التطوع الإلكتروني... كيف ينتقل من عمل نخبوي إلى جمهرة المتطوعين
15 نوفمبر 2009 - 27 ذو القعدة 1430 هـ( 5364 زيارة ) .
علماء يؤكدون حرص الإسلام على الاستفادة من تقنيات العصر في تأدية الأعمال الخيرية
 
التطوع الإلكتروني... كيف ينتقل من عمل نخبوي إلى جمهرة المتطوعين
 
د/ سعاد صالح:  دورات تدريبية لإكساب المتطوعين التقليدين مهارات جديدة 
 
د/ موسى عثمان: يوفر الوقت والجهد وبانفتاح يصعب الوصول إليه إلا بالفضاء الإلكتروني
 
د/علم الدين: على وسائل الإعلام الترويج لهذه البضاعة الغربية الرائعة
 
القاهرة: كمال حسن
 
التطوع الإلكتروني .. مصطلح جديد انتشر في الغرب منذ سنوات، ثم انتقل إلى العالم الإسلامي عبر الشبكة الدولية للمعلومات، لكن تفعيل هذه الأداة الحديثة في الأعمال الخيرية والإنسانية بين أمة التطوع مازال محدودا وقاصرا على نخبة، وربما جيل من الشباب يجيد التعامل مع الكمبيوتر. والسؤال الأهم: كيف يمكن توظيف تقنيات العصر العلمية في تعظيم الفائدة من العمل التطوعي؟ وما هي  رؤية الشرع الحنيف للعمل التطوعي، سواء كان بالطرق التقليدية أو الحديثة؟  وما مدى تأثير الدورات التدريبية التي تقيمها الجهات الخيرية لتأهيل المتطوعين أو الراغبين في العمل التطوعي الإلكتروني؟ وما هو  مفهوم التطوع الإلكتروني، و سمات المتطوع إلكترونياً، ومجالات  ذلك النمط من العمل التطوعي  و آدابه وقيمه وفق المفهوم الإسلامي؟ وما هو الدور الذي يمكن أن تقوم به وسائل الإعلام لتعزيز قيم التطوع الإلكتروني؟
 
في البداية يعني التطوع الإلكتروني، أو التطوع الافتراضي، أو التطوع أون لاين،  المساهمة في تأدية بعض المهام  الخيرية والتطوعية عبر شبكة المعلومات الدولية (الإنترنت) بطريقة غير تقليدية، ودون حاجة المتطوع  إلى النزول لمكان متلقي الخدمة التطوعية،  بحيث يؤديه في مكانه، سواء من البيت أو من العمل، ويجب توافر مجموعة  من  المهارات في شخص  المتطوع الإلكتروني تمكنه من القدرة على التعامل مع الإنترنت.
 
وحول إمكانية الاستفادة من الثورة الإلكترونية في تعزيز قيم العمل التطوعي، ترى الدكتورة سعاد صالح ـ العميد السابق لكلية الدراسات الإسلامية بجامعة الأزهر ـ أن العمل التطوعي أصل من أصول العلاقات الاجتماعية في الإسلام، كما أن تطوير أدواته وفق تقنيات العصر مطلب إسلامي؛ فالإسلام حض على العلم  والنهوض الحضاري، والقرآن الكريم وضع القاعدة المتينة، والأساس الصلب في العديد من الآيات للعمل التطوعي، ومنها: قوله تعالى: (وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى) [المائدة:٢]. (فَمَن تَطَوّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لّهُ) [البقرة -184]. (وآتى المَالَ عَلى حُبِه ذَوي القُربى واليتَامَى والمَسَاكِّين وابن السَبِّيل) [البقرة -177]. (وفي أموالهِّم حَقٌ مَعلُوم للسَائِّل والمَحرُوم) [الذاريات -19]. (فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ) [الزلزلة – 7]. وقوله ـ عز وجل: (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ) [التوبة: ٧١].
 
الثورة المعلوماتية وحاجات الأمة
وتشير الدكتورة سعاد صالح إلى أنه بجانب  الآيات الكريمة  العديدة التي حثت على العمل التطوعي هناك عشرات الأحاديث الشريفة  الداعية له،  واعتباره  صدقة  يجازى فاعلها خير الجزاء، منها قول نبي الإسلام ـ صلى الله عليه وسلم : "الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله، أو القائم الليل الصائم النهار" [رواه مسلم]. وقوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ في حديث ابن عمر ـ رضي الله عنهما : "المسلم أخو المسلم؛ لا يظلمه، ولا يسلمه، من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرج عن مسلم كربه من كرب الدنيا فرج الله عنه كربه من كرب يوم القيامة، ومن ستر مسلما ستره الله يوم القيامة" [متفق عليه]. كما قال ـ صلى الله عليه وسلم: "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد؛ إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى" [رواه أحمد ومسلم]. مشيرة إلى أن الصدقة في الدولة الإسلامية  اتخذت صورة مؤسسية في شكل الأوقاف.
 
وتؤكد الدكتورة سعاد صالح حاجة المجتمعات الإسلامية المعاصرة إلى تفعيل التطوع الإلكتروني في ظل صعوبة وصول المتطوع التقليدي لبعض الفئات التي هي بحاجة إلى مساعدة، وقد تكون تلك المشاركة معنوية لأرملة وأم لأيتام تعاني الحصار في قطاع غزة؛ بتذكيرها بالصبر على البلاء، أو نصيحتها في الله، وتخفيف حالة البلاء عنها، أو قد تكون بالمساهمة المادية البسيطة في مشروع خيري من المشاريع التي تتبناها جمعيات ومؤسسات خيرية في الإقليم المنكوب؛ فالتبرعات المالية أحد مقومات نجاح الأعمال الخيرية، وقد سمى القرآن الكريم المشاركة المالية في سبيل الله بـ (الجهاد) حيث يقول تعالى: (إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون) [سورة الحجرات آية 15]؛ مما يدل على أهمية الجهاد بالمال كما بالنفس. مشيرة إلى أن العمل التطوعي سواء كان إلكترونيا أو تقليديا  يمكن أن يكون فردياً، ويمكن ـ أيضا ـ أن يتخذ شكلاً جماعياً من خلال منظمات المجتمع المدني ليغطي جميع الاحتياجات الاجتماعية من: خدمات صحية، وتعليمية، ومساعدات اجتماعية، ومساكن تزويج للشباب، وإقامة مشروعات منتجة صغيرة لإعالة الأسر، ومحاربة الفقر.
 
مواجهة الكوارث  إلكترونيا
وحول دور التطوع الإلكتروني في ظل تعدد الكوارث و الأزمات، تؤكد العميد السابق لكلية الدراسات الإسلامية  أهمية ذلك النوع من التطوع في مساعدة الدول والحكومات  في الوفاء بالتزاماتها نحو فئات المجتمع التي هي في حاجة لمساعدات إنسانية، خصوصاً الفقيرة والمهمشة منها، وبالتالي يجب على الدول الإسلامية  التيسير على المتطوعين من أفراد ومؤسسات للقيام بهذا الواجب الديني والدور الإنساني الرائع، بعيداً عن التعقيدات البيروقراطية، والمضايقات الأمنية، والشكوك السياسية، كما من واجب القائمين على هذه الجهود التطوعية أولاً أن تتصف أعمالهم بأكبر درجة من النزاهة والشفافية، وأن تشمل كل أفراد المجتمع بلا تمييز بسبب الدين أو المذهب أو الجنس أو العرق، وأن تكون معاملاتهم المالية شفافة حتى تتجنب الشبهات.
 
وتشير إلى أنه من  الواجب عند تعرض أي مجتمع إسلامي لمحنة بسبب كارثة طبيعية ـ كزلزال ـ أو كوارث نتيجة النزاعات العسكرية، أن تهب كل المجتمعات الإسلامية لمناصرته ومساعدته بكل الأشكال، وواجب على أولي الأمر في كل البلاد الإسلامية أن يحثوا المواطنين على التبرع، وإنشاء جمعيات مؤقتة أو دائمة للتضامن، وتيسير وصول المعونات بجميع أشكالها، ويجب ألا تثبط  العزائم  أمام  ما تمارسه بعض الجهات والدول من ضغوط مشبوهة، وحرب ظالمة ضد مؤسسات العمل الخيري  في العالم الإسلامي بدعوى محاربة الإرهاب؛ فالله تعالى يقول في محكم التنزيل: «وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ» {يوسف: ٢١}.
 
مزايا عديدة للتطوع الإلكتروني
أما الدكتور محمد موسى عثمان ـ أستاذ الاقتصاد بجامعة الأزهر ـ فيشير إلى مميزات أخرى للعمل التطوعي الإلكتروني عن غيره من صور التطوع التقليدي الذي يتطلب أوقاتا إضافية لممارسة العمل التطوعي، بالإضافة للجهد البشري؛ فالتطوع الإلكتروني يمكن تأديته من البيت أو مكان العمل، أو في النادي من خلال جهاز "اللاب توب"،  كما أنه يناسب  بعض الحالات الإنسانية التي تمنع محبي التطوع من التطوع التقليدي، مثل:  أصحاب الإعاقات الجسدية، كما أنه يوفر الكثير  من المجهود العضلي  والانتقال من مكان لآخر للوصول إلى المحتاج إلى مساعدة إنسانية، و يوفر فرصة وصول لقدر أكبر من المجتمع لم نكن لنصل إليه من خلال الوسائل التقليدية للتطوع،  بالإضافة إلى أنه  يخلق فرصة أوسع ـ دون انتقال ـ للتعرف على متطوعين جدد، وإنشاء صداقات عبر شبكة الإنترنت. مشيرا إلى أن التطوع الإلكتروني يكمل ممارسات التطوع التقليدي وليس  بديلا عنه.
 
ويدعو الدكتور عثمان إلى تعزيز قيم التطوع بين النشء في ظل تقارير أشارت إلى عدم إقبال الجيل الجديد على العمل التطوعي، وفق دراسة ميدانية عن التطوع في العالم العربي قامت بها الشبكة العربية للمنظمات الأهلية، توصلت إلى أن الشباب من سن 15 حتى 30 هم أقل فئة مهتمة بالتطوع، برغم إمكانيات و قدرة الشباب في هذا السن على القيام بأعمال تخدم المجتمع بصورة فائقة، مرجعة أسباب ذلك إلى عدة أمور، منها:  تركيز التنشئة الأسرية  على التعليم دون زرع روح التطوع و مساعدة الآخرين، وخلو مناهج و أنشطة المدارس و الجامعات من دروس تحث على العمل التطوعي الحقيقي، بجانب الضغوط الاقتصادية التي يعاني منها معظم الشباب. داعيا إلى تدريس مواد للتطوع ضمن مناهج التعليم في الدول الإسلامية ليكون المجتمع المدني شريكا أساسيا في عملية التنمية الاجتماعية والاقتصادية، والتوسع في إقامة  مراكز للمتطوعين، وتأهيل جماعات الكشافة في المدارس والجامعات لممارسة التطوع الإلكتروني والتقليدي معا، وغرس القيم الإسلامية الداعية للتطوع في نفوس الجيل الجديد؛ فرسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول ممتدحا المتطوعين والساعين في خدمة الناس بقوله: "إن لله عباداً اختصهم بقضاء حوائج الناس، حببهم في الخير، وحبب الخير إليهم، إنهم آمنون من عذاب يوم القيامة".
 
مسؤولية رجال الإعلام
وحول دور الإعلام في تعزيز ونشر ثقافة التطوع الإلكتروني والتقليدي معا، يشير  الدكتور محمود علم الدين ـ أستاذ الإعلام بالقاهرة ـ إلى أهمية تبني وسائل الإعلام الإلكترونية والتقليدية هذه القضية من خلال رفع الوعي بأهمية التطوّع الإلكتروني، وتوجيه السلوك الاجتماعي نحو الأعمال الإنسانية والخيرية وخدمة المجتمع، وتوعية الجماهير بأهميته،  ومناقشة معوقات العمل التطوعي بشكل جاد بعيدا عن السطحية، وإمكانية إنشاء  مؤسسات  متخصصة  في الإعلام التطوعي  مع تنسيق العلاقات مع الجمعيات الخيرية، فثقافة التطوّع تعد محصلة لعملية تنشئة اجتماعية طويلة، تتم عبر الوسائل المختلفة، كالأسرة، والتعليم والمؤسسات الحكومية، ومؤسسات المجتمع المدني، بجانب وسائل الإعلام التي من واجبها مقاومة حملات التشويه لمفاهيم العمل التطوعي،  ونشر  ثقافة التطوّع  بطرق عصرية تجذب الأجيال لتلك الأعمال الإنسانية، فانتشار التطوع من المقاييس التي يقاس بها تقدم المجتمع و تطوره.
 
ويشير الدكتور علم الدين إلى دور الإعلام في غرس القيم النبيلة والفاضلة داخل المجتمع،  خاصة إذا كانت تلك القيم من منظومة السلوك الاجتماعي في المجتمعات العربية والإسلامية،   وليس ثقافة مكتسبة يكلف نشرها داخل المجتمع جهودا مضنية؛ فقد عرف العرب قبل الإسلام  العمل التطوعي، وكان عرف باسم  " الفزعة "، وهو مساعدة الغير على قضاء حاجاتهم، مثل: إكرام الضيف، ونصرة المستغيث، وإطعام الفقير. وجاء الإسلام ليجعل التطوع سمة  من سمات  المؤمنين بالتأكيد على المؤاخاة الإنسانية والتكافل الاجتماعي، حيث  تطوع  الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ في حفر الخندق، واشترك في بناء مساكن المهاجرين، وحرص عمر ـ رضي الله عنه ـ على الطواف ليلا على مساكن الفقراء من خلال نظام " العسس ".
 
ويؤكد دكتور علم الدين أن تبني الإعلام لنشر ثقافة التطوع يدعم  الممارسة الديمقراطية في المجتمع عن طريق إتاحة الفرص للمتطوعين أن يتخذوا قرارات خاصة بمجتمعهم بشكل مباشر و ديمقراطي، في وقت أصبح فيه العمل التطوعي ركيزة أساسية في بناء وتنمية  المجتمع، مشيرا إلى مساهمة المؤسسات التطوعية  في بناء الحضارة الإسلامية من خلال الوقف الخيري والأهلي، وكذلك مساهمة الخدمات التطوعية لمؤسسات المجتمع المدني في الدول الغربية  في نهضة الدول الصناعية، ورفع معدلات التنمية البشرية  من خلال  التجاوب الاجتماعي في أوقات الشدة ومجهودات الإغاثة، إلى حل النزاعات، وتخفيف آثار الفقر، والمساهمة في البرامج القومية للمساعدات الإنسانية.
 
ويرى الدكتور علم الدين أن دور الإعلام في نشر ثقافة التطوع ـ بشكل عام ـ داخل المجتمع تتطلب التوعية الإعلامية بأهمية تنشئة الأبناء منذ مراحل الطفولة المبكرة بأهمية العمل التطوعي ودعم المؤسسات والهيئات التي تعمل في مجال العمل التطوعي  إعلاميا، والكشف عن جهودها للرأي العام، وعرض التجارب الناجحة في العمل التطوعي، و التركيز في الأنشطة التطوعية على البرامج والمشروعات التي ترتبط بإشباع الاحتياجات الأساسية للمواطنين؛ الأمر الذي يساهم في زيادة الإقبال على المشاركة في هذه البرامج، و تعريف أفراد المجتمع بماهية العمل التطوعي ومدى حاجة المجتمع إليه، وتبصيرهم بأهميته ودوره في عملية التنمية، وكذلك إبراز دور العاملين في هذا المجال بطريقة تكسبهم الاحترام الذاتي واحترام الآخرين،  بجانب  استخدام التكنولوجيا الحديثة لتنسيق العمل التطوعي بين الجهات الحكومية والأهلية لتقديم الخدمات الاجتماعية، وإعطاء بيانات دقيقة عن حجم واتجاهات وحاجات العمل التطوعي للمجتمع.