خالد مفيد ـ رئيس جمعية ملائكة العالم الإيطالية ـ:" إن العالم كله به جائعون. ولكن هنا في إيطاليا الرقم منخفض جدا؛ بسب خدمات الضمان الاجتماعي. وقد قمنا في اليوم  العالمي للغذاء  بمساعدة الفقراء،  وتأمين الغذاء لهم عن طريق التمويل المالي من خلال الجمعية.  وهنا في إيطاليا هناك  الكثير  من الجمعيات التي تتعامل مع هذا النوع من الفقراء، وتمدهم بالدعم، مثل:  كاريتاس، والخدمات الاجتماعية الحكومية  التابعة للدولة. ولو حضرنا مؤتمر "الفاو" لقمنا  بشرح تجربتنا في إيطاليا والأساليب التي يمكن أن نستخدمها حتى نقي الإيطاليين من الجوع. ومن مخططاتنا المستقبلية  أن نقوم بتوعية السلطات والشعوب بخطر الجوع؛ حتى ننقذ البشر منه.
 
لو كان الفقر رجلاً لقتلته
وترى ابتسام الشيخ ـ مديرة العلاقات العامة والإعلام بجمعية ود للتكافل والتنمية الأسرية بالمملكة العربية السعودية ـ أن دعوة منظمة  الأغذية التابعة للأمم المتحدة "الفاو" دعوة جيدة لو استطاعت أن تنفذها، ولكن من الواقع الملموس فإن هذه المنظمة تأسست منذ عام 1945 م، وحتى عام 2010 لم نر أنها استطاعت أن تقضي على الفقر، بالرغم من أن أكثر من 150 دولة مشاركة. وعلى حسب إحصائيات هذه المنظمة فإنه كل يوم يموت 25 ألف  شخصا في العالم من الجوع،  فأين هذه المنظمة؟ وأين قراراتها وأعضاؤها؟ فماذا نتوقع منها؟ ولكن نأمل خيراً. ولذلك يجب أن تكون هناك جدية وإخلاص في العمل، وأن يقف الجميع يداً واحدة للقضاء على الفقر ونبذ العنصرية، وأن لا ننظر للون أو جنس أو ديانة، بل ننظر إلى إنسان  يحتاج المساعدة. لذلك  من وجهة نظري المتواضعة ـ يجب دعم الأسر الفقيرة بعد تصنيفها حسب مهاراتها، فهناك فقراء مزارعون  في الريف، فيجب دعمهم ومدهم بالمال لإحياء أراضيهم، وهكذا  نكون قد استثمرنا في الزراعة والتنمية الريفية، كما نكون قد أحيينا قرية بعد موتها، وشغلنا أيدي عاملة بدلا من أن تمد هذه الأيدي لتستجدي لقمة العيش. وكذلك نفعل مع الحرفين وأصحاب المهن، ندعمهم مادياً، ثم نسوق منتجهم، فلو فعلنا ذلك في كل منطقة يهيمن عليها الفقر لاستطعنا على الأقل أن نخفض الأرقام المخيفة  من الجائعين، والتي هي في تزايد مستمر.
 
وتضيف أن الجوع كافر، ومن شدة كفره قيل فيه: ( لو كان الفقر رجلاً لقتلته ). لذلك يعتبر الجائع قنبلة موقوتة نتوقع انفجارها في وجه المجتمع في أي لحظة، كما أن هذا الجائع  يكون خامة جيدة وأرضا خصبة لمروجي المخدرات والإرهابيين، وعرضه لأن يتحول إلى لص أو قاتل؛ لأنه في لحظات الجوع يُشل التفكير، وينحصر  في شيء واحد وهو الحصول على الطعام أو المال الذي يشتري به ما يسد جوعه بأي طريقة وأي ثمن كان، حتى لو تجرد من المبادئ والقيم التي تربى عليها. والحل هو توفير وظائف برواتب تكفي  الشاب أو رب الأسرة أن يعيل أسرته  بشكل يكفل لهم حياة كريمة، وتسهيل عملية التعليم، والتركيز على التدريب  لذوي المهارات، ودعم أصحاب الأراضي الزراعية.
 
وبالرغم من أن الجمعيات الخليجية تقوم بدور هام في الناحية الإغاثية للفقراء، إلا أن إمكانياتها ضعيفة؛ حيث إنها قائمة على المتبرعين وبعض المشاريع التي تساعد في الموارد المالية للجمعية، ولكن هذا لا يكفي لسد حاجة الأسر كاملة.
 
ونحاول  في جمعية "ود" للتكافل والتنمية الأسرية في المنطقة الشرقية في المملكة العربية السعودية أن نعتمد في مكافحة الفقر للأسر التي ترعاها الجمعية على التدريب والتأهيل والتعليم؛ وذالك لإخراج مجتمع منتج متكافل، قادر على إعالة نفسه. لذالك نقوم بإعطاء دورات للأسر عن كيفية الزراعة في المنزل حسب الإمكانية المتوفرة، وأن يأكلوا هذا المنتج من الخضار، كذالك نقوم بتدريبهم على كيفية العيش بالراتب الشهري الضعيف. فنحن  نتبع الحكمة الصينية التي تقول: ( لا تعطني سمكة كل يوم، ولكن علمني كيف اصطادها ). ولكن هذا لا يمنع أن نساعد الأسر بالمواد الغذائية، شرط حضورهم للدورات التي نقيمها خصيصاً في هذه المناسبات التي يتم توزيع المواد الغذائية فيها كهدية ومكافأة لحضورهم المحاضرة أو الدورة. هذه هي السياسة المتبعة في الجمعية.
 
سياسية التجويع
أما د .فارس الكاتب ـ رئيس المكتب الإقليمي للدراسات الاستراتيجية في الشرق الأوسط ـ  فيرى أن هذه المشاريع ليست بالجديدة من قبل الأمم المتحدة؛ حيث سبق وأن ظهر هذا البرنامج في مطلع الثمانينات من القرن المنتهي، ولم تنجح هذه التجربة؛ بسبب سوء التخطيط. لذا ينبغي أن ترسم سياسية توعية  عالية المستوى، إلى جانب مشاركة منظمات المجتمع المدني في البلدان المتقدمة ماليا وحضاريا، وكذلك فتح صندوق مالي لدعم الفقراء في العالم، يشترك فيه أغنياء العالم، وتحديدا أغنياء المسلمين، إذا أردنا ـ على سبيل المثال ـ إنجاح تجربة المملكة العربية السعودية في اتباع سياسة الاكتفاء الذاتي للمملكة، ومن ثم التصدير للدول العربية والإسلامية الفقيرة كالسودان. وبخلاف مثل هذه السياسة، وتبني الدول الغنية في العالم لسياسة الدعم المالي واستزراع ملايين الهكتارات في العالم وفق خطة ممنهجة لتنجح هذه الخطة فستموت كسابقاتها، فليس المهم أن تمنح المساعدات، بل الأهم أن تضع خطة أولية لنموذج أمثل لديمومة إيصال الغذاء للشعوب الفقيرة، ومن ثم تأتي الأمم المتحدة كمشرفة وخيمة كبرى لتنظيم هذه الآلية بنجاح. أما بقية الأمور المنادى بها ـ كالزكاة، والمساعدات الإنسانية المحدودة لبعض الدول الغنية ـ فإنها  لا تأتي وفق سياق الحلول الصحيحة؛ فهي واهية وانية، وليست استراتيجية صحيحة،  مع التذكير أن هناك دولا مستفيدة من تنفيذ سياسة التجويع لغايات سياسية يراد بها تركيع هذه الشعوب؛ بمعنى أن نجاح هذه الخطوة يفضي إلى أهمية أن تكون هناك نهضة كبرى للإنسانية، نهضة مبرمجة على أعلى مستوى من الدراسة الاستراتيجية البعيدة المدى.
 
ويؤكد على هذا المعنى الخبير الاقتصادي محمود يوسف، حيث يرى  أن هناك جوعى في مقابل دول غنية ترمي الحبوب أو تتخلص منها. و لكن  كان هذا في الماضي، أما الآن  فنجد أن العالم كله  يعاني من مشكلة غذاء، و الدول الغنية قد تتعرض للجوع  بسبب المناخ السيء، بل إنه أصبح من الصعب إنتاج نفس المعدل السابق من المحاصيل.
 
التجسس
ويضيف قاسم عثمان ـ الصحفي بالاتحاد  الدولي لوسائل الإعلام بلندن ـ أن أول شي في المنظمات  الإنسانية التابعة للأمم المتحدة أنها تخضع للتسييس، و عدم التوازن في الإنماء البشري في جميع أنحاء العالم. و ما أقوله يظهر للعلن عبر حالة الفقر و الجوع السائدة في دول العالم الثالث و أفريقيا. حيث أفاد تقريرٌ جديد عن الجوع ِ في العالم بأن مستوياتِ الجوع في تسع ٍ و عشرين  دولة ً تبعثُ على القلق، واَن أكثر من مليار شخص ٍ تضوروا جوعا في 2009. وذكر المؤشرُ السنوي عن الجوع ِ في العالم والذي نشرَه المعهدُ الدولي لأبحاث سياساتِ الغذاء أن زعماءَ العالم بعيدون تماما عن الهدفِ الذي وُضع عام 1990 بخفض عددِ الجوعى في العالم إلى النصفِ بحلول ِعام 2015؛ إذ إن أربعة عشر  مليونَ مصري يعيشون تحتَ خط ِالفقر، بينهم أربعةُ ملايين لا يجدون قوت َيومهم، لتبقى  مصرُ في المركزِ ما بعد المائةِ بين دول العالم الأكثر فقرا.. وفي السودان  نجد ُ واحدا  من كلِ أربعة سودانيين معرضا للخطرِ. ويصنف نحوُ 11 مليون شخص في السودان؛ أي ما يُقارب ربعََ السكان، على أنهم يُعانون انعدامَ الأمن  الغذائي؛ ما يعني أنهم معرضون لخطر ِ الجوع. أما في اليمن،  فارتفعت  نسبة ُ الجوع من 30% عام 1991 إلى 46.1% عام1997، وبلغت حوالي 45.6% عام2003، وبذلك فمن الصعوبة بمكان تخفيض هذه النسبة إلى15%  في العام2015. ولذلك؛ علينا أن نخضع هذه الفئة الفقيرة لنظام غذائي سليم؛ حتى لا يصبح الجوع  الخطر الأكبر  الذي سيشهده العالم، وتستغله أجهزة الاستخبارات بالدول الغنية، حيث أصبحت تصطاد هؤلاء لمصلحتها للتجسس و القيام بأعمال أمنية.
 
الأمن الغذائي
وأكد عبد الجليل علي صالح الدبا ـ الخبير الزراعي ـ أن دعوة الأمم المتحدة كسابقاتها لا تجدي نفعا كما هو مأمول ومطلوب؛ فآليات عملها بيروقراطية، ويعتريها الكثير من الثغرات، فعلى سبيل المثال مبادرات برنامج الغذاء العالمي وجهوده لا تلبي احتياجات الجوعى، فالخبراء والمؤسسات والشركات التي تقوم على التنفيذ تلتهم نسبة كبيرة من الميزانيات المخصصة... ويمكن تفعيل هذه الدعوة بالحصول على تعهدات المانحين والأغنياء، وأن تحظى بدعم الدول الغنية وذات النفوذ كالولايات المتحدة الأمريكية ودول أوروبا ودول الخليج الغنية.
 
 ولا تكفل نظم الغذاء الأمن الغذائي للضعفاء في مجتمعاتنا؛ لأنها ليست على درجة عالية من الشفافية والإخلاص؛ فتذهب للندوات والاستشارات ونفقات إدارية وخبراء وخلافه، فبرنامج النفط مقابل الغذاء في العراق أسهم في إثراء الخبراء والاستشاريين، والمواطنون المستهدفون لم ينالوا سوى الجزء اليسير. أما كيف نحقق الأمن الغذائي، فهو بالتعاون المشترك بدعم الدول التي تمتلك أراضي شاسعة وصالحة للزراعة كالسودان، وتأسيس مشاريع مشتركة بتمويل من الدول الغنية أو شركات ذات رأسمال كبيرة، وتشجيع الجمعيات والمنظمات غير الرسمية ودعمها لتحسين كمية وجودة المنتجات، وكذلك إنتاج  سلالات وأصناف مناسبة تتواءم مع التغيرات المناخية، واستخدام التقنيات الحديثة كالبيوت الزجاجية والصوبات واستغلالها حسب الاحتياج والموسم الزراعي.
 
أرض الواقع
ومن أرض الواقع يتحدث الحاج جمعة رسلان ، من كبار المزارعين بمصر ، أن الجوع الذي سنتعرض له من أسبابه ارتفاع سعر الأراضي الزراعية مع عدم جدواها الاقتصادية،  فثمن الفدان قد يصل إلى 200 ألف جنيه، ولكن العائد منه لا يصل إلى 2000، لذلك من يستطيع شراء الأراضي لا يستطيع أن  يخدمها زراعيا؛ بسب ارتفاع أجور العاملة  مع قلة الإنتاج، بالإضافة إلى عدم التناغم بين  وزارات الري و الزراعة والتضامن الاجتماعي. فبالنسبة لوزارة الري مثلا  تقلل المياه قبل نضوج المحاصيل الشتوية والصيفية؛ مما يؤدي إلى قلة إنتاجية القمح والذرة والطماطم، وهي المحاصيل التي نعتمد عليها في الغذاء.
 
ويخلص الحاج جمعة من ذلك إلى أن هذا سيؤثر سلبيا على حصول الفقراء والمحتاجين إلى الغذاء الرئيسي والمهم، وهذا بطبعه سيؤدي إلى توسيع الهوة في مشكلة الجوع وعدم السيطرة عليها بالشكل الملائم.
 
ويرى أن الحل يكون بإنتاج بذور مصرية؛ فنحن نقوم باستيراد البذور من أمريكا وإسرائيل بالبذرة، فيصل كيلو بذور الطماطم إلى 100 ألف جنيه، رغم أنه لا يكلف 100 جنيه إذا تم إنتاجه محليا، وكذلك نستورد بذور البطيخ بـ 2000 جنيه، وإذا تم إنتاجها محليا لن تكلف الدولة أكثر من عشرة جنيهات. وأضاف أنه  بدلا من ري ملاعب الجولف يتم توفير هذه المياه إلى الأراضي الزراعية مناشدا الوزارات المعنية وهي الزراعة والري والتضامن.
 
ولا أجد ختاما  لهذا التحقيق خيرا من وَصْفِ  "جان زيجلر" ـ أحد مبعوثي الأمم المتحدة ـ:" إنها مذبحة جماعية صامتة".