العمل الخيري الخليجي، هل يستطيع الصمود أمام المتغيرات السياسية
6 سبتمبر 2009 - 16 رمضان 1430 هـ( 3292 زيارة ) .
§ العوضي: "لكي نقلل من تأثير التغيرات السياسية يجب فصل العمل الخيري عن العمل السياسي".
 
§ السيد عدنان:"يجب منح المؤسسات الخيرية الحرية في العمل".
 
§ الدمنهوري:"السياسات الدولية بمثابة حرب على الفقراء".
 
§ الأزرعي: "على المنظمات الخيرية أن تعمل بجد للحصول على المنح".
 
§ أبو العلا: "المنح الأوربية والأميركية تقلصت للنصف بسب الأزمة الاقتصادية".
 
تحقيق:مروة رسلان
 
نحن نعيش في عالم متغير يموج كل يوم بتقلبات سياسية واقتصادية تؤثر بشكل  أو آخر على الأنشطة الإنسانية الموجودة على ظهر هذا الكوكب.
 
ولكن، هل تؤثر هذه التغيرات على العمل الخيري، وخاصة العمل الخيري الخليجي، أم أن  العمل الخيري يستطيع الصمود أمام هذه المتغيرات؟
 
هذا ما سنحاول الإجابة عليه من خلال هذا التحقيق.
 
 أوضح فريد العوضي ـ نائب المدير العام للهيئة الخيرية بالكويت ـ أن أي حراك سياسي، سواء على المستوى الدولي أو المحلي، يكون له تأثير وتداعيات على مجمل الأنشطة الإنسانية، ومنها العمل الخيري، فعلى الرغم من اكتفاء دول الخليج العربي واعتبار معظمها من الدول المانحة فان هذا لا يعفيها من التأثر بالمتغيرات السياسية العالمية، والتأثر يكون ـ كما أسلفنا ـ في تعقيد عمل الجمعيات الخليجية في الخارج، كما أن كما هائلا من أموال المساعدات متوفرة لدى الدول الغربية والمنظمات الدولية تستطيع الجمعيات الخيرية الإسلامية الاستفادة منها إذا استطاعت تطوير نظم عملها إلى المستويات المعترف بها دوليا. وأضاف أن هذا التأثير اتضح خصوصا بعد أحداث 11 سبتمبر، وتداعيات ما سمي حينها بالحرب على الإرهاب، وما سبق من ذلك من سياسة تجفيف المنابع التي اتبعتها بعض الدول الغربية، وكانت على عدة محاور:  
 
الضغط الأوروبي
- الضغط على الدول العربية والإسلامية لكي تقوم بتحجيم منظمات العمل الخيري، وفرض قيود صارمة على طريق عملها، خصوصا في جمع التبرعات والتحويلات المالية.
 
- التحرك من خلال النظام المالي الدولي، والذي تملك الدول الغربية جميع مفاتيحه؛ وذلك لمنع أو إبطاء وتيرة تحويل المساعدات من المجتمعات المانحة إلى المحتاجة.
 
- استخدام المحافل الدولية، مثل: الأمم المتحدة، أو مجلس الأمن، أو الاتحاد الأوربي، لإصدار قرارات تجرِّم العديد من الجمعيات الخيرية العربية والإسلامية وبعض رجالات العمل الخيري.
 
ويؤكد العوضي على أن هذه الإجراءات، والتي كان العديد منها تعسفيا، أدى إلى انكماش في التواصل الخيري بين المجتمعات الإسلامية، بينما تمتعت المنظمات الغربية بحصانة دولية ساهمت في انتشارها داخل المجتمعات الإسلامية بصوره أكبر، وإن كان بعض هذه المنظمات لها دور إيجابي وفاعل، إلا أن العديد منها كانت لأغراض أخرى غير إنسانية. 
 
إنقاذ العمل الخيري
كما أكد على أنه يمكن التقليل من تأثير المتغيرات على العمل الخيري إذا استطعنا عمل الآتي:
 
1- فصل العمل الخيري عن العمل السياسي: يلاحظ في العالم الإسلامي أن العديد من الجمعيات الخيرية تعمل في كل المجالات في آن واحد؛ فهي تساهم في جمع التبرعات للإغاثة الإسلامية، وتنفيذ مشاريع خيرية في العديد من الدول المحتاجة، وفي نفس الوقت تصدر البيانات السياسية في العديد من المناسبات، وتشارك في العديد من التجمعات والواجهات السياسية، سواء على المستوى المحلي أو الإقليمي أو الدولي. وهذه الأمور يجب الفصل بينها، وأن تتخصص الجمعيات الخيرية في العمل الخيري البحت، وتترك الأمور الأخرى للجمعيات المتخصصة بذلك.
 
2- الشفافية: لم يعد من المقبول الآن أن تعتمد الجمعيات الخيرية على ثقة الناس بها في إدارة وتوجيه أمور الخير، ولكن يجب أن يكون هناك نظام محاسبي، وإدارة مالية دقيقة، ولوائح صرف تحدد بالضبط كيفية تسجيل هذه الموارد وضوابط صرفها، وأن تكون هذه الكشوف متوفرة لمن أراد الاطلاع عليها.
 
3- بناء القدرات: العديد من الجمعيات الخيرية بحاجة إلى بناء قدراتها الإدارية والتنفيذية، بحيث تستطيع أداء عملها على أكمل صورة بنفسها، أو باختيار شركاء جيدين يمكن الاعتماد عليهم في التنفيذ.
 
4- التنسيق مع إدارات الدولة المختلفة، سواء في البلد المانح أو المستقبل، واحترام نظم وقوانين تلك الدول، والتغلب على العراقيل والروتين بعقد الاتفاقيات مع الحكومات والمؤسسات القانونية، وليس عبر اللجوء إلى الطرق غير القانونية، وإن كانت هي السائدة في هذا البلد أو ذاك؛ لأن مثل هذه الأمور ستجعل الجمعيات الخيرية في خط أمني وقانوني توابعه غير مأمونة، وقد يسبب الكثير من الإحراج لحكومات الدول التي تنتمي إليها تلك الجمعيات.
 
السيد عدنان التأثيرات الداخلية للدولة
ويري السيد عدنان جلال ـ رئيس جمعية حوار البحرين ـ أن العمل الخيري يتأثر بالمتغيرات السياسية في دول الخليج بحسب التوجهات السياسية لنظام الدولة وللمتغيرات الداخلية السياسية؛ فالمؤسسات الخيرية بالخليج  لا تتأثر بالمتغيرات السياسية بالخارج بقدر تأثرها بالسياسيات الداخلية؛ وذلك لأنها لا تتلقى أو تحصل على أي منح من الدول المانحة بشكل مباشر، وإنما عبر مؤسسات  الدولة الرسمية. فيقول إن هناك بعض دول الخليج اتجهت إلى مراقبة المؤسسات الخيرية من حيث مواردها و اتجاهات صرف أموالها؛ وذلك لتجنب دعم جهات إرهابية أو سياسية معارضة. وهناك أخرى  تتأثر بالعملية الديمقراطية والسياسية من خلال مساندتها لشخص أو كتلة معينة مترشحة للانتخابات، فترى أن هذه المؤسسة الخيرية تقوم بعملية التبرع أو التواصل مع الناس من أجل أغراض انتخابية. ويضيف أن تمنح المؤسسات الخيرية الخليجية حرية في العمل مع فرض نظام الشفافية على تقارير هذه المؤسسات، بحيث تكون متاحة للجميع لكي يطلع عليها ويتعرف على سياسة صرف أموال العمل الخيري.
 
رجب الدمنهوري الحرب على الفقراء
وأضاف رجب الدمنهوري ـ مدير تحرير مجلة العالمية الناطقة باسم الهيئة الخيرية الإسلامية العالمية ـ بأنه  لا شك في أن العمل الخيري الخليجي يتأثر مدا وجزرا بالمتغيرات السياسية الإقليمية والدولية، وتختلف مساحات التأثير من دولة إلى أخرى، استنادا إلى اعتبارات عديدة، منها: مدى شفافية العمل الخيري، ومدى التزام القائمين عليه باللوائح والقوانين، و موقف النظام الحاكم من العمل الخيري واستعداداته للدفاع عنه في مواجهة الأقاويل والاتهامات التي اعتادت بعض الجهات المغرضة إطلاقها بين الحين والآخر. وما زلنا نذكر أحداث الـ 11 من سبتمبر وتداعياتها، وما صاحبها من حملة عالمية واسعة النطاق ضد العمل الخيري في مختلف الأقطار الإسلامية. وقد أسفرت هذه الحملة الشرسة عن إغلاق بعض المنظمات الإنسانية، وتجميد أموال بعضها، وملاحقة بعض القائمين عليها بدعوى تمويل الإرهاب. وأضاف أنه بفعل هذه السياسات، التي  تعتبر بالدرجة الأولى بمثابة إعلان حرب على الفقراء والمساكين ما زالت تأثيراتها قائمة،  أضحى العمل الخيري محل شبهة، وبدأ بعض الناشطين في هذا المجال يعزفون عن الاستمرار فيه؛ تجنبا للملاحقة، كما تراجع بعض المحسنين عن التبرع إيثارا للعافية، ولم يقف الأمر عند هذا الحد؛ فقد توقفت العديد من المشاريع الخيرية، وقطعت المساعدات عن عشرات الآلاف من الأرامل واليتامى وطلبة العلم والمساكين، وأغلقت مئات المدارس  والمستشفيات ومراكز تحفيظ القرآن الكريم، وغيرها من المشاريع الخيرية والتنموية. 
 
الرقابة الغربية
ويتعجب من الدول العربية والإسلامية، التي تلقب ـ تأدبا ـ بدول العالم النامي، أنها تعاني في كثير من المناطق من فقر مدقع، ورغم أن العمل الخيري يقوم بدور تنموي وإنتاجي، ويقدم شراكة حقيقية لهذه الدول عن طريق مكافحة الفقر وتعزيز مسيرة التنمية، إلا أن هذه الدول استجابت  للضغوط  الغربية المناوئة للعمل الخيري، وساعدتها في تحجيمه، بل وأكثر من ذلك فقد فتحت أبوابها للوفود الغربية لمراقبة العمل الخيري وحساباته المالية، والتعرف على موارده وأوجه صرفها، فضلا عن أن هذه الممارسات أدت إلى عرقلة التحويلات المالية، إما بالمحاصرة المالية، أو عبر إعاقة توصيلها إلى مشاريع العمل الخيري هنا وهناك،  كما أدت إلى تجميد أرصدة بعض المنظمات بدعوى تجفيف المنابع المالية للإرهاب. وقد تابعنا نماذج صارخة في هذا الشأن؛ إذ صودرت أموال شخصيات وجمعيات ترتبط بالعمل الإغاثي والخيري في الأراضي الفلسطينية التي توفر قسما كبيرا من الاحتياجات الأساسية للشعب الفلسطيني الذي يكتوي بنار الفقر  والحصار والبطالة وغيرها من صور انتهاكات حقوق الإنسان الناجمة عن الاحتلال الصهيوني، وفرضت  تشريعات و لوائح مقيدة لحركة العمل الخيري في بعض الدول، كما وضعت قيود شديدة على آليات جمع التبرعات.  
 
تفعيل دور المنظمات
ويرى أنه على المنظمات الخيرية الإسلامية إبراز مشاريعها التنموية إقليميا ودوليا، والدخول في شراكات عمل مع المنظمات الإنسانية والدولية التابعة للأمم المتحدة وغيرها، وتشكيل منظمة تنسيقية مستقلة تتولى التنسيق بين المنظمات الناشطة في هذا المجال. وهناك كيانات قائمة تقوم بهذا الدور، مثل: المجلس الإسلامي العالمي للدعوة والإغاثة، الذي يترأسه شيخ الأزهر، إلا أن المجلس يحتاج إلى تفعيل وتحمل المسؤولية إزاء ما يتعرض له العمل الخيري من حرب شرسة، كما شكل بعض الناشطين في الحقل الخيري الإسلامي، وخصوصا في دول الخليج، المنتدى الإنساني العالمي في لندن، وله فروع في دول عربية عدة منها: اليمن، والسودان، والكويت، وإندونيسيا، وتشارك فيه منظمات غربية وشخصيات دولية. ويسعى هذا المنتدى إلى إزالة العراقيل والتحديات عن العمل الخيري الإسلامي، والدفاع عن منظماته في المحافل الدولية، ودعم استقرارها للقيام بمهماتها الخيرية دون عراقيل. 
 
ويضيف  أن الاعتماد على تبرعات المحسنين فقط لم يعد أمرا كافيا  لاستقرار العمل الخيري الخليجي، خاصة في ظل الأزمات؛ فقد أثرت الأزمة المالية العالمية على موارد العمل الخيري، وبالتالي فالأخير يحتاج إلى التفكير في موارد ثابتة من قبيل الاستثمارات والوقفيات، وغير ذلك من الروافد الداعمة للنشاط الخيري. واعتقد أن دول الخليج سعت في هذا الاتجاه بدرجة أو بأخرى، غير أن الأمر يحتاج إلى مزيد من الاهتمام لمواجهة أي ظروف عارضة أو تقلبات سياسية، مثل التأثير الدولي الذي لم يستثن أي دولة عربية أو إسلامية، بل إنه كان يستهدف الدول المانحة الممثلة في الدول الخليجية بالدرجة الأولى، وقد أسهم  الضغط الدولي في إعاقة كثير من المشاريع الخيرية، ووقف بعض المؤسسات، وملاحقة أخرى،  كما حدث  في السعودية والإمارات ـ على سبيل المثال.  بيد أن العمل الخيري الخليجي يبقى له خصوصية؛ لان القائمين عليه لديهم عزيمة قوية، وقدرة على التحدي في الدفاع عن العمل الخيري؛ فالكويتيون ـ على سبيل المثال ـ يؤمنون بأن العمل الخيري هو سر من أسرار النعم التي يرفلون فيها، وكثيرا ما يرددون في خطابهم أن أهل الكويت جبلوا على العمل الخيري، وأنهم ورثوه عن الآباء والأجداد، وهذا الخطاب يردده كبار المسؤولين في الدولة، حتى إن بعض المسؤولين يرعى مشاريع ومؤسسات خيرية، وهذا يجعلنا نقول إن انعكاسات التأثير الدولي على الكويت بصفة خاصة تعتبر محدودة بالمقارنة بدول خليجية أخرى. 
 
هيثم الأزرعي الدول المانحة
ويضيف هيثم الأزرعي ـ مدير تنفيذي لمركز تمكين للمساعدة القانونية وحقوق الإنسان ـ بأن المتغيرات  السياسية تؤثر على العمل الخيري الخليجي، وكذلك تعزيز ثقافة حقوق الإنسان؛ فالدول المانحة لها تأثير على العمل الخيري ليس من منظور مادي فقط، بل من منظور عملي. لذلك  يجب على المنظمات الخليجية معرفة السبل  التي تدعم المؤسسات الخيرية وتعمل عليها، وبذلك تزيد فرص الدول الخليجية في الحصول على تمويل خارجي.
ويضيف لكي يحدث الاستقرار الاقتصادي للمنظمات الخيرية، ولا تتأثر بالمتغيرات السياسية، يجب التحصن بالقوانين الوضعية. (على أن تكون مكتوبة بطريقة عصرية). 
 
سيد أبو العلا العمل الخيري المصري
ويؤكد سيد أبو العلا ـ المدير التنفيذي لشبكة المنظمات الشابة ـ أن التغيرات الاقتصادية والأزمة المالية العالمية أثرت بشكل كبير على العمل الخيري المصري، ولدي تقارير من جمعيات مصرية تؤكد ذلك؛ حيث إن التمويلات الممنوحة من المؤسسات الأوربية والأميركية تكاد تكون تقلصت للنصف هذا العام؛ فقد أثرت الأزمة الاقتصادية على رؤوس الأموال التي كانت تضخها المؤسسات المانحة للمؤسسات الخيرية، فعندنا مثلا شركة فورد، أكبر شركة سيارات في أمريكا، والتي تمتلك مؤسسة مانحة لمشاريع التنمية وحقوق الإنسان في الشرق الأوسط، عندما تعرضت لأزمة اقتصادية كادت تشهر إفلاسها؛ على أثرها كان من الطبيعي أن يؤثر ذلك على المؤسسة المانحة التابعة لها، والمعروفة باسم فوندشن. وبالقياس على ذلك؛ نجد أن رؤؤس الأموال الكبيرة قد تأثرت بالأزمة الاقتصادية، وبالتالي قلت نسب الضرائب المدفوعة، والتي كانت تخصم منها أموال التبرعات، وهكذا تأثر رأس المال في كل الدول، وخاصة دول الخليج، والتي كانت تبث تبرعات طائلة لمناطق متفرقة من الوطن العربي، والتي تقلصت تأثرا بالأزمة الاقتصادية.
 
أما مصر، والتي تتميز برؤوس الأموال الصغيرة، فقد تأثرت بالأزمة؛ فعندنا نسبة الزكاة تحسب على المدخرات، وحيث إن الأزمة المالية سببت قلة السيولة أو قلة المدخرات، فبالتالي نقصت أموال الزكاة التي كانت تساهم في تنمية المشاريع الخيرية.
 
ويبدو أننا لا نستطيع الفصل بين المتغيرات السياسية و العمل الخيري؛ لهذا على المؤسسات الخيرية أن تكون مستعدة لمواجهة أي تغيرات على الساحة الدولية.