الأزمة العالمية " طوفان نوح " على المرابين والمحتكرين
2 فبراير 2009 - 7 صفر 1430 هـ( 1452 زيارة ) .
القاهرة: يوسف عبد الوهاب
 
شدد رئيس الغرف الإسلامية للتجارة والصناعة، ورئيس مجلس اتحاد البنوك الإسلامية في العالم ـ الشيخ صالح كامل ـ على ضرورة توظيف  حصيلة الزكاة في الدول الإسلامية عبر كيان مؤسسي يضمن إنفاقها في مصارفها الشرعية التي حددها القرآن الكريم. معتبرا أن الانعكاسات الخطيرة للأزمة المالية العالمية على اقتصاديات الدول الإسلامية تستوجب سرعة تعامل الحكومات أو مؤسسات المجتمع المدني بشكل مؤسسي مع الزكاة تحصيلا وإنفاقا.  وقال في مقابلة مع "مداد" ـ على هامش استضافته في الصالون الفكري لسفير خادم الحرمين الشريفين بالقاهرة هشام محيي الدين ناظر ـ :" الزكاة لم تكن مجرد معونة وقتية لسد حاجة عاجلة للفقير وتخفيف شيء من بؤسه؛ بل كان هدفها في الإسلام القضاء على الفقر، واستئصاله من المجتمع. كما لم تكن مجرد خلة حسنة من خلال الخير، كما في الأديان الأخرى، بل هي ركن أساسي من أركان الإسلام،  وليست إحسانًا اختياريًا ولا صدقة تطوعية، وإنما هي فريضة وحق قرره الله تعالى، وفرضه على من استخلفهم من عباده في المال، كما أنها تخالف تماماً الضرائب والمكوس التي كان يجبيها الملوك والأباطرة، التي كانت كثيرًا ما تؤخذ من الفقراء لترد على الأغنياء، وتنفق على أبهة الحاكمين، وترفهم، وإرضاء أقاربهم وأنصارهم، وحماية سلطانهم من الزوال؛ ولهذا كان تعبير القرآن الكريم:(خذ من أموالهم صدقة)". (التوبة: 103)
 
وأكد  الشيخ صالح كامل على أن المسلم الموسر مطالب بأداء هذه الفريضة، وإن فرطت الدولة في المطالبة بها؛ فهي عبادة يتقرب بها المسلم إلى ربه، ويزكي بها نفسه وماله، فإن لم يطالبه بها السلطان، طالبه القرآن. وقال: "إن حصيلة الزكاة لم تترك لأهواء الحكام، ولا لتسلط رجال الكهنوت، كما كان الحال في بعض الأديان السماوية؛ بل حدد الإسلام مصارفها ومستحقيها كما في آية: (إنما الصدقات للفقراء والمساكين)". (التوبة: 6). وقال إنه أمضى أكثر من عشرين عاماً يبحث في الآثار الاقتصادية لفريضة الزكاة بوصفها  الركن الثالث في الإسلام، لكونها منهجا اقتصاديا متكاملا، ليس الهدف منه تجميع حصيلة من المال وتوزيعها لإغناء الفقراء فقط، ولكن توزيع الأنصبة والمقادير حسب أوجه النشاط ما بين تجاري وزراعي وصناعي ينطوي على حكمة إلهية تعلي من شأن الإنتاج الصناعي في المجتمعات الإسلامية لانخفاض مقدار الزكاة المقدرة عليها. ما يعني بالتبعية أن تدور العجلة الاقتصادية لتقضي على البطالة والتضخم.
 
هيئة عالمية للزكاة
وكشف الشيخ كامل عن مساع تجري لتأسيس الهيئة العالمية للزكاة في الغرفة التجارية الإسلامية للصناعة والتجارة. وبين أن هذا التصور عرض على مجمع البحوث الإسلامية في القاهرة، وأقروه من الناحية الفقهية، كما بحثته هيئة كبار العلماء بالمملكة، وأبدوا موافقتهم ـ أيضاً ـ عليه. وأوضح أن قضية زكاة "الركاز" محل اختلاف كبير بين الفقهاء، وإن كانت تنسب في التاريخ الإسلامي إلى ما يسمى "بيت مال المسلمين"، وهو كيان لم يعد له وجود مادي ملموس في الوقت الراهن.
 
صندوق وقفي لدعم التعاون الإسلامي
وأشار الشيخ صالح كامل إلى عزم الغرفة الإسلامية  إنشاء صندوق وقف خاص، والاستفادة من ريع الوقف المقترح في دعم مشاريع تنشد تنمية المجتمعات والجماعات المسلمة وخدمة أهداف الغرفة الإسلامية، مثل: إقامة منتديات لرجل الأعمال المسلمين في البلدان الإسلامية. مشيرا إلى أن  الغرفة الإسلامية تستهدف القضاء على الفقر في العالم الإسلامي، ونشر قيم التضامن والتكافل، وإحياء القيم الأخلاقية في المعاملات التجارية، ونشر الوعي بعلم الاقتصاد الإسلامي، وتفعيل التعاون والتنسيق مع منظمة المؤتمر الإسلامي ومؤسساتها المعنية؛ لتحقيق التضامن الإسلامي، ومواجهة التحديات التي تجابه الأمة من خلال تشجيع التعاون لإبرام اتفاقات بين المنظمات والاتحادات الاقتصادية في البلدان الإسلامية، وتعزيز العلاقات مع المنظمات الدولية، مثل: الأمم المتحدة ومؤسساتها المتخصصة، ومنظمات التجارة الدولية؛ بغية تعزيز دور القطاع الخاص في عملية التنمية الاجتماعية الاقتصادية.
 
ودعا رئيس الغرفة الإسلامية للتجارة إلى تعظيم الدور الاجتماعي لرجال الأعمال في مكافحة الفقر وتقليل الفوارق الطبقية بإخراج الصدقات، وتمويل مشروعات خيرية تخدم المجتمع. وأكد أنه يعرف  رجال أعمال كثر  يقومون بالمساهمة في المشروعات الخيرية أو تبني مشروعات اجتماعية متكاملة، لكن بعضهم يفضل أن  يكون نشاطه  الخيري  غير معلن، وفي المقابل هناك فريق من  رجال الأعمال يمارسون العمل التطوعي على أساس أنه جزء من الرياء  والدعاية  السياسية والاقتصادية لمصانعهم ومجموعاتهم الاستثمارية. وشدد على  ضرورة إعادة النظر في أن المسؤولية الاجتماعية لرجال الأعمال تكثر في الأزمات والكوارث فقط، بينما لا تتحول إلى مشاركة اجتماعية دائمة.
 
وأشار الشيخ صالح  كامل إلى  أن بعض المستثمرين من أهل الخير والعطاء لا يفرقون   بين  المسؤولية الاجتماعية بمعناها الواسع والعمل الخيري، مؤكدا أن العمل الخيري لرجل الأعمال جزء من مسؤوليته الاجتماعية كمسلم، ويشمل جوانب كثيرة، منها: الالتزام بالمواصفات القياسية في إنتاج السلع وتقديم الخدمات، ومراعاة الاشتراطات الصحية والبيئية ومباديء حقوق الإنسان، والالتزام بالمنافسة العادلة، والبعد عن الاحتكار والغش والتدليس، وإرضاء المستهلك. مؤكدا أن المسؤولية الاجتماعية أعمق من أن تكون تبرعات من قبل رجل الأعمال للمحتاجين في المجتمع.
 
روعة الإسلام في تحقيق الانضباط الاقتصادي والتكافل الاجتماعي
أكد رئيس الغرف الإسلامية للتجارة أن أروع ما في الإسلام القواعد الاقتصادية التي أتت في القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة، وأنه لو فهمناها وطبقناها لقدمنا للبشرية هدية تجعلها تعيش في رغد العيش. وأعرب عن تمنياته بألا تكون الأزمة العالمية هي طوفان نوح الجديد. وقال إنه لا يستطيع أحد التنبؤ بزمن انتهائها، وأن السفينة إلى الآن في محيط هائج لم تر ميناء لترسو فيه بعد. وقال: "إن سبب هذه الأزمة هي المعاملات الربوية؛ مصداقاً لقول الله ـ تبارك وتعالى:  "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ  فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ " [البقرة:278 ، 279].  وقوله تعالى: "قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ  يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ". [المائدة:15 ، 16]. وقول رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ :" إذا ظهر الزنا والربا في قرية أذن الله بهلاكها ". 
 
وحول ملامح الاقتصاد الإسلامي ومدى قدرته على اجتياز الأزمة العالمية، أوضح الشيخ صالح كامل أن هذه الأزمة جاءت لتؤكد عدداً من القواعد الاقتصادية الإسلامية بواقع ملموس، عندما تصل الفائدة في الولايات المتحدة الأمريكية إلى ما يقرب الصفر، باعتراف أن التمويل بتكلفة ضار بالاقتصاد، وهذا جواب على كل من يشكك في أن فوائد البنوك هي الربا المحرم؛ حيث  حرَّمت الشريعة كافة صور وصيغ وأشكال بيع الدين بالدين، مثل: خصم الأوراق التجارية، وخصم الشيكات المؤجلة السداد، كما حرَّمت نظام جدولة الديون مع رفع سعر الفائدة، و نهى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ  عن بيع الكاليء بالكاليء. (بيع الدين بالدين) وهو ما انتبه إليه خبراء وعلماء الاقتصاد الوضعي، ووضعوه من الأسباب الرئيسية للأزمة المالية المعاصرة، وهو  قيام بعض شركات الوساطة المالية بالتجارة في الديون. 
 
وفي المقابل تميز النظام المالي والاقتصادي الإسلامي بمبدأ التيسير على المقترض الذي لا يستطيع سداد الدين لأسباب قهرية، حيث يقول الله ـ تبارك وتعالى ـ: "وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ".  [البقرة:280]. مشيرا إلى أن من أسباب الأزمة  الحالية توقف المدين عن السداد، وقيام الدائن برفع سعر الفائدة، أو تدوير القرض بفائدة أعلى، أو تنفيذ الرهن على المدين وتشريده وطرده؛ وهو ما أدى لأزمة اجتماعية وإنسانية داخل المجتمع الأمريكي والمجتمعات الغربية، و تسبب في  العديد من المشكلات النفسية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية، وغير ذلك.
 
وفي مقارنة بين النظام المالي الإسلامي والنظامين الرأسمالي والاشتراكي،  أكد مثالية النظام الإسلامي في استناده على منظومة من القيم والمثل والأخلاق، مثل: الأمانة، والمصداقية، والشفافية، والبينة، والتيسير، والتعاون، والتكامل، والتضامن؛ فليس هناك اقتصاد إسلامي دون أخلاق. و تحرم الشريعة  المعاملات المالية والاقتصادية التي تقوم على الكذب، والمقامرة، والتدليس، والغرر، والجهالة، والاحتكار، والاستغلال، والجشع، والظلم، وأكل أموال الناس بالباطل. كما  يقوم على قاعدة المشاركة في الربح والخسارة، و التداول الفعلي للأموال والموجودات، ويحكم ذلك ضوابط الحلال الطيب، والأولويات الإسلامية، وتحقيق المنافع المشروعة، والغنم بالغرم، والتفاعل الحقيقي بين أصحاب الأموال وأصحاب الأعمال والخبرة، والعمل وفق ضابط العدل والحق، وبذل الجهد، وكل هذا يقلل من حدة أية أزمة؛ حيث لا يوجد فريق رابح دائماً أبداً، وفريق خاسر دائماً أبداً، بل المشاركة في الربح والخسارة، وهي أمور تفتقد إليها النظم الوضعية. وضرب مثلا بعدد من خبراء  الاقتصاد العالمي، ومنهم الذين حصلوا على جائزة نوبل في الاقتصاد، مثل: موريس آليه، أوضحوا أن النظام الاقتصادي الرأسمالي يقوم على بعض المفاهيم والقواعد التي هي أساس تدميره.