الأعمال الخيرية.. هل تظهر "ضيف الشرف" في الصحافة العربية؟! (الحلقة الثانية)
10 اكتوبر 2010 - 2 ذو القعدة 1431 هـ( 1906 زيارة ) .
الأعمال الخيرية.. هل تظهر "ضيف الشرف" في الصحافة العربية؟! الحلقة الثانية
 
الحصري :في الجزائر الشباب لعبوا مبارة كره وسلموا جوائزها لفتاة معاقة
 
شعلان: في اليمن الاهتمام بالمشاكل السياسية والمذهبية وآخر المطاف العمل الخيري
 
نسيبة : في مصر تكثر في المواسم الدينية والأعياد.. والصحف الرسمية تقتصر على الجهات الحكومية
 
حوار إسراء البدر
 
واقع الإمكانات العربية من خلال الصحافة والإعلام العربي وصل في بعض الدول إلى إمكانات كبيرة، وهذه الإمكانات في دول العالم الغربي توظف لكثير من الأغراض، بعضها أغراض نبيلة، وأخرى غير ذلك، وما يهمنا هنا أن الإعلام الغربي يُوَظَّفُ من خلال وسائله المختلفة لخدمة العمل الخيري، سواء أكان ذلك إعلاما مرئيا أم مقروءاً، صحافة إلكترونية أم غيرها..
 
وهنا نطرح تساؤلات: هل أن الصحافة العربية بإمكانياتها الكبيرة من جوانب مادية وأقلام مؤهلة بإمكانات كبيرة في العمل الصحفي، هل توظف بعضا من إمكانياتها الصحفية في خدمة العمل الخيري الذي هو جزء مهم من حياة الإنسان المسلم؟ أم أن خطوات الصحافة العربية في هذا المجال لا زالت غير مرضية، وأنها تحبو في هذا المسار رغم الخطوات العالمية الكبيرة في هذا المجال؟ تساؤلات نطرحها على صحفيين من دول عربية متنوعة؛ لإيجاد تفسير وإيضاح وراء هذا التباطؤ من الصحافة العربية في دعم العمل الخيري!
 
عبدالقوي شعلان - مراسل موقع "نبا نيوز" الإخباري من دولة اليمن، توجهنا له بالسؤال: هل أفردت صحافتنا العربية مساحة واسعة يستحقها العمل الخيري أم بخلت عليه؟ فأجابنا قائلا:
"لم يحظ العمل الخيري بالاهتمام الكافي من قبل الصحافة العربية بشكل عام؛ ما اضطر تلك الجمعيات والمؤسسات الخيرية المعنية بالعمل الخيري أن تنشر أنشطتها عبر نشرات دورية ركيكة المستوى. والسبب في اعتقادي  أن كثيرا من الصحف العربية طغت عليها أحاديث السياسة أكثر من الخوض في الشأن الاجتماعي، أضف إلى ذلك فإن بعض تلك الصحف تتهم رواد العمل الخيري بأنهم يسعون للتكسب والتربح؛ وبالتالي كثيرا ما تشترط على أصحاب تلك الجمعيات عند نشر تغطية أو خبر دفع مقابل مادي، واحتساب ذلك الخبر كإعلان يستلزم دفع ثمنه مسبقا".
 
** وكيف واقع الصحافة اليمنية في خدمة العمل الخيري؟ وهل هو بمستوى الطموح؟
"الصحافة اليمنية على تعدد مشاربها واتجاهاتها الفكرية والسياسية والمذهبية والحزبية هي نقطة ضوء وحيدة تسجل للنظام في اليمن، رغم القمع الذي تتعرض له باستمرار لدواعي مختلفة. وتختلف نظرة تلك الصحف للعمل الخيري، خاصة إذا ما علمنا أن العمل الخيري في اليمن له حضور قوي جدا، ويقوده حزب الإصلاح الإسلامي تحديدا، فضلا عن مؤسسة الصالح الرسمية التي يرعاها ابن الرئيس صالح، وهي تقدم نفسها على أنها مؤسسة خيرية مستقلة، في حين تلاقي انتقادات واسعة من قبل الجمهور بأنها تنفذ برامجها من المال العام.. ويعاني العمل الخيري في اليمن من تجاهل إعلامي رسمي وشعبي في معظم الصحف الصادرة، البالغ قوامها أكثر من 200 مطبوعة حسب إحصائيات وزارة الإعلام، عدا قليل منها التي تفرد مساحات بسيطة لأخبار العمل الخيري، مثل: الصحف الحزبية التابعة لحزب الإصلاح، فإن عددا يسيرا لا يتجاوز عدد أصابع اليد من يهتم بأنشطة العمل الخيري، مثل الصحف الأهلية والمستقلة، وربما كان ذلك انتقاء، فأخبار الجمعيات الخيرية التابعة للشركات تحظى باهتمام إلى حد ما؛ بسبب حرص تلك الصحف على الحصول على إعلانات لاحقة من تلك الشركات؛ فتسعى لمجاملتها بنشر أخبار جمعياتها الخيرية.
 
كما يعاني العمل الخيري من تجاذبات السياسة؛ فالصحف الرسمية لا تهتم بأخبار العمل الخيري الخاص بجمعيات حزب الإصلاح المعارض، وهكذا يوضع العمل الخيري في قفص الاتهام دائما، حتى وإن كان بعض جمعياته مستقلة".
 
عوائق في اليمن
 
** ما العوائق التي تقف ـ برأيكم ـ سببا في قلة المساحة الصحفية الداعمة للعمل الخيري؟ وهل يقف وراء ذلك أسباب مادية؟ وأقصد: إن كانت هناك أموال تقدمها المؤسسات الخيرية للصحافة اليمنية فهل ستدعم الأخيرة العمل الخيري، أم أن الأمر ليس كذلك؟
"من العوائق وجود صحف من حيث الكم وليس الكيف، فكل الإصدارات الموجودة تفضل الاهتمام بأخبار السياسة، وتجاهل أخبار الجمعيات الخيرية؛ حرصا على قرائها وعلى المعلنين أيضا، وتعتبر أن معظم تلك الجمعيات لديها تمويل خارجي، ويتم تسخير جزء بسيط منه للعمل الخيري، فيما يذهب الكثير منه للمصلحة الشخصية، كما أن تلك الجمعيات تسعى لاستقطاب صحفيين مقربين من بعض الصحف لتمرير بعض أنشطتها هروبا من الإعلان، وأحيانا يتم دفع مقابل للصحفي الذي يتعهد بنشر الخبر".
 
** وكيف يمكن أن تنهضوا في اليمن كصحفيين في دعم العمل الخيري وتشجيعه من خلال الصحافة اليمنية بشكل عام، ومن خلال صحيفتكم بشكل خاص؟
"أقول: إن دعم العمل الخيري إعلاميا يتطلب وجود إعلاميين متخصصين في تلك الجمعيات، علاوة على تصميم مواقع خاصة بها تغنيها عن النشر في صحف لها موقف مشوب بالحذر من تلك الجمعيات، كما أن قائمة البريد الإلكتروني أصبحت اليوم واحدة من أساليب الترويج لأنشطة العمل الخيري".
 
تكثر في المناسبات الديية
 
الجزائر كان لها نصيبها في عملنا هذا، حيث توجهنا بالسؤال إلى الصحفية الجزائرية شافية بشار،  وهي صحفية من جريدة "الفجر الجزائرية"، وسألناها عن التغطية الإعلامية والصحفية العربية للعمل الخيري: هل هي بالمستوى المطلوب؟
"عندنا في الجزائر ألاحظ أن التغطية الإعلامية للعمل الخيري تكثر في المناسبات الدينية، خاصة مثل شهر رمضان، الذي يكثر فيه الحديث عن المطاعم المجانية التي يطلق عليها (مطاعم الرحمة)، وزيارة بيوت المسنين، وغيرها من الأعمال، أما باقي أيام السنة فهذه التغطيات تعد ضئيلة، ومقتصرة على المبادرات الجديدة التي تطلقها الجمعيات الخيرية، وبعض الريبورتاجات القليلة المنفردة؛ ولعل ذلك مرتبط بحركية هذه الأعمال، إذ يعد الإعلام صدى لها لا غير".
 
** وهل ترين أن هذه التغطية بمستوى الطموح؟
أظن بأنها ما تزال ناقصة.
 
** وما هي سبل تفعيلها برأيك؟
أرى ذلك من خلال عدم الاكتفاء بتغطية مبادرات الجمعيات بشكل بسيط، وإنما الالتفات إليها بتعمق أكبر.
 
محمد الخضاري من الجزائر – رئيس تحرير يومية المواطن باللغة العربية (سابقا)، ومنتج أخبار تلفزيوني في الوكالة الفرنسية – العربية، سألناه عن حقيقة المساحة التي تفردها الصحافة العربية للعمل الخيري، وهل أفردت  هذه الصحافة مساحة واسعة يستحقها العمل الخيري أم بخلت عليه؟ فأجاب قائلا:
"لا يمكنني أن أحكم على واقع لا أعرفه عن قرب، اللهم إلا عن طريق ما نتصفحه عبر "الواب".. واقع الصحافة العربية هو واقع متشابه، مع تفاوت نسبي في ظروف العمل الماديـة فقط، أما هوامش الحريـة فإن لم تتحكم فيها السلطة فإنها تحت رحمة ما يسمى ديكتاتورية المال والإشهار، الذي يحدد ذوق العامة وتوجهاتهم، وحتى ميولاتهم مع مرور الزمن بطريق العادة والتعود.
العمل الخيري ـ أحيانا ـ يتحول إلى مظهر اجتماعي لتبييض الأسماء الكريمة والعطوفة على فئات الشعب؛ وبذلك يفقد جوهره. الصحافة العربية ـ في تقديري ـ ربما هي أولى بالعمل الخيري بالنظر للظروف المزرية التي يتخبط فيها أغلب الزملاء".
 
مابين النضال والكفاح
 
** وعندما سألناه عن واقع الصحافة الجزائرية في خدمة العمل الخيري، وهل هو بمستوى الطموح؟
قال: "الصحافة الجزائرية ولدت بين زمنين: زمن الثورة التحريرية؛ فكانت صحافة نضال بالدرجة الأولى، وزمن الأزمة السياسية؛  فكانت صحافة كفاح من أجل أخذ المكانة، ودفعت الثمن باهظا. تحاول أن تكون لها دور الريادة، وأن تمثل فعلا السلطة الرابعة. العمل الخيري هو حس المجتمع، والصحافة التي لا تستشعر حس الشعب فإنها تبقى بعيدة عن روحها.
 
أول عمل تعبوي قادته الصحافة فعلا للعمل الخيري كان "تيليطون العراق"، ثم "تيلطون التضامن"، وحصص إذاعية  للتضامن  بالقناة الثالثة الناطقة بالفرنسية والقناة الإذاعية الأولى باللغة العربية، إلى جانب بعض المبادرات، لكن عندما يتحول التضامن والعمل الخيري إلى  لقطات بالكاميرا صالحة للبث، أو صور للنشر الفوري، يتم انتقاؤها بعناية  للعلاقات العامــة ... العمل الخيري الذي يرجى دعمه هو العمل العفوي، النابع من قيم المجتمعات العربية  على اختلاف عاداتها وتقاليدها.. وطموح الصحفي الجزائري ليس له سقف.  
 
مباراة كرة لصالح فتاة معاقة
 
**  أما العوائق التي تقف سببا في قلة المساحة الصحفية الداعمة للعمل الخيري، وهل يقف وراء ذلك أسباب مادية، وأقصد إن كان هناك أموال تقدمها المؤسسات الخيرية للصحافة الجزائرية فستدعم الأخيرة العمل الخيري أم أن الأمر ليس كذلك؟
أجاب الخضاري: "من يريد فعل الخير ومساعدة الآخرين لا ينتظر صدقة أو دعما ماليا، على سبيل المثال: قام شباب من حي  ناءٍ ببلدية تسمى حمادي بولاية بومرداس بتنظيم دورة كروية  تنافسية، ساهم كل لاعب بمبلغ 500 دينار جزائري، وكل فريق كان ممثلا بـ 18 لاعبا؛ أي جمعوا مبلغ 9000 دينار ( حوالي121 دولارا)، وشارك في الدورة 32 فريقا؛ أي المبلغ الذي جمعوه من جيوبهم هو 288000 (3890 دولارا)... استمتع المشاركون والسكان بمتابعة ولعب مباريات رائعة، وفي القمة طيلة أشهر الصيف، وفي  المقابلة النهائية  سلم المبلغ لوالد فتاة معوقــة كانت الدورة على شرفها. وللعلم، فإن جل الشباب المشاركين في الدورة هم من البطالين. هذه الأمثلة تجعلنا نعيد تقييم العمل والمبادرات؛ لأن الأصل هو الهدف وليس المادة".
 
فضج من يستغلون البسطاء
 
** كيف يمكن أن تنهضوا في الجزائر كصحفيين في دعم العمل الخيري وتشجيعه من خلال الصحافة الجزائرية بشكل عام؟
أجاب محمد الحضاري قائلا: "أحسن ما يمكن أن نقدمه للعمل الخيري ـ كإعلاميين ـ هو فضح النفاق الاجتماعي واستغلال مآسي البسطاء للمآرب الشخصية والمباهاة، وأن ننخرط فعلا كأفراد في  عمل الخير، والنضال من أجل أن يكون للنداءات الخيرية والحملات ذات المنفعة العامة أولوية قبل اللوحات الاشهارية للعطور ومناديل النظافة مثلا؛ لأن المحتاج للخبز لا يهمه  حتى رائحة الخبز وطعمه.
 
وقبل أن نختم تقريرنا هذا فلا يكمل نقلنا لواقع الصحافة العربية والعمل الخيري إذا لم تكن لنا وقفة مع الصحافة المصرية، حيث طرحنا تساؤلات بخصوص ذلك على الصحفية المصرية نسيبة داود (صحفية في إسلام أون لاين (سابقا)، وتعمل حاليا مع موقع المسلم، ولها كتابات في مواقع أخرى).
 
** هل أفردت صحافتنا العربية مساحة واسعة يستحقها العمل الخيري، أم بخلت عليه؟
أجابتنا الأستاذة نسيبة قائلة: "بعض الصحف تسمح بمساحات لدعم الأعمال الخيرية، خاصة في مواسم البر، مثل: رمضان والأعياد، لكن في غير تلك المواسم، وبوجه عام، هناك تقصير في هذا الصدد في الصحف العربية".
 
في الصحف الحكومية بتحفظ
 
** كيف ترون واقع الصحافة المصرية في خدمة العمل الخيري، وهل هو بمستوى الطموح؟
في الصحف المملوكة للدولة يكاد يكون دعم العمل الخيري مقصورا على الجهات الخيرية الحكومية على حساب باقي الأنشطة. أما المؤسسات الخيرية التي تريد الترويج لأنشطتها عبر الصحف فيكون عليها أن تشتري المساحات الإعلانية باهظة الثمن كغيرها من المؤسسات.
 
** العوائق التي تقف ـ برأيكم ـ سببا في قلة المساحة الصحفية الداعمة للعمل الخيري؟ وهل يقف وراء ذلك أسباب مادية؟ وأقصد: إن كانت هناك أموال تقدمها المؤسسات الخيرية للصحافة المصرية فهل ستدعم الأخيرة العمل الخيري، أم أن الأمر ليس كذلك؟
أولا: ارتفاع تكلفة المساحة الإعلانية في الصحف، وضعف الوضع المادي لغالبية الصحف؛ ما يدفعها إلى استغلال كل ركن متاح للإعلانات فيها من أجل زيادة أرباحها.
 
ثانيا: عدم إحساس إدارة الصحف بالمسؤولية الاجتماعية؛ ما يجعلها تتعامل مع الجهات الخيرية كغيرها من الشركات، دون مراعاة أن هذه المؤسسات الخيرية لها دور فاعل في خدمة المجتمع، وأنها لا تهدف إلى الربح، على عكس الشركات الأخرى.
 
ثالثا: أصبح العمل الصحفي مجرد "بيزنس"، أي وسيلة للتربح، أكثر منه وسيلة لتوصيل أفكار وتكوين آراء القراء وتوجيه سلوكيات المجتمع؛ وبالتالي فإن قواعد "البيزنس" تجعل الصحيفة تنشر ما يربحها، وليس ما تعتقد أنه في صالح المجتمع.
 
** كيف يمكن أن تنهضوا في مصر كصحفيين في دعم العمل الخيري وتشجيعه من خلال الصحافة المصرية بشكل عام؟
 
يمكن أن يتم ذلك من خلال اهتمام الصحف بتوجيه القراء إلى أهمية دعم العمل الخيري، وتوضيح المنافع التي تعود من ذلك على الأفراد وعلى المجتمع.
 
إلى جانب ترسيخ مبدأ التكافل الاجتماعي، والتوعية بأهمية المساهمة في الأعمال الخيرية، سواء ماديا أو تطوعا.
 
وما بين التجاذبات التي تشد بعض الصحف العربية من حيث تحقيق المكسب والانتشار وأعلى توزيع من النسخ، لا بد لتلك الصحافة أن تفرد مساحة معقولة تدفع بالعمل الخيري إلى الأمام،  وتشد على أيدي القائمين عليه؛ لما فيه من تحقيق لأهداف الصحافة المرموقة، والتي تسعى لخدمة المجتمع. وما أحوج مجتمعاتنا لمثل هذه المواقف النبيلة!