صندوق الزكاة الأردني لم يعد لديه أيتام بحاجة إلى كفالة !
30 سبتمبر 2009 - 11 شوال 1430 هـ( 1766 زيارة ) .
صندوق الزكاة الأردني لم يعد لديه أيتام بحاجة إلى كفالة ..
 
الأردن: 1559 يتيما كفلوا في رمضان
 
فاعل خير يكفل 350 يتيما، وآخر يكفل 210 أيتام
 
عمان – رياض منصور
 
لأول مرة في تاريخ صندوق الزكاة تخلو قوائمه من أسماء أيتام يحتاجون إلى كفالة بعد أن تقدم اثنان من أهل الخير وقاما بكفالة 560 يتيما بكلفة بلغت نحو ربع مليون دينار أردني سددت مباشرة لتغطي 12 شهرا من مصروفات هؤلاء الأيتام.
 
فاعل الخير الأول كفل  350 يتيما، بينما كفل فاعل الخير الثاني 210 أيتام؛ الأمر الذي يؤشر على عمق التكافل الاجتماعي في الأوساط الأردنية، وهذا ما تؤكده سجلات الصندوق التي تشير إلى كفالة 1559 يتيما خلال شهر رمضان ليرتفع إجمالي الأيتام المكفولين إلى 27 ألف يتيم؛ الأمر الذي شكل لهم حماية من أي مشاكل قد يتعرضون لها نتيجة حاجتهم أو فقرهم.
 
ما حدث لقوائم الأيتام في سجلات صندوق الزكاة جعل الأردن نموذجا في موضوع التكافل الاجتماعي، وهو الأمر الذي أحدث أيضا حزنا لدى بعض المواطنين الذين لم يتمكنوا من الحصول على فرصة لكفالة يتيم، لكن هذا الحزن أراح نفوسهم بسبب بلوغ التكافل الاجتماعي الأردني ذروته.
 
مداد" تابعت هذه القضية، وتحدثت مع مدير صندوق الزكاة، واستطلعت رأي الدين وعلم الاجتماع، وجاء التأكيد بأن الظاهرة لها أبعاد اجتماعية كبيرة تعطي مدلولات إنسانية واجتماعية تنعكس إيجابا على المجتمع عامة، وهذا ما أثبتته التجربة الأردنية التي يسودها المحبة، والتعاون، والتكافل الاجتماعي، والتعاون بين كافة أفراد المجتمع، والاهتمام بأفراده المحتاجين وغير المقتدرين، خاصة الفقراء الذين قد لا يشاركون في المجتمع بسبب فقرهم، لتأتي مثل هذه الحالات لتجسد الصورة الاجتماعية المثالية والوحدة الوطنية والتراحم بين فئات المجتمع.
 
تتجدد المشاهد الإنسانية في المجتمع الأردني  لتزيد من ميزته كمجتمع متكاتف أخوي، يغلب عليه الطابع الإنساني التكافلي.. فعندما ترى فاعل خير يصل إلى صندوق الزكاة ويكفل 350 طفلا يتيما، ويليه فاعل خير آخر يكفل 210 أيتام، لنصل إلى دراسة أعلن عنها صندوق الزكاة بأنه لم يعد في قوائمه أي يتيم بحاجة إلى كفالة، بعدما تم خلال شهر رمضان كفالة 1559 يتيما، ليصبح إجمالي عدد الأيتام المكفولين في الصندوق 27 ألف يتيم.
 
الوصول إلى حالة عدم وجود أيتام بحاجة إلى كفالة  يبعث على الطمأنينة في نفوس غيرهم ممن هم بأمس الحاجة لها، دافعين بذلك عجلة التنمية نحو الأمام من خلال حماية هؤلاء الأيتام من أي مشاكل قد يتعرضون لها نتيجة حاجتهم أو فقرهم، وزادوا من قربهم للمجتمع وانخراطهم به.
 
حالة إنسانية فريدة توقفت عندها "مداد" في قراءة لأبعادها النفسية والاجتماعية وبالطبع الدينية، فاجتمعت آراء رصدتها على أنها خطوة رائعة نحو مزيد من التكافل والعطاء، معربين عن أملهم أن لا تقف مثل هذه المبادرات في شهر رمضان فقط، بل تتجاوزها لباقي أشهر السنة؛ لتكون الحياة كلها حياة خير.
 
تفسيرات مختلفة وآراء متعددة أجمعت كلها على أن الأردن أصبح نموذجا يحتذى به في موضوع التكافل الاجتماعي.
 
مدير عام صندوق الزكاة الدكتور علي القطارنة قال في حديثه لـ "مداد":" إن الصندوق شهد حالة فريدة خلال شهر رمضان لأول مرة عندما خلت قوائم الأيتام ممن هم بحاجة إلى كفيل، ولم يعد هناك أي يتيم على قائمة الأيتام في الصندوق، وبدأ الصندوق بدراسة أسماء قوائم الانتظار، ولعلها حالة إنسانية رائعة  تؤكد تآخي الشعب الأردني وتكاتفه".
 
وأشار د.القطارنة إلى أن الإقبال كان خلال الشهر الفضيل كبيرا جدا من نساء ورجال من أجل كفالة الأيتام، إلى جانب دفع الصدقات والزكاة، فكان هناك حراك ديني اجتماعي لافت.
 
وأكد القطارنة أن عدة أمور ساهمت بهذا الحراك إلى جانب الوازع الديني، حيث لعبت وسائل الإعلام دورا هاما في الحث على هذا الأمر، إضافة إلى البروشورات التي قام الصندوق بتوزيعها داخل العاصمة وخارجها، لحث المواطنين على دفع الزكاة وأهميتها، والتأكيد على دور الصندوق في دعم هذه التوجهات الخيرية. وبين أن اللجوء إلى صندوق الزكاة حسم الأمر دينيا، وأصبح المواطن يلجأ له دون البحث عن جهات لدفع صدقاته بها، إضافة إلى وجود مستند شرعي وجهة رسمية تأخذ زكاة المسلمين كموارد بشرية ولا تتقاضى مقابلها أي شئ، وهناك 180 لجنة زكاة على مدار الساعة تكون على تواصل مع المواطنين.
 
ولفت القطارنة إلى أن صندوق الزكاة لم يكتف بأخذ الزكاة؛ بل تعددت الفعاليات وتعددت المساعدات، فكان هناك الأيام الطبية المجانية، و أمور جديدة ضمن هذه المفاهيم، إضافة إلى اتفاقية "الغذاء والكساء" مع المؤسسة المدنية الاستهلاكية، التي أتاحت للفقير أن يذهب لأسواق المؤسسة ويتسوق مع أفراد أسرته، فهيأت له فرصة عاشها البعض لأول مرة في حياته أن يذهب للتسوق.
 
وأكد أن الصندوق تلقى اتصالات عديدة من عدة دول عربية رغبت بالاستفادة من التجربة الأردنية في إدارة موضوع الزكاة، واتباع طريقة القسائم في موضوع الغذاء والكساء، وكوبونات الخبز، وكلها أساليب تكافل لفتت انتباه الدول العربية فسعت لتطبيقها.
 
وفي موضوع الأرقام، بين الدكتور القطارنة أن صندوق الزكاة يستقبل يوميا مئات فاعلي الخير طلبا لكفالة الأيتام، والتقدم بالصدقات، مشيرا إلى أن أحد فاعلي الخير جاء قبل أيام للصندوق وكفل 350 يتيما دفعة واحدة، و دفع لمدة سنة، وآخر قدم وكفل 210 أيتام، مشيرا إلى أن العدد مفتوح، ولا يُقَيَّدُ أحد بعدد معين من الأيتام إذا رغب بكفالة أي عدد مهما بلغ.
 
الظاهرة ـ كما أسلفنا ـ لها أبعاد اجتماعية كبيرة، تعطي مدلولات إنسانية واجتماعية تنعكس إيجابا على المجتمع عامة؛ إذ يقول الدكتور حسين الخزاعي ـ أستاذ علم الاجتماع ـ :"إن المختصين بعلم الاجتماع يسعون لأن يكون البناء الاجتماعي في المجتمع يسوده المحبة والتعاون والتكافل الاجتماعي، والتعاون بين كافة أفراده، والاهتمام بالمحتاجين منهم وغير المقتدرين، خاصة الفقراء الذين قد لا يشاركون في المجتمع بسبب فقرهم، لتأتي مثل هذه الحالات لتجسد الصورة الاجتماعية المثالية والوحدة الوطنية والتراحم بين فئات المجتمع".
 
وبين د.الخزاعي أن هذا الدعم والرعاية يدلان على ثقة أفراد المجتمع بالمؤسسات الحكومية وإنجازاتها، واللجوء إليها في مثل هذه الأمور الإنسانية. وبين أن مثل هذه الحالات تعكس جانبا هاما في العمل على البعد عن تجنب ارتكاب المشكلات الاجتماعية والالتزام بالدراسة، وتجعل من الأيتام مخلصين للمجتمع، وبالمقابل تشعرهم أن المجتمع لا ينكرهم؛ وبالتالي تكون هناك نظرة إيجابية بكل معنى الكلمة؛ لأنها تؤهل الأيتام للانغماس بتفاصيل الحياة العادية. وبشكل عام، فإن ما حدث يشكل حالة تكامل نموذجية بين أفراد المجتمع.
 
ومن وجهة النظر الدينية، اعتبر عميد كلية الشريعة بالجامعة الأردنية ـ الدكتور محمد المجالي ـ أنه إن صحت أرقام التقرير الخاص بصندوق الزكاة فهو أمر مبشر بالخير، وأن المجتمع الأردني ما زال كعادته ينبض بالحياة والخير والتكافل بأصوله الحقيقية التي تدفع بالإنسان إلى فعل الخير والبحث عن منافذ لصرفه، وخاصة إن كانت تلك المنافذ تتعلق باليتيم الذي هو أكثر الناس حاجة للرعاية والعطف والاهتمام النفسي والإنساني والمالي. وأوضح أن ذلك الإنجاز يسجل للحكومة ولجمعيات الأيتام التي تحمل الصبغة غير الحكومية، والتي تقدم مساعدات عالية المستوى لفئة الأيتام من كفالات تعليمية وإنسانية، ومأكل ومشرب، ودراسات جامعية، وغيرها من ضرورات الحياة التي يحتاجها اليتيم.
 
وأشار إلى أن ما يقدمه المجتمع الأردني من نموذج للتكافل والمحبة، وإيلاء هذه الفئة الاهتمام الأكبر، ليعكس في مضمونه حالة ليست بغريبة على المجتمع الأردني الذي يحدد في كل مناحي الحياة إطارا مختلفا للتكافل والإحساس بالكل، ويفسر تفاعلات الخير التي عكست تعميم كفالات اليتيم لتصل في مجموعها إلى 27 ألف يتيم بالأردن كعدد إجمالي.
 
وأوضح أن شهر رمضان بما يحمله من أبعاد روحانية ودينية واجتماعية يعيشها المواطن الأردني دفعت بالمواطنين بشكل ملموس إلى الإقبال على قضية كفالة اليتيم بكل أشكالها، وجسدت وهجا من التعاون والتسامح غير مسبوق، كان دالة الخير في مجتمع كريم كبير الفؤاد والعطايا. مؤكدا أن الخير يجب أن لا يتوقف في رمضان فقط؛ بل عظمته أن يستمر في كافة أيام السنة دون أية عقبات؛ ليستفيد اليتيم من استكمال حياته دون انتظار لكفالة قد تأتيه من هنا وهناك. وأشار إلى أن باب الخير ـ أيضا ـ لا يتوقف عند اليتيم فقط؛ فإن أغلق باب كفالة اليتيم الآن، أو قل بشكل ملموس، فأبواب ووجوه الخير كبيرة وعظيمة، وفقراء الأردن مختلفو الأشكال، ولا بد أن يتجه الخير إلى كل الأبواب، ويدق باب الفقر المدقع في العديد من مناطق المملكة؛ فالأبواب لفعل الخير كبيرة، ومادام في مجتمعنا الكريم بذور خير عظيمة فيجب أن تبحث عن العديد من الأبواب لتطرقها من أجل أن يستمر المجتمع الأردني بأدائه وعطائه، ليبقى أنموذجا يحتذى به، ويعكس صور التكافل في كل المنطقة.
 
من جهته اعتبر رئيس جمعية اليتيم ـ ربحي القدومي ـ أن في الجمعية كفالات يتيم تغطي كافة المستفيدين من الجمعية من طلبة مدارس وجامعات، حيث شهدت الجمعية العام الحالي وشهر رمضان تحديدا إقبالا كبيرا من قبل أناس خيرين مختلفي مستويات الدخل، حيث لم يقتصر الدعم والتبرعات على الأغنياء فقط، بل على كل شخص راغب بفعل الخير وساع له بشتى الطرق؛ الأمر الذي عكس تفاعلا مجتمعيا رائدا وعالي المستوى عكس صور التكافل بشتى أشكالها. وأشار إلى أن التفاعل ملموس بشكل كبير، وأدى بالمواطنين إلى التدفق للجمعيات الخيرية دون سؤال لهم أو طلب منهم لإعطاء الكفالة ليتيم بحاجة لها لسد احتياجاته التعليمية أو التدريسية بأي مرحلة يدرس بها، أو لسد احتياجاته من الملبس والمسكن والمشرب. وقال:" لقد كان شهر رمضان حافزا رئيسا للإقبال على فعل الخير؛ حيث تتجلى فيه الحالات الرحمانية الإنسانية العالية العطاء بسبب ما يبثه من رحمانيات وتفاعل مع الخير بأشكاله المختلفة. وكان للأيتام النصيب الأكبر من ذلك الاهتمام بهذه الفئة من المجتمع التي هي بحاجة ليس إلى دعم خلال شهر رمضان فقط، بل لأن تمتد هذه المساعدات إلى باقي أشهر العام، لتستمر إلى تغطية كافة احتياجاته خلال العام".
 
وأوضح أن ما حصل العام الحالي هو مؤشر حقيقي على حجم الخير العظيم الذي يعم المجتمع الأردني الباحث عن منافذ الخير، ليضع على أعتابه مساعداته، ويضيف إلى حيز اليتيم مساحة خير إضافية تعيله وتدفع به إلى بر الأمان. وبين أن ما تحصده الجمعية من عمل خير ومساعدات وكفالات للأيتام فاق ما كانت تعمله الجمعية خلال السنوات التي مضت، لكن عمل الخير لا يتوقف عند المال فقط، بل هو يعبر عن حالات من الإحساس العالي والتكافل والمشاعر المشتركة بأن للأيتام حق الحياة مثل غيرهم، لا بل لهم حق التعايش مع الواقع بكل تفاصيله الخيرة.