هل نحن بحاجة إلى قناة فضائية متخصصة للعمل الخيري؟) ( الحلقة الأولى)
24 مايو 2010 - 10 جمادى الثاني 1431 هـ( 2087 زيارة ) .
" مداد" يفتح الملف: هل نحن بحاجة إلى قناة فضائية متخصصة للعمل الخيري؟؟
 
الحلقة الأولى
 
تعالت أصوات في الآونة الأخيرة بضرورة وجود قناة فضائية متخصصة للعمل الخيري الإسلامي ونشر ثقافته ونصرته وسط الأنواء التي يتعرض لها والأصوات التي تريد أن تخرسه وتسقط من هيبته وتاريخه القديم ورسالته في خدمة المجتمع..
 
المنادون بالفكرة يرون أنها ضرورة في عالم أصبحت السماوات تعج بالفضائيات من كل شكل ولون وحدب وصوب.. والبعض يتحفظ خوفا أن تصيب هذه القناة ما أصاب غيرها من "الأغبرة" السياسية و"الأعيرة" التعصبية التي أصابت وتصيب كل  عمل خيري يخدم المجتمع المسلم في  أماكن كثيرة.
 
"مداد" يفتح الملف ويطرح أوراقه في عدة بلدان إسلامية خليجية وعربية للوصول ويستعرض آراء الإعلاميين والمسؤولين عن  الجمعيات الخيرية في كل بلد .. ونبدأ في الورقة الأولى من هذا  الملف من قطر فتعالوا نقرأ سطور هذه الورقة..
 
إعلاميون قطريون: أبعدوا عنها الأغبرة السياسية والأعيرة التعصبية
 
د. ربيعة الكواري: نحتاج لمثل هذه القناة بشرط عدم التعصب والبعد  عن السياسة
 
د. بتول خليفة: مرحبا بها مع وجود رؤية واضحة، ورسالة تتبعها أهداف محددة
 
علي السويدي: قلة الإمكانات المادية أرغمتنا على التوقف عن الفكرة ولابد من هيئة شرعية لها
 
الدوحة – مداد- منال عبدالرحمن
 
لم يعد دور العمل التطوعي مقتصراً على الجوانب الاجتماعية فقط، وإنما أصبح يقوم بدور فاعل في كثير من المجالات التي تخدم عملية التنمية الشاملة، كما أنه أصبح يؤدّي دوراً مكمّلاً لعمل الحكومة في كثير من المجالات التي تهم أفراد المجتمع، لذا فإن الدول تحرص على تفعيل الشراكة بين المؤسسات التي تمارس العمل التطوعي، سواء كانت أهلية أو مدنية، مع الهيئات والجهات الحكومية المختلفة. إلى جانب أن تفعيل دور العمل التطوعي هو أحد جوانب المسؤوليّة المجتمعية التي تحرص الدولة على نشرها بين مختلف المؤسسات، ومن ضمنها المؤسسات التطوعية التي تؤدّي دوراً مهمّاً في خدمة المجتمع، وهذا يظهر بوضوح في مجموعة الأعمال الإنسانية والخيرية التي تؤدّيها العديد من الجمعيات الأهلية والخيرية المنتشرة في الدّول، التي تتوجّه بخدماتها إلى الشرائح المحتاجة من معوزين، وأيتام، ومطلقات، وأرامل، وطلبة، ومحدودي الدخل؛ وذلك لمساعدتهم على مواجهة أعباء المعيشة.
 
وهناك بالفعل العديد من المبادرات التي أطلِقت مؤخراً بدعم من دولة قطر وقيادتها ، التي تهدف إلى نشر ثقافة التطوّع، وحثّ المؤسسات المختلفة على الانخراط في العمل التطوعي؛ فلا تألو الدولة جهداً من أجل الارتقاء بالعمل التطوعيّ، ونشر ثقافته محليّاً وعربيّاً؛ بهدف تعزيز العمل التطوعيّ في الوطن العربي، وتنسيق الأعمال التطوعيّة، وتوجيهها بشكل صحيح بالنظر إلى الدور المهمّ الذي ستؤدّيه في نشر ثقافة التطوع، والعمل على إعداد كوادر وطنية مؤهّلة في مجال العمل التطوعي أيضاً، وذلك من خلال الأنشطة والفاعليات التي تعتزم الأكاديميّة الاهتمام بها، من خلال الندوات والدورات التدريبية التخصّصية التي ستنظّمها، والتي تستهدف من ورائها التنسيق بين الأعمال التطوّعية لتؤدي رسالتها المجتمعية بالشكل السليم.
 
إن العمل التطوعي يعكس مدى حب الإنسان لمجتمعه ومدينته ووطنه، وكلما كان العمل التطوعي  شاقا كانت نتائجه مفيدة لأفراد المجتمع. ويحتاج العمل التطوعي إلى جهات تنظمه، وتدعو إليه، وتظهر نتائجه؛ ليتشجع الناس على الالتحاق به، و لتقديم كل قدر استطاعته.
 
وقد طالب البعض في الآونة الأخيرة بضرورة تخصيص قنوات تلفزيونية تعنى بالأعمال التطوعية والخيرية، وتبرز مثل هذه الأعمال، وتشجع عليها، فإلى أي مدى يمكن تحقيق هذه الفكرة على أرض الواقع؟ وكيف ستساهم في نشر ثقافة العمل التطوعي والتوعية بأهمية رسالته في المجتمع؟؟
 
"مداد" طرح الفكرة على عدد من الإعلاميين و المختصين بالدوحة فكانت هذه مشاركاتهم..
 
لا للمصالح السياسية
يقول د ربيعة الكواري ـ رئيس مجلس هيئة التدريس بجامعة قطر، والأستاذ المساعد بقسم الإعلام بجامعة قطر:" تنبع أهمية العمل التطوعي للنفس البشرية من كونه ضرورة لإثبات الذات، ومعالجة الأنانية، ونفي الكآبة، والتركيز على القيم الإنسانية للفرد وآدميته، وثقل الشخصية، وإغناء الفكر،  واكتساب المهارات، وتنمية القدرات، إلى جانب استثمار طاقات الشباب.
والعمل التطوعي ليس مرتبطاً بزمن محدد بقدر ما هو مرتبط بقيمة الخدمة نفسها. وللأسف، في بعض المجتمعات لا يرتاحون لكلمة قنوات خاصة بالعمل الخيري أو قناة خيرية؛ لأنهم يصنفونها بالقناة التبشيرية، أو على الأقل يربطونها بالدين، وعادة ما تستغلها الدول لأغراض سياسية، بل حتى إن جهود الإغاثة في كثير من الدول تقوم بها بعض الدول لأغراض ومصالح سياسية، ونحن نحتاج لمثل هذه القنوات في عالمنا العربي بشرط أن تكون بعيدة عن التعصب لدين؛ نحتاج لها لخدمة الإنسان في المقام الأول، ويكون هناك سؤال هام: من يدير هذه القناة؟ وما تخصصه؟ هل هو رجل دين فقط، أو رجل متدين، أو شيخ؟ الأفضل أن يكون من يدير مثل هذه القناة رجلا تربويا، أو رجلا اقتصاديا، أو اجتماعيا، أو عالم نفس، بجانب تدينه طبعا؛ فالمهم في المقام الأول أن يكون رجلا مثقفا، أو رجلا له أكثر من تخصص في نفس الوقت. والسؤال الثاني: هل ستكون القناة حكومية أو تابعة للقطاع الخاص؟ وأُفَضِّل أن تكون حكومية، بشرط أن تسخر للعمل الإنساني بشكل بحت".
 
العمل التطوعي بين وبين
ويشير الكواري أنه بالرغم من أن واقع غالب مجتمعاتنا، و خصوصاً الخليجية منها، يعتمد على من يخدمه في البيت بكل شيء، حتى في شربه الماء أو إيصال حقيبة الطالب إلى السيارة التي ستنقله إلى المدرسة، والفوضى التي تجدها عند كثير من الشباب في كل شيء في التعامل بالبيت أو المدرسة أو بالشارع و عند قيادة السيارة؛ تؤكد عدم تقبل مجتمعنا للعمل التطوعي. ولكن مع ذلك يوجد من يتمنى العمل التطوعي؛ من باب حب الخير للناس، والأمل بالثواب من الله ـ عز وجل ـ، أو من باب رد الجميل إلى الوطن الذي أعطاه الأمن والأمان، والتعليم، وتقلد المناصب المرموقة.
 
وإني أتمنى من الجهات الحكومية ذات العلاقة بالمجتمع أن تكون لها خطة سنوية بهذا الشأن، تدعمها وسائل الإعلام، و تؤكد مدى جدواها للوطن، ويباركها المسؤولون و رجال الدين في خطبهم".
 
حب التطوع مع التربية
أما الدكتورة: بتول خليفة ـ أستاذة الصحة النفسية بقسم العلوم النفسية بجامعة قطر ـ فترى أن الموضوع في المقام الأول يعتمد على التربية، فلو أن الأهل قاموا بتربية أبنائهم على توفير جزء من وقتهم لخدمة الآخرين، من خدمة مسن أو مسنة، أو المشاركة في نشاط مدرسي، مثل: تنظيف شاطيء أو تنظيف المدرسة، أو معونة طفل محتاج؛ فسيكبرون ومعهم حب  العمل التطوعي والخيري؛ فالعمل التطوعي والخيري يعتمد على التنشئة الاجتماعية، والتربية منذ الصغر.
 
ومن هنا فلو أن هذه القناة ستعمل على تعزيز حب العمل التطوعي من خلال التنشئة الاجتماعية فهذا معناه أنها ناجحة، وهذا أمر جيد، ودور ممتاز. فنحن المتخصصين في مجال الصحة النفسية نعتبر أن وسائل الإعلام أو وسائل الاتصال ـ كالتليفزيون مثلا ـ من وسائل التنشئة الاجتماعية حاليا؛ لذا فهذه القناة من الممكن أن تعلم النشء من خلال برامجها. ولذا؛ فقناة للعمل الخيري والتطوعي ينبغي أن تقدم تمثيليات وبرامج ترفيهية، ومن خلالها تبرز أهمية العمل التطوعي، لا أن تكون مجرد برامج حوارية تعتمد على حوار المذيع مع ضيف، وتلقي اتصالات، وتصبح مملة للمشاهدين، فمثلا: تمثيلية تظهر فتاة أو أولادا في مدرسة في مخيم كشفي، يقومون بتنظيف أحد الشواطيء العامة، ستكون مفيدة، وتقدم المثل والقدوة.
 
واضرب لكم مثالا واقعيا لمسته بنفسي، حيث ذهب ابني، وهو طالب بإحدى المدارس البريطانية في الدوحة، في أحد الأعوام في رحلة للهند مع مجموعة من المدارس على مستوى العالم، وأقاموا معسكرا لتنظيف أحد شواطيء الهند، وحينما عاد كانت قد تغيرت شخصيته؛ فصارت أكثر استقلالية، وأصبح أكثر فهما، بل أثرت على رؤيته وعلى دراسته وعمله في بريطانيا. إذن، مثل هذه القناة لا بد أن تكون لها رؤية واضحة، ورسالة تتبعها أهداف محددة وواضحة، وبناء عليه يتم تنظيم وتصميم البرامج والتمثيليات التي يجب أن يقوم الأطفال بتقديم أدوار لهم داخل العمل، وكذلك المراهقون والشباب، ما دام الهدف منها زرع وبث روح العمل التطوعي. القناة لا بد أن تكون نابعة من روح المجتمع وأهدافه، وما دامت في مجتمع عربي، فعليها أن تكون نابعة من أهداف هذا المجتمع ورؤيته للعمل التطوعي، الذي هو أحد أبرز الأمور في ديننا الحنيف؛ فهو من العمل الصالح الذي حث عليه ديننا الحنيف".
 
كيف نبني متطوعاً ناجحاً
وتضيف:" لكن السؤال المهم الذي يطرح نفسه: كيف نبني متطوعاً ناجحاً؟ يشكل انضمام متطوع ضمن ركب العمل التطوعي، وبنفسٍ تواقة للعمل والتضحية بالجهد والوقت، بصمة جميلة لفكر ناضج، تواق للارتقاء بالمجتمع، وتجسيداً لتطلعات أفراده. ثم يأتي تطوير قدرات وإمكانات المتطوع ببناء علاقات إنسانية قائمة على الاحترام المتبادل، وتبادل المهارات والمعارف مع المؤسسات الأخرى، وبهذا التواصل تتولد للفرد رؤى وتطلعات تنموية تطويرية تنعكس إيجابياتها على المجتمع".
 
درسناها وأتينا بالمتخصصين
أما الأستاذ علي السويدي ـ مدير عام مؤسسة عيد الخيرية ـ فيقول:"  إننا درسنا مثل هذه الفكرة منذ مدة بسيطة، وأحضرنا أخصائيين في القنوات التليفزيونية، ووصلنا لنتيجة مفادها أنه لا بد من وجود قناة تليفزيونية خيرية تغطي عديد الأنشطة لجميع المؤسسات الخيرية في قطر وغيرها؛ حتى يستفيد المشاهد، ويعرف طبيعة هذه الأعمال، ويتثقف من ناحية خيرية. وكثير من الناس يذهب للتبرع بالمؤسسات الخيرية، ويتبرع وينصرف، ولا يعلم شيئا عن الأعمال الخيرية. هذه القناة سيكون لها دور كبير في نشر الوعي بين الناس، وبرامجها سيكون لها دور كبير بين مختلف شرائح المجتمع، لكن مطلوب لها إمكانات مادية وغيرها من الإمكانات. ولقد توفرت لنا الإمكانات غير المادية، من أطقم بشرية ونشاطات، لكن لم نستطع توفير الإمكانات المادية.
هذه القناة تحتاج لكفاءات متخصصة أولا في العمل الخيري، ولو تولاها عالم دين فقط فلن تحقق المطلوب منها؛ لأنه يجب وجود كفاءات ميدانية تعرف واقع العمل الخيري وطبيعة البرامج الموجودة في هذا العالم للأعمال الخيرية، وإن كان ـ طبعا ـ لا بد ألا تكون بمعزل عن الشرع؛ فلا بد من وجود هيئة شرعية تتابع ما يعرض عليها من برامج.
 
المنظومة التطوعية
ويشكل العمل التطوعي شراكة تجمع بين أفراد يحملون على عاتقهم مسؤولية الرعاية والتنمية الاجتماعية، سواء بالرأي أو بالعمل أو بالتمويل، أو بغير ذلك من الأشكال، فتكاتف فريق المنظومة التطوعية يشكل خلية تتجسد فيها أبلغ معاني التعاون من أجل النهوض بمكانة المجتمع. فتأتي انطلاقة زرع بذرة الوعي بأهمية العمل التطوعي من البيئة الداخلية للأسرة، التي تأتي لترسم وتمهد الطريق للفرد نحو الاندماج وتسخير الطاقات.
 
وتشكل جهود المؤسسات الأهلية مع المؤسسات الحكومية، عبر برامجها من محاضرات وندوات ومؤتمرات، منطلقا لنشر ثقافة العمل التطوعي، والتي تتبلور نحو تشكيل أندية شبابية وفرق شبابية تطوعية، والتي من مهمتها بناء أواصر التعاون بين المتطوعين الشباب والجمعيات والمؤسسات الأهلية العاملة في المجالات كافة، في إطار الاستفادة من خبرات ومهارات الشباب لخدمة الوطن. وفي ظل نشر ثقافة العمل الوطني، وتوطيد الجهود والعوامل المُثلى، لتأكيد إيجابياته على المتطوع والمجتمع، إلا أنه يجب أن تسخر كثير من العوامل لنجاح المشروعات التطوعية، من أهمها: الموارد البشرية، والتي تشكل القوة الكامنة التي تديره وتسيره نحو الفشل أو النجاح، إضافة إلى الموارد المادية، التي تأتي لتجسد وتترجم الأفكار والرؤى والتصورات النظرية. فتجربة التطوع تبني لدى الأفراد المتطوعين طاقة داخلية تتدفق بشكل مستمر لبذل الجهود، والتأهب نحو مد يد العون والمساعدة، وتكميل الطرف الآخر".
 
ثقافة التطوع ضمن مناهج الدراسة
ونذهب إلى أبعد من ذلك بضرورة إدراج ثقافة العمل التطوعي ضمن المقررات الدراسية في الجامعات والمدارس، وتخصيص حصة لا أكاديمية للعمل التطوعي، وغرس مفهوم التطوع لدى الجيل الحالي من الشباب، من خلال إيجاد قدوات في أماكن التعليم، حيث قالت: " أدعو إلى ضرورة وجود مناهج لتُدرس في الجامعات و المدارس، بحيث يصبح كجزء من مقرراتهم الدراسية؛ فتكون هناك ـ مثلاً ـ حصة لا أكاديمية تُخصص للعمل التطوعي، أو إيجاد أمثلة وقدوات داخل أماكن التعليم لتفعيل العمل التطوعي.
 
وأما في الجامعات، فتقام نشاطات ميدانية للعمل التطوعي، حتى لو أخفق بعض الطلاب في أحد المواد و أراد أن يعلي من درجاته فيُطلب منه ساعات معينة للعمل التطوعي".
 
كما أكدت على أهمية تبني نشر ثقافة العمل، إما عن طريق وسائل الإعلام، أو أماكن التعليم، عبر ثلاث جهات، وهي: الأولى: فردية، و الثانية: اجتماعية، و الثالثة: للمؤسسات و الشركات. و لاشك أن الإعلام عامل أساسي في نشر هذه الثقافة؛ حيث يكون هناك ولو عشر دقائق يومياً في أي قناة تلفزيونية لبث مادة مُعينة تخدم العمل التطوعي.