الأعمال الخيرية.. هل تظهر "ضيف الشرف" في الصحافة العربية؟!..الحلقة الأولى
27 سبتمبر 2010 - 18 شوال 1431 هـ( 2320 زيارة ) .
الأعمال الخيرية.. هل تظهر "ضيف الشرف" في الصحافة العربية؟! الحلقة الأولى
 
البربري: لم يعد هناك عمل خيري يغري الصحافة لمتابعته
 
رئيس قسم" التحرير" بـ "المصريون": الصحافة السعودية نموذج قوي في متابعة التبرعات
 
الهتيمي: الصحافة المصرية تعاني أزمة الخلط بين العمل العام والعمل الخيري
 
الشايب: ضرورة إنشاء إدارة خاصة بالعمل الخيري في كل مؤسسة إعلامية
 
عياط: الغالبية العظمى من أنشطة العمل الخيري في مصر تُدار بشكل فردي
 
القاهرة - أحمد الطنيخي
 
تتزايد الإصدارات الصحفية في  عالمنا العربي بشكل يومي تقريباً، وفي مصر تكثر الظاهرة بشكل ملحوظ، ما بين صحف قومية أو حزبية أو مستقلة، وتتنوع الموضوعات التي تناقشها هذه الصحف المختلفة ما بين موضوعات سياسية واقتصادية ورياضية وموضوعات اجتماعية وفنية ...
 
إلا أن القاسم المشترك بين هذه الصحف - مختلفة الانتماءات وطبيعة الإصدار وكذلك تختلف في مصادر التمويل - هو عدم اهتمامها بمتابعة أخبار الأعمال الخيرية المنتشرة في كافة أرجاء مصر، لدرجة أن الكثير من قراء هذه الصحف يعتقد أن مصر لا توجد بها أعمال خيرية، استناداً إلى ما تعكسه هذه الصحف لها من أخبار متعددة إلا أخبار الأعمال الخيرية.
 
وقد طرحنا هذه القضية على عدد من العاملين في بعض من هذه الصحف المصرية، في محاولة للتعرف على الأسباب الكامنة وراء عزوف هذه الصحف عن تغطية الأعمال الخيرية، كما هو الحال في باقي الدول لاسيما الصحافة الخليجية التي تعطي جل اهتمامها وتفرد مساحات واسعة من صفحاتها لتغطية الأعمال الخيرية المنتشرة في بلدانها، وكذلك نصائحهم من أجل تغيير الوضع الحالي في محاولة للنهوض بالتغطية الصحفية للأعمال الخيرية ...
 
أسباب متعددة .. ونتيجة واحدة
وعن أسباب عدم اهتمام الصحف المصرية بتغطية الأعمال الخيرية، يقول أسامة الهتيمي الصحفي بمجلة "المختار الإسلامي":إن التغطية الإعلامية للعمل الخيري في الصحافة المصرية تتسم بعدة سمات، أولها الخلط بين العمل العام والعمل الخيري وبالتالي فإن الصحف الحزبية تحاول أن تروج العمل الحزبي الخاص بأعضاء الحزب الذي تتبعه الصحيفة على اعتبار أنه نموذج للعمل الخيري، وفي مقابل ذلك فإن الصحف الحكومية تتعامل مع تغطية هذا العام بشكل انحيازي حيث تسلط الضوء على المجموعات الموالية للنظام دون التطرق إلى الجهد الخيري الكبير الذي تقوم به مجموعات أخرى.
 
وأشار الهتيمي إلى أن هذه التغطية الإعلامية لا تسير وفق خطة محددة تهدف إلى التوعية بالعمل الخيري والحض عليه ولكنها تكون وفقاً لمواسم معينة يكون بوصلتها الأساسية وقوع كوارث اجتماعية أو أحداث خاصة يكون للعمل الخيري والتطوعي فيها دوراً كبيراً لا تستطيع وسائل الإعلام غض الطرف عنه.
 
توثيق الصلات مع الإعلام
أما جلال الشايب مراسل مجلة "البيان" في القاهرة، فيرى أن العمل الخيري لا يمكن له أن يؤتي ثماره المرجوة على النحو المنشود؛ إلا عبر توثيق الصلات مع كل وسائل الإعلام المختلفة سواء أكانت مؤيدة أم معارضة، مشيراً إلى وسائل الإعلام المصرية غير مهتمة بالعمل الخيري من الأساس، إلا بما هو سيئ فقط، فكل الأخبار تقريبًا تصب في سرقة المال العام من ناحية، وفي المعاملة الغير آدمية للأطفال من ناحية أخرى، ومن استعباد الأيتام في دور الإيواء من ناحية ثالثة.
 
ضيفة شرف!!
من جانبه أكد فتحي مجدي رئيس قسم التحرير بصحيفة "المصريون" الإلكترونية، أن الأعمال الإنسانية والخيرية لا تحظي باهتمام كبير من جانب وسائل الإعلام المصرية، فقلما أن يكون لهذه النوعية من الموضوعات نصيب من المتابعات الإخبارية للفضائيات والصحف، ويمكن اعتبارها بلغة السينما "ضيفة شرف" على صفحات الصحف والبرامج التلفزيونية، فمن النادر أن يسلط الإعلام اهتمامه على هذه القصص التي تبرز الأنشطة الخيرية داخل المجتمع، وغالبًا ما يكون ذلك في سياق حملات إعلانية تستهدف حث المواطنين على تقديم التبرعات للجمعيات والمستشفيات الخيرية، أو من خلال الأبواب الصحفية والبرامج التي تقوم فكرتها على تقديم المساعدات الإنسانية للمعوزين والفقراء، ولا يمكن نسيان الصفحة الشهيرة "ليلة القدر" في صحيفة "الأخبار" الحكومية، والتي تبنى فكرتها الراحلان مصطفى وعلي أمين، وكان يتم من خلالها استقبال التبرعات وتوزيعها على الفقراء.
 
برامج جماهيرية
غير أنه يستدرك فيقول : لكن ذلك لا ينكر حقيقة أنه خلال السنوات الماضية كان هناك أكثر من مشروع خيري لعب الإعلام دورًا كبيرًا في دعمه وتمويله عبر تسليط الضوء عليه في برامج جماهيرية، ومن ذلك على سبيل المثال مشروع "بنك الطعام" الذي يقف وراءه مفتي مصر الدكتور علي جمعة، كان عبارة عن فكرة تم الترويج لها عبر برنامج "القاهرة اليوم" الذي يقدمه الإعلامي عمرو أديب على فضائية "أوربت"، وقد أسهم ذلك في نجاح الفكرة، ودفع رجال الأعمال إلى التبرع لها، أيضًا هناك جمعية "رسالة" الخيرية التي يقف وراءها مجموعة من الشباب تحت قيادة أحد الأساتذة الجامعيين، وجدت الدعم من برنامج "العاشرة مساءً" على فضائية "دريم"، عبر استضافة القائمين عليها غير مرة وإبراز الدور الذي تقوم به، وكان هناك اتفاق على متابعة أنشطتها بشكل دوري، وهذا لا شك من الأدوار الطيبة للإعلام، ولا ينسى الحملة الشهيرة التي ظلت لسنوات تدعو إلى التبرع لمستشفى سرطان الأطفال، وقد نجحت في جمع مئات الملايين من الجنيهات.
 
الفردية" مسيطرة
أما مصطفى عياط الصحفي بمؤسسة "الإسلام اليوم"، فقد أشار إلى أن الغالبية العظمى من أنشطة العمل الخيري في مصر تُدار إما بشكل فردي أو من خلال مجموعات صغيرة لا تتعدى شارع أو حارة أو قرية، ومعظمها لا يصل لحجم مدينة، حيث يندر وجود المؤسسات الخيرية التي تعمل بشكل مؤسسي أو عبر نطاق جغرافي واسع. وفي الغالب فإن هؤلاء الأفراد أو تلك المجموعات يفضلون البعد بنشاطهم عن وسائل الإعلام خشية الرياء وضياع الأجر، كذلك فإن البعد الأمني يبدو مهماً في هذا السياق؛ حيث يخشى كثير من القائمين على تلك الأنشطة تعرضهم لمضايقات أمنية، ما يجعلهم يفضلون التكتم والعمل في الدوائر المقربة منهم فقط، وبالتالي فإن وسائل الإعلام نادرا ما تسلط عليهم الضوء.
 
لا يوجد عمل خيري يستحق
وكان لأشرف البربري رئيس قسم الشؤون الخارجية بصحيفة "الشروق" اليومية المصرية رأياً مختلفاً، حيث أشار إلى أنه لا يوجد قصور في التغطية الإعلامية للأعمال الخيرية ولكن الحقيقة هي أنه لم يعد هناك عمل خيري بالمعنى الذي يمكن أن يكون مغرياً لوسائل الإعلام مثل التبرع الضخم أو المشروع الكبير الذي يمكن أن ينجزه رجل أعمال ثري، في الوقت نفسه فإن هناك الكثير من علامات الاستفهام التي تحيط بالكثير من الجمعيات الخيرية في مصر الأمر الذي يدفع بالإعلام إلى الابتعاد عنها، فهذه الجمعيات إما مرتبطة بالحكومة أو بالحزب الوطني أو إما مرتبطة بمؤسسة أو جماعة دينية.
 
وأضاف أن ما يحتاجه المجتمع ليس نشر ثقافة العمل الخيري وإنما العمل العام أو ما يُسمى بنشاط المجتمع المدني بحيث يتم تشجيع الناس على التبرع لأعمال الخير ولدعم الجمعيات والمنظمات السياسية المعنية بحقوق الإنسان أو حتى بحماية المستهلك حتى لا تجد نفسها أسيرة للتمويل الخارجي.
 
تفوق خليجي متعدد الأسباب
ولا يستطيع أي متابع للصحافة العربية أن ينكر تفوق الصحف الخليجية على نظيراتها المصرية من حيث تغطيتها للأعمال الخيرية، وعن أسباب هذا التفوق يرى الهتيمي أن السبب الرئيسي في ذلك هو أن العمل الخيري يُشكل ربما المنشط الوحيد الذي يعكس اهتمامات الناس بالعمل العام خاصة وأن العمل السياسي في الخليج ما زال في مراحله الأولى من التطور والنمو فضلاً عن أن تنشيط العمل الخيري يخضع بالدرجة الأولى لحجم المتبرعين والناشطين فيه وهو ما يجعله مزدهراً في الخليج لارتفاع مستوى أغلبية شعوبه الذين يتجاوز لديهم آثار هذا العمل الخيري حدود دولهم فتجد آثاره في الدول الآسيوية أو الأفريقية التي تحتاج إلى مساعداتهم.
 
الحرص على الترويج
وهنا يلتقط البربري طرف الحديث ويقول إن السبب وراء اهتمام الإعلام الخليجي بالأعمال الخيرية يعود إلى أن أصحاب هذه الأعمال والجمعيات الخيرية يبدون حرصاً على الترويج لها ولأن المجتمع هناك ضيق من الناحية الجغرافية فتصبح مثل تلك الأخبار مادة مقروءة.
 
ويوافقه الرأي فتحي مجدي، ويقول إنه من الملاحظ أن النشاط الخيري في الخليج يحظى بجانب كبير من اهتمام وسائل الإعلام، ولا ينسى على سبيل المثال إبان الانتفاضة الفلسطينية الثانية، كيف أن الصحف السعودية كانت ترصد من خلال متابعاتها التبرعات السخية من المواطنين السعوديين للفلسطينيين, وكانت تلك واحدة من أنجح حملات التبرع التي تضافر فيها البذل والعطاء مع الرسالة النبيلة للإعلام، ويتوسع الاهتمام بتغطية هذه الموضوعات من خلال رصد الأعمال الخيرية التي تقوم بها الجمعيات والمنظمات الإنسانية بدول الخليج في الدول الفقيرة، وخصوصًا حملات الدعم وتقديم المساعدات للمسلمين في الدول الإفريقية، عبر كفالة الأيتام والفقراء، وحفر آبار لتوفير مياه الشرب، وتلك من الوجبات الصحفية التي يتم رصدها في سياق تغطيات الصحافة الخليجية، وربما كان السر وراء ذلك الاهتمام الذي يفوق الإعلام المصري، تركيبة المجتمعات الخليجية، والثراء الشديد في أوساطها الذي يلعب دورًا كبيرًا في دعم النشاط الخيري، وفي ظل عدم ضع قيود على هذه الأنشطة الأهلية بعكس الحال في مصر.
 
الخليج غير !!
فيما يرى مصطفى عياط أن المؤسسات الخيرية في دول الخليج تتمتع بالعلانية والدعم الرسمي، والكثير منها يمتلك فروعاً متعددة تمتد عبر نطاقات جغرافية واسعة، ولذا فإنها تمتلك إدارات مختصة بالتعامل مع وسائل الإعلام فضلاً عن وجود مواقع الكترونية للكثير من هذه المؤسسات من أجل الترويج لنشاطهم وجذب متبرعين جدد. كما أن العمل الخيري الخليجي يرتبط أساساً بالوازع الديني، ما يجعله يحظى باهتمام إعلامي واسع، فضلاً عن الدعم الرسمي كما سبقت الإشارة.
 
التجربة الغربية الناجحة
وعن كيفية الاستفادة من تجارب وسائل الإعلام الغربية في التغطية الإعلامية للأعمال الخيرية، يطالب الهتيمي بأنه لابد أن يسبق ذلك أولاً العمل على تنشيط العمل الخيري ودفع الشباب إلى المشاركة في العمل التطوعي في مختلف المجالات ثم تأتي بعد ذلك عملية التغطية الإعلامية والتي يمكن خلالها نقل التجربة الغربية التي تقدم مثل هؤلاء باعتبارهم نماذج يجب الاقتداء بها والسير على منهجها وبالتالي فالمتطوع أو الناشط الخيري لا يقل في نظر هؤلاء عن نجوم السينما والرياضة بل إن هؤلاء النجوم أنفسهم وفي محاولة منهم لتجاوز أخطائهم أمام جماهيرهم يقومون بتنشيط أنفسهم في الأعمال الخيرية وهو ما يعيد ثقة الجماهير فيهم. وعليه فإن يمكن بث أفلام تسجيلية عن العمليات الخيرية أو تحرير تحقيقات وحوارات مع القائمين على بعض الأنشطة الخيرية وإنجازاتها.
 
ويلتقط فتحي مجدي طرف الحديث من الهتيمي، ويقول :"يبدو الإعلام في الغرب مهتمًا بشكل أكبر بالتركيز على الجوانب الخيرية في المجتمعات الغربية، وهناك العديد من البرامج، ولعل أكثرها شهرة برنامج "أوبرا وينفري" الأكثر جماهيرية وشهرة بالعالم، وهو برنامج يسلط الضوء ضمن اهتماماته على عالم الأغنياء والفقراء في المجتمع الأمريكي والعالمي، ويدعم النشاط الخيري داخل المجتمع الأمريكي، عبر إبراز هذه الصورة الإيجابية، والنموذج الأشهر في هذا السياق الملياردير الأمريكي بيل جيتس الذي تبرع بمبلغ ثمانية وعشرين مليار دولار من ثروته لأعمال الخير، أي بما يقرب من نصف ثروته، وكان تبرعه هذا موضع اهتمام كبير تجاوز الإعلام الأمريكي إلى خارج الولايات المتحدة، حيث جرى تقديمه كنموذج لرجل الأعمال الذي لم ينسه ثراءه القيام بدوره تجاه المجتمع الذي كان له الفضل فيما وصل إليه من نجاح، وهذا يضرب في حقيقة الأمر مثالاً لدور الإعلام في تقديم النماذج الطيبة من رجال الأعمال والأثرياء، ويمكن للإعلام العربي أن يحذو هذا الحذو عبر تسليط الضوء على النماذج الإيجابية، في محاولة لاستنفار الجانب الخيري لدى الآخرين".
 
من جانبه أشار البربري إلى أنه من الضروري في البداية أن نستفيد من الغرب في العمل الخيري على غرار ما يقوم به بيل جيتس ووارين بافيت، وبعد ذلك يمكن أن نتعلم كيفية تغطية هذه الأعمال، مشدداً على أنه يرى أن المطلوب الآن تغطية نشاط هو غير موجود بالفعل في المجتمع.
 
فيما أكد مصطفى عياط أن المؤسسات الخيرية في الغرب تُعد جزءاً مهماً من دورة الحياة هناك، وبالأدق جزء من الثقافة العامة للمواطنين، وتتعدد دوافعهم ما بين الديني والاجتماعي والشخصي وحتى السياسي، كما أن المجتمع يحتفي بشدة بالمتبرعين والخيرين، هو ما يجعل وسائل الإعلام تركز الضوء عليهم، ففكرة التطوع والعطاء بدون مقابل أو أجر تُعد عاملاً مهماً في تقييم الشخص في الغرب. ويساهم في ذلك الطبيعة المؤسسية لمعظم العمل الخيري في الغرب ما يجعله رافداً اقتصادياً واجتماعياً مهماً، لا يقل في دوره وثقله عن القطاعين الحكومي والخاص، حيث أنه يدير أموالاً تقدر بالمليارات، ولذا فإن البعد الإعلامي يُعد أمراً مهماً لتطوير هذا العمل وتفعيله، وهو ما تقوم به المؤسسات الخيرية الغربية بكفاءة عالية.
 
الأعمال الخيرية ودور البطولة
وعن رأيه في كيفية قيام الصحافة المصرية بدورها الإيجابي تجاه تغطية الأعمال الخيرية، يرى الهتيمي أن وسائل الإعلام المصرية مطالبة بوضع خطة خاصة لتغطية الأعمال الخيرية فعلى الرغم من اتفاقي مع قيام بعض هذه الوسائل بالتركيز على كشف عمليات الفساد في المجالات المختلفة ومحاولة استنهاض الجماهير من أجل المشاركة في الحراك السياسي لإحداث الإصلاح أو التغيير السياسي إلا أن الاكتفاء بذلك ربما يصيب قطاعاً كبيراً من الإحباط وهو ما يجب أن يعالج بتغطية الأعمال الخيرية التي ربما تمثل في النهاية طاقة نور تدفع بالآخرين إلى العمل والتفاؤل إذ أن هناك أناس يحبون أن يعملوا بلا مقابل ويقدمون بلا انتظار.
 
أما الشايب فيؤكد على أن توثيق العمل الخيري من قبل وسائل الإعلام يعود بالفضل العظيم على المجتمع أولاً، وعلى الهيئات والمؤسسات الخيرية ثانياً؛ ففي المجتمع سيقوي من قيمة الخير والتصدق لله أولاً ثم للفقراء والمحتاجين، محبباً الناس فيه، ووقتها فقط لن يحتاج الأمر إلى مؤسسات تُدير جمع المال، وتعيد توزيعه بالعدل على من يحتاج، ثم أنه سيحقق المصداقية بين المجتمع وبين تلك الهيئات والمؤسسات الخيرية، ثالثاً: سيقوم الإعلام النزيه بوسائله بدور الرقيب على كل الهيئات الخيرية مهما صغر حجمها أو كبر، فيعاقب من أساء بإظهار إساءته، ويجزي من أحسن بامتداح إحسانه.
 
وقدم الشايب عدة نصائح للجمعيات والمؤسسات الخيرية، منها الحرص الدائم على التواصل مع وسائل الإعلام المختلفة، والمشاركة في جميع فعالياتها الخيرية والدعوية، والعمل على الاحتفاظ بكل العلاقات الطيبة مع كثير من الإعلاميين المؤثرين في توجيه الرأي العام، لأنهم تقريباً الباب الأفضل والأسرع لوسائل الإعلام المختلفة.
 
وأشار إلى أنه في حال كانت المؤسسة ممن يملكون ميزانية تجعلها تستطيع أن تعلن بها عن نفسها فعليها ألا تغفل التعامل مع ذلك بإيجابية في توجيه تلك الإعلانات بما يعزز تواجدها في المؤسسات الإعلامية المختلفة، ويحفظ لها مكاناً في وسائل الإعلام سواء كانت مكتوبة أو مقروءة أو مسموعة أو مرئية، كذلك ألا تهمل أية تعليقات أو استفسارات بخصوص أي من أعمالها لتحقيق المصداقية عند الناس، ليقوم هذا النهج بدوره المؤثر في إقناع المناوئين للعمل الخيري بسلامة الموقف، فيجذب إليه العديد من وسائل الإعلام.
 
كذلك على المؤسسات الخيرية أن تؤمن أولاً بأن للإعلام دوراً كبيراً وأساسياً في تنمية الموارد المالية وضمان استمرارية أنشطتها الخيرية والإنسانية ومواصلة تقديمها لشرائح المستفيدين ومخاطبة جميع شرائح المجتمع وتطوير علاقاتها مع الوسائل الإعلامية للحصول على ما تحتاج من إعلانات مجانية، أو أي عروض أخرى. وعليها أن تقوم بعملية تدريب الناشطين في العمل الخيري على بعض الفنون والمهارات الإعلامية للمساعدة على أداء رسالتهم بنجاح والتعامل مع جمهور المانحين.
 
بعيداً عن مبدأ المصالح النفعية
كما قدم الشايب عدة نصائح لوسائل الإعلام، منها أن يضع القائمون بإدارة تلك الوسائل الإعلامية، نصب أعينهم واجب العمل الخيري، بعيداً عن مبدأ المصالح النفعية وإنما ابتغاء مرضات الله جلا وعلا، فيضعوا في مؤسساتهم الإعلامية مكاناً لهذا العمل الخيري. كما ينصح بإنشاء كيان إعلامي خيري كبير يضم الخبراء والمتخصصين من الكوادر المختلفة، بحيث يكون الجميع على مستوى عال من الاحترافية، وأن يوجدوا لهذا الكيان من يموله، فضلاً عن إدارته باحتراف، وكل هذا بحب العمل والتطوع إلى الله، ولكنه تطوع مدفوع الأجر حتى يؤتي ثماره ويلتزم كل بما هو مطلوب منه.
 
كما طالب الشايب بضرورة إنشاء إدارة خاصة بالعمل الخيري في كبرى المؤسسات الإعلامية، تهتم بشؤونه، وتأتي بأخباره، وتلتزم الموضوعية في رصد وتحليل فعالياته، ملتزمة بالنقد البناء لأسس سلبية تظهر.
 
كذلك مد جسور التواصل مع كافة المنظمات الإنسانية، والهيئات الخيرية المحلية والعالمية، لإبراز فكرة العمل التطوعي أو الخيري للجمهور العام، وعلى الإعلام أن يتحمل مسؤوليته في دعم العمل الخيري، ومساندة مشاريعه، وبيان رسالته النبيلة، والعمل على تفنيدها، وحشد الجهود لتأكيد أفضلية العمل الخيري، وسمو غاياته عبر حملات وبرامج مدروسة ومتفق عليها من الطرفين.
 
من جهته يرى رئيس قسم التحرير بصحيفة "المصريون" أن الإعلام المصري بحاجة إلى إجراء مراجعة على قائمة اهتماماته وتغطياته، وأن يبرز بشكل أكبر الحديث عن الأنشطة الخيرية داخل المجتمع، خاصة في هذا الوقت الذي بدأت تطغى فيه أخبار الانتحار والقتل بسبب الفقر عما عداها، الأمر الذي يبث الإحباط في نفوس الغالبية المطحونة، ويمكن استغلال ذلك في محاولة استنهاض الأثرياء وحثهم على أن يقوموا بدورهم في كفالة الفقراء ومساعدتهم، وتبني مشروعات اجتماعية تعود بالنفع على الفقراء، وقد أعجبني على سبيل المثال تجربة عرض لها الكاتب محمد سعد أبو العزم في مقال نشرته جريدة "المصريون" حول النموذج الخيري في بلدة "تفهنا الأشراف"، إحدى قرى ميت غمر بمحافظة الدقهلية، والتي استطاعت بفضل جهود أبنائها وتسابقهم على البذل والعطاء أن يجعلوا من بلدهم نموذجًا مشرقًا، ويمكن تعميم هذا النموذج في مختلف ومدن وقرى مصر إذا جرى تسليط الضوء على نماذج كهذه، كما يمكن للإعلام أن يلعب دورًا فاعلاً عبر تبني حملات وإطلاق أنشطة خيرية، وإحياء النموذج الفريد الذي أدخله الراحلان مصطفى وعلي أمين إلى الصحافة المصرية.
 
أما عياط فيؤكد أن نقطة البداية لعلاج الضعف الإعلامي في متابعة أنشطة العمل الخيري يجب أن تضطلع بها الجمعيات الخيرية ذاتها، حيث يجب أن توزع جزءاً من طاقتها لجذب وسائل الإعلام كي تروج لأنشطتها وتسلط الضوء عليها، باعتبار ذلك رافداً مهماً لجذب متطوعين جدد، فضلاً عن تعزيز الصورة الإيجابي للمتبرعين وتقديمهم كنماذج يجب الاقتداء بها.
 
كذلك فإن وسائل الإعلام بدورها مطالبة بأن تعطي حيزاً من تغطيتها من أجل تعزيز قيم العمل التطوع والخيري في المجتمع باعتبار ذلك ركيزة مهمة لبناء مجتمع مدني فعال.
 
في النهاية وبعد طرح هذه القضية على المتخصصين، ومعرفة آرائهم في مختلف التساؤلات بخصوص أسباب عزوف الصحافة المصرية عن تغطية الأعمال الخيرية، نتمنى أن يقرأ المسؤولون عن الصحافة المصرية وكذلك مسؤولو الجمعيات الخيرية المصرية، هذا التحقيق حتى تتخلى أخبار الأعمال الخيرية عن دور "ضيف الشرف" على صفحات الصحافة وتلعب دور البطولة، أو حتى المشاركة في هذه البطولة مع باقي الأخبار السياسية والاقتصادية والرياضية والفنية.