تفوق التبرعات الأمريكية على الإسلامية في دفع مسيرة العمل الخيري -الحلقة الأولى
28 اغسطس 2010 - 18 رمضان 1431 هـ( 3473 زيارة ) .
"مداد" يفتح ملف" تفوق التبرعات الأمريكية على الإسلامية في دفع مسيرة العمل الخيري"  الحلقة الأولى
 
د.شريف عبد العظيم: النظم الضريبية الموجودة في الدول العربية لا تشجع على التبرع للجمعيات الخيرية
 
حاتم فراج: العمل الخيري في أمريكا عمل مؤسسي أما الجمعيات المصرية فلا يوجد بها تنسيق أو خطة رئيسية للعمل
 
أحمد فراج:  لو’حصلت الزكاة بشكل منظم، وليس بالتقدير الجزافي، لأحدثت طفرة في العمل الخيري المصري
 
الزكاة المستحقة تكفي للقضاء على الفقر في كافة أرجاء الوطن العربي
 
مصطفى العناني: إعلانات جمع التبرعات  تستفز المشاهدين، و تفقدهم الثقة في المؤسسات الخيرية
 
عبد الستار حتيتة:  المتبرع يحظى بأهمية خاصة في المجتمع الأمريكي
 
عمار عبد الغني: المتبرع العربي يتبرع بالسر؛ خوفا من الرياء
 
الداعية  عصام حمدي: ثقافة العمل الخيري غير موجودة؛ والسبب خطباء الجمعة
 
مروة رسلان- مصر
 
يتساءل الكثير من المسلمين في البلدان العربية والإسلامية عن سر نجاح التبرعات  الأمريكية في دفع مسيرة العمل الخيري، حيث تشير الدراسة السنوية التي تعدها مؤسسة عطاء أمريكا (جيفينج يو أس إيه فاونديشين)، بالتعاون مع مركز الإحسان في جامعة إنديانا، أن التبرعات ارتفعت بنسبة 2.7% لتستقر على 229 مليار دولار، على عكس العمل الخيري الإسلامي، الذي تباطأ كثيرا، رغم وجود ثروات هائلة به تقدر بـ 800 مليار دولار. وبذلك نجد أن حجم العمل الخيري في الولايات المتحدة الأمريكية  يكاد يساوي نظيره في دول العالم كافة. فكان على (مداد) أن يفتح هذا الملف؛ ليناقش الأسباب التي دفعت بالعمل الخيري الأميركي، في ظل غياب الوعي الديني، ويتساءل: هل  الإعفاء الضريبي  عند المساهمين في الأعمال الخيرية هو السبب في تطور وازدهار العمل الخيري الأمريكي؟ وإذا كان هذا صحيحا، فما البديل الذي من الممكن طرحه في البلاد العربية والإسلامية بدلا  من الإعفاء الضريبي حتى ينهض العمل الخيري الإسلامي من كبوته؟؟؟
 
وهذا ما سنناقشه في هذه الحلقة  الأولى التي كان مصدرها مسؤولي جمعيات خيرية وإعلاميين ودعاة من مصر..
 
في البداية، يقول الدكتور شريف عبد العظيم ، رئيس مجلس إدارة جمعية "رسالة"،  :إن المشكلة ليست في العمل الخيري فقط، فالتراجع العربي والإسلامي في كل المجالات لا يخفى على أحد مقارنة بالأمريكيين، مثلا: صحيح أنه يوجد لدينا البعد الديني الذي يدعم بقوه العمل الخيري والتطوعي، وهو ما يحدث بالفعل من قيام بعض الجمعيات الفاعلة في أنحاء الوطن العربي متأثرة بهذا التوجه الإسلامي، ولكن ـ للأسف ـ ما زالت تلك التوجهات فردية ومتباعدة، ولم تصل لدرجة الأخلاقيات العامة المتعارف عليها في الغرب.
 
فمعظم رؤوس الأموال لدينا في العالم العربي رؤوس أموال عائلية، وليست مؤسسات قائمة على مساهمين؛ لذلك فإن التبرعات تكون حسب أهواء وتوجهات أصحاب تلك الشركات، والتي ـ في الأغلب ـ يوجهونها لجمعيات أو أعمال خيرية تابعة لهم؛ وذلك لعدم ثقتهم الكافية في حسن إدارة الجمعيات الخيرية الموجودة في إدارة الأموال المخصصة للتبرعات، أو لرغبتهم الشخصية في تنفيذ مشروعات خيرية حسب وجه نظرهم الشخصية.
 
بالإضافة إلى أن النظم الضريبية الموجودة في أغلب الدول العربية لا تشجع على التبرع للجمعيات الخيرية، وتعطي خصومات ضريبية محدودة للتبرعات. وإن اقتراح أن تقوم الزكاة بالإعفاء الضريبي هي من أفضل الحلول. وأعتقد أن الشيخ صالح كامل له باع طويل في هذا المجال؛ حيث إنه مؤسس للمؤسسة العالمية للزكاة، والتي تهدف إلى جمع زكاة المال من كافه الأقطار الإسلامية، ونشر فكر الخصم الضريبي من مؤدي الزكاة، وهو ما نجح فعلا في بعض الدول الإسلامية. 
 
العمل الخيري الأمريكي والمصري
ويوضح حاتم فراج ، نائب رئيس مجلس إدارة جمعية "رسالة نور على نور"أن العمل الخيري في أمريكا وأوروبا عمل مؤسسي، مبني على التنسيق و التعاون، و يعمل فيه الجميع بإنكار كامل للذات في اتجاه واحد. أما هنا، فلا يوجد تنسيق أو خطة رئيسية Master plan   تضمن تحقيق الهدف السامي للعمل الخيري، وهو المساعدة والتنمية؛ فالجمعيات تعمل بالتوازي و التقاطع، و في اتجاهات متضادة، و البعض يحرص على الظهور الإعلامي بدلا من النزول إلى القرية و النجع ليتعرف على احتياجات الغلابة. فنحن لا نزال بعيدون عن مفهوم العمل الخيري وارتباطه بالتنمية.
 
فالعمل الخيري في مصر به آفة الاحتكار، فتقوم 4 أو 5 جمعيات بحملات دعائية عملاقة تجمع فيها تبرعات المصريين، ثم تنفقها كل حسب سياسته بدون تنسيق. و يتبقى للجمعيات المتوسطة و الصغرى القليل، رغم أن أداء كثير من تلك الجمعيات منظم و موجه، و تحت سيطرة إداراتها، ليس كمعظم الجمعيات الكبرى التي تفقد السيطرة ـ غالبا ـ؛ لكبر الحجم. و المشكلة الأكبر عدم قدرة معظم الجمعيات على صرف الأرصدة في نفس العام (الحول)؛ فيتم ادخار  الأموال  إلى العام التالي؛ مما يهدر مبدأ الزكاة المطلوب، وهو إنفاق الأموال في نفس سنة الاستحقاق. وأعتقد أن نسبة من يحسب زكاته بدقة في مصر لا يتعدون الـ 30%، و إلا ما أصبح هذا الخلل الفج بين طبقات المجتمع المصري من اتساع الفجوة بين الطبقات العليا و الدنيا، و اختفاء بعض الطبقات.  فكثيرون يتباطؤون، و البعض الآخر  يتعلل بعدم مرور الحول على أمواله، و آخرون يزعمون عدم معرفتهم بكيفية حساب الزكاة، و البعض الآخر يريح ضميره و يلقي باتهاماته على الحكومة و الضرائب، و عدم مصداقية الجمعيات الخيرية. بالإضافة إلى  أن التبرعات يتم خصمها من وعاء الضريبة المحسوب للشركات. و بالنسبة للأفراد، فالزكاة تحسب على ما يتبقى بعد الضرائب، فإذا لم يتبق مدخرات بعد الضرائب فلا زكاة عليه.  لذا؛ لا أعتقد أن هناك علاقة بين الإحجام و فرض الضرائب.
 
الشخصية الأمريكية
ويضيف أحمد فراج ـ المنسق التعليمي بالجمعية  نفسها قائلا:" من خلال خبرتي  بالعمل الخيري من خلال جمعية رسالة نور على نور، أرى أن   الموضوع له أكثر من بعد، البعد الأول:  أن الدفعة الأمريكية الأولى كانت قوية جدا؛  بمعنى: أن العمل الخيري يحتاج إلى إعلام يرعاه، وينشر أعماله، ويدعو الناس للمشاركة. فوجود شخصية عالمية الشهرة، مثل: "بل جيتس"، العالم كله يتابع أخباره، وعندما تحول بجهده وماله للعمل الخيري تحولت أنظار العالم كلها نحوه؛ مما دفع الكثير لمشاركته؛  إما للملازمة والاقتداء بشخص "بل جيتس"، أو لثقتهم بأن هذا المفكر لن يتحول إلا لشيء نافع ومفيد؛ وبذلك كانت البداية من هذا الرجل لها أكثر من فائدة، ناهيك عن ثروته التي تصلح لأن تكون بنية أي عمل مؤسسي خيري ناجح.
 
والبعد الثاني: أن الشخصية الأمريكية هي شخصية واضحة، لا تعرف الوسطية ـ مثل العرب ـ، بمعنى أن الرجل الأمريكي عندما يكون لديه الدافع للتبرع لا يتبرع بالفتات، وإنما يتبرع بما يجب أن يتبرع به. والشخص الأمريكي غير المؤمن بفكرة العمل الخيري لا يتبرع من الأصل. بالعكس، عندنا الأثرياء العرب الكثير منهم  يزعم أنه الراعي الرسمي  للأعمال الخيرية، مع أنه يتبرع بالفتات، فتجد بعض المؤسسات الخيرية العربية توفر خدمات ضئيلة المستوى، و تعتمد في إجرائها على المتطوعين أو النصف متطوع؛ لقلة مواردها المالية،  التي لا تستطيع حسابها أو تقييمها بالقدر الكافي.
 
البعد الثالث: الشخص الأمريكي ينظر للمؤسسة الخيرية كنظرته للشركة الإنتاجية،  بمعنى: هناك عمل ملموس وواضح. هناك خدمة جيدة تصل لمستحقيها. إذن؛ هناك تبرع. أما بعض الأثرياء فيستسهل ويتبرع للجمعيات ذات الشهرة والاسم الرفيع، ولا ينظر إلى تبعية التبرع، وتفاصيل التصرف فيه؛ لأنه ليس لديه وقت لذلك، وكله بالنية.
 
البعد الرابع: الإعفاء الضريبي الواضح المعالم، الذي يعطى للمتبرع. أما عندنا، فيدخل في الأمر، والنسب، والطلاسم، التي تجعل الذي ينوي التبرع يحسبه ألف مرة.
 
والبديل هو الزكاة، التي شرعت أصلا لإحداث تكافل اجتماعي للمجتمع. ولو حصلت بشكل منظم ومنطقي، وليس بالتقدير الجزافي ـ كالضرائب ـ لأحدثت طفرة في العمل الخيري. ولكن الأمر يحتاج إلى لجنة عليا لتحصيل الزكاة، وتكون منفصلة عن الصرف، وتقوم هي بتقييم المؤسسات الخيرية، وإعطاء كل مؤسسة نصيبها على حسب عملها وكفاءة الخدمة التي توصلها للمستفيد.
 
ويحلص للقوزل: في النهاية، هذا الكلام لا ينفي وجود قلة من المؤسسات الخيرية العربية تعمل بصورة جيدة، وتقدم خدمة متميزة للمستفيدين منها، والتي أزعم ـ والحمد لله ـ أني أعمل بواحدة من المؤسسات القلة المتميزة تلك، ولا ينفي ـ أيضا ـ وجود قلة من المتبرعين يخرج من ماله بقدر ما يجب".
 
صندوق دولي للزكاة
ويرى مصطفى العناني ـ المنسق الإعلامي لمهرجان العطاء، التابع لقناة العطاء الفضائية ـ أن تفعيل العمل الخيري في المجتمعات العربية ينقصه التنظيم، و حسن الإدارة فقط. و المشاكل التي تواجه انتشار و تفعيل العمل الخيري في الدول العربية تختلف وفق ظروف كل إقليم؛ ففي دول الخليج ـ على سبيل المثال ـ، و التي تحتضن معظم ثروتنا العربية في الدول البترولية، قد لا يجد أثرياء تلك الدول من الفقراء الكم الذي يستحق التبرع والزكاة بالفعل، حيث إن وفرة الموارد و قدر الرعاية التي توليها تلك الدول لمواطنيها قد لا يجعل الأغنياء يرون صعوبة كبيرة في العيش على أبناء الطبقات الفقيرة، ففقراء الخليج لديهم الحد الأدنى من المعيشة، و ليس من بينهم من هم تحت خط الفقر، و حتى إن وجدوا فالوصول إليهم ليس بالأمر السهل، كما أن عددهم ليس كبيراً كما هو الحال في باقي الدول العربية. 
 
أما في باقي الدول العربية، و التي تعاني من نسب مرتفعة في الفقر و البطالة و سوء توزيع الدخل القومي، فينقصها على مستوى الحكومات حصر أماكن و أعداد و احتياجات هؤلاء الفقراء بما يساعد الأغنياء ومنظمات المجتمع المدني في تحديد متطلباتهم، و محاولة مساعدتهم في توفيرها. 
 
ولنا أن نعرف أن كثيراً من ميسوري الحال يريدون فعلاً التبرع، و لكنهم يخشون عدم وصول هذه المساعدات إلى مستحقيها، و لهذا عدة أسباب:
 
أولاً: عدم وجود حصر لأماكن و أعداد و احتياجات من يستحقون المساعدة ـ كما سبق أن ذكرنا ـ، و هي مسؤولية الحكومات.
ثانياً: عدم ثقة ميسوري الحال في مؤسسات المجتمع المدني؛ نظراً لغياب الرقابة المالية على معظم هذه المؤسسات.
أما السبب الثالث: فهو لجوء بعض المدعين، ممن لا يستحقون المساعدة، و استغلالهم لأصحاب القلوب الرحيمة لجمع أكبر قدر من الأموال .و في كل الأحوال، فإن الزكاة المستحقة على ما هو موجود في خزائن أثرياء العرب، سواء من الخليج أو من باقي الدول العربية،  تكفي للقضاء على الفقر في كافة أرجاء الوطن العربي.
 
وأرى أن حل المشكلة قد يكون في تفعيل التعاون العربي من قبل جامعة الدول العربية، بمساعدة من حكومات الدول العربية، في مجال العمل الخيري، حيث تقوم كل دولة بحصر ما لديها من احتياجات فقرائها، و يكون هناك صندوق لجمع الزكاة، يقوم عليه مراقب من كل دولة عربية، و تقسم عائدات هذا الصندوق على كافة الدول بنسب تتفق مع نسب الفقر و البطالة في تلك الدول .
 
الاقتراح الثاني: أن تقوم كل دولة بعمل هذا الحصر على المستوى المحلي، و تقوم بإعادة تقييم الجمعيات العاملة في مجال العمل الخيري، و اختيار الجمعيات الكبيرة، و صاحبة السمعة الطيبة، و صاحبة النشاط الواسع، ثم يتم إمداد هذه الجمعيات بالمعلومات اللازمة؛ لمساعدتها في توصيل المساعدات لمستحقيها. 
 
وعلى الجانب الآخر، فعلى وسائل الإعلام المحلية و العربية عدم الإكثار و المبالغة في إعلانات جمع التبرعات، التي غالباً ما تستفز المشاهدين، و تفقدهم الثقة في تلك المؤسسات التي هي مستمرة في جمع التبرعات لعدد من السنين، و مع ذلك تعلن تلك الجهات أنها لا زالت تحتاج لمساعدات. يجب توحيد جهود تلك الهيئات و المؤسسات من خلال وزارات الشؤون الاجتماعية أو التضامن الموجودة في كل دولة، و خلق جهة واحدة مسؤولة عن تلك التبرعات، تكون تحت رقابة صارمة، و يتم الإعلان عما تم إنجازه من مشروعات العمل الخيري بشفافية تدفع أصحاب الثروات، و تحثهم على مد تلك الجهات بما يلزمها .
 
وأرى أن مسألة الخصم الضريبي ليست حلاً؛ لأن بعض الدول العربية ليست بها ضرائب من الأساس، كما أن الدول التي تخصم نسبة من الضرائب نظير التبرع للجمعيات الخيرية قد تم استغلال قوانينها من قبل بعض المنتفعين الذين تحايلوا على هذا البند، و حولوه إلى "بيزنيس" فيه وسطاء يستفيدون بنسبة 50 % من المتبرع نظير إيصال المساعدات للجمعيات الخيرية. 
 
أما في الدول الأجنبية، فقد نجح العمل الخيري؛ لأن هناك آلية واضحة و محددة تساعد من يريد العمل الخيري، و قد ذكرنا تلك الآليات من حصر للأعداد و الأماكن ـ كما سبق. كما أن الرقابة المشددة على مؤسسات المجتمع المدني، و عدم انتشار الفساد؛ يساعد على نشر ثقافة العمل الخيري، و عدم تخوف أصحاب الثروات من عدم وصول مساعداتهم إلى مستحقيها. 
 
المكانة الاجتماعية
ويضيف عبد الستار حتيتة ـ الصحفي بالشرق الأوسط ـ قائلا:" و أعتقد أن أسباب انتشار العمل الخيري في المجتمع الأميركي، أو في المجتمع الأوربي والآسيوي أيضا، هو الدرجة التي بلغتها المجتمعات هناك من استقرار وتحضر وشفافية. الأمر يشبه الإدراك بالحاجة الكبيرة للتكافل الاجتماعي والمسؤولية الإنسانية. وهذا الدافع لا يعمل منفردا، بل تتدخل فيه المصالح الخاصة والعامة. فهناك مكاسب من وراء التبرع والإعلان عن هذا التبرع، منها المكانة الاجتماعية التي يحققها الشخص المتبرع، وكذا إشباعه لغريزة إنسانية تحتاج إلى الشعور بالأهمية وبالفائدة للآخرين. والتبرع الذي تغطيه وسائل الإعلام هناك على نطاق واسع يحقق جانبا من هذه الحاجات الاجتماعية والسيكولوجية، ناهيك عن الطموح السياسي والاقتصادي، وغيره.
 
أرى ـ بشكل عام ـ أن المتبرع يحظى بأهمية في المجتمعات المتقدمة ومؤسساتها. وكونه متبرعا فإن هذا يوضع في الحسبان عند تسوية أي مشكلة تواجه المتبرع، باعتباره رجل خير، حتى لو كانت المشكلة التي تواجهه أمام الجهات القضائية نفسها. و أعتقد أن ما يعزز التبرع للعمل الخيري في البلدان الإسلامية هو إرساء القانون، والالتزام به، وفتح المجال واسعا أمام الجمعيات الأهلية التي لا تسعى للربح، وأن تكون هناك آليات مراقبة ذات شفافية تراقب إنفاق أموال تلك الجمعيات.
 
أخيرا، أريد أن أشير إلى أن أثرياء مصريين في النصف الأول من القرن الماضي كانوا يتكفلون بتسفير طلاب على نفقتهم للدراسة في الداخل أو الخارج، وكانوا يمولون أبحاثا علمية، ودراسات اجتماعية وتعليمية، ناهيك عن بناء المدارس، والإسهام في دعم الجامعات الأهلية، وكانوا في الوقت نفسه يسددون الضرائب للدولة".
 
الأسباب الاجتماعية
 
ويحلل المستشار الاجتماعي ـ الدكتور: عمار عبد الغني ـ هذه الظاهرة اجتماعيا قائلا:
"إن السبب الأول: أن العمل الخيري المؤسسي ينقصه الإعلام الواعي الذي يدفع به، من خلال رجالات مثل "جيتس"، أو محطات تلفزيونية أو إذاعية محلية وعالمية، بحيث لا نسمع عن التبرعات الخيالية التي يتبرع بها أمراء وشيوخ وشيخات قطر والإمارات والسعودية. لم نقرأ عن هذا إلا سطورا متناثرة في الأخبار هنا وهناك. فمن أين يأتي التحفيز والحث والكبار يتبرعون بالسر والخفاء، ولا يوجد إعلام يدعمهم؟
 
أما السبب الثاني: فيعود ـ حسب ظني ـ إلى مفهوم خاطئ يتعاطاه المسلمون في بلادنا، وهو التصدق الخفي، فيعتقد إسرار الصدقة وإخفاءها مدعاة لعدم وقوعه في الرياء، مع أن الله تعالى قال في قرآنه: (والذين صبروا ابتغاء وجه ربهم وأقاموا الصلاة وأنفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية ويدرءون بالحسنة السيئة أولئك لهم عقبى الدار).
 
فالغربيون يتصدقون في العلن، ويشجعون الآخرين على ذلك حتى لو كان بالوعد بعد وفاتهم. ونجد أن الأثرياء المسلمين تصدقوا في الماضي بأضعاف ما تبرع به الغربيون اليوم، وكان هذا على عهد النبي محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ، ويعد أكبر تبرع تاريخي تشهده البشرية؛ إذ تبرع عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف ـ رضي الله عنهما ـ عام ٦٢٧م بكل ما لهما لبيت مال المسلمين. ولكن أثرياء اليوم، الذين جربوا أن يتصدقوا واجهتهم معوقات إما في التوزيع العادل إلى المستحقين، أو أنهم تبرعوا فلم يروا لما تبرعوا به أثرا على الفقراء ولا على المحتاجين؛ فأصاب قلوبهم الشك في مصداقية توزيعها. ويشمل ذلك الشك في المؤسسات الحكومية، ووزارات الأوقاف في بلداننا، وبعض مؤسسات المجتمع المدني، وجمعيات العمل الخيري والتطوعي. لذلك، لو سألنا أحد الأثرياء: ما الذي يمنعك؟ ربما نجد البخل، وخوف الفقر يحوز على نسبة قليلة من تفكيره، ولكن خوف ذهاب الأموال سدى، وذهابها لغير المستحقين، وذهابها لقراصنة العمل الخيري، هو السبب الأكبر الذي يمنعه من اتخاذ قرارات كبرى كالتي يتخذها الغربيون، الذين يتمتعون بمؤسسات تنكوقراطية خبيرة، وتشريعات قانونية، وسلطات تحاسب، وتنفذ، وتراقب..
 
وأجد أن مقترح أن تقوم الزكاة بالإعفاء مقترح جيد، ولكن لا يداوي الجروح؛ فالعلة قائمة، وهي فقدان المصداقية بين المتبرع والمؤسسة. وما لم يعالج المرض من جذوره سيبقى مستشرياً في الجسم".
 
غياب الوعي الديني
ومن الجانب الديني، يرجع الداعية الإسلامي عصام حمدي الفارق بيننا وبين الغرب إلى أنهم يقومون بفعل الخير كنوع من الإصلاح الاجتماعي، فالمتبرع بتبرعه يساعد في بناء المجتمع. ولكننا نقوم به كوازع ديني، فنربط  العمل الخيري بالدين الإسلامي؛ لذلك نجد أن العمل الخيري يزيد  في شهر رمضان، ويقل طوال السنة. والوازع الديني أصبح ضعيفا؛ لأننا ابتعدنا كثيرا عن كتاب الله؛ فأصبح هناك غياب للوعي الديني في مجتمعنا الإسلامي. والعلاج يكمن في حملات مكثفة من وسائل الإعلام لتوضيح فضل العمل الخيري. فعندما سئل الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ من أحب الناس إلى الله؟ أجاب: "أنفعهم للناس". وهذه الثقافة غير موجودة الآن؛ والسبب خطباء الجمعة، فبدلا من أن يحثوا على فعل الخير، وإصلاح المجتمع، يتحدثون عن عقوبة تارك الصلاة، فهل يعقل هذا أن أكون ذاهبا إلى المسجد لأصلي فأستمع إلى عقوبة تارك الصلاة؟ فلماذا لا يحثني على زيارة يتيم، أو قضاء حاجة لأخي، أو تبرع لمكان ما".
 
وفي نهاية هذا التحقيق قد تبدو  المقارنة في غير صالح أثرياء العرب إذا قورنت أعمالهم الخيرية أو تبرعاتهم  بما يقدمه الأمريكيون من تبرع. و على الرغم من ذلك، أزعم أن ثمة مساحات للفعل والتأثير مازالت متاحة أمام المسلمين. وأحلم أن يستغلوها؛ لأن هناك الكثير في انتظارهم.