الورقة السادسة - من "ملف الأزمة المالية"
15 ديسمبر 2008 - 17 ذو الحجة 1429 هـ( 1405 زيارة ) .
رئيس جامعة الإيمان اليمنية.. الشيخ  الزنداني لـ(مداد):
 
على الجمعيات الخيرية أن يكون لها استثمارات ووقفيات خيرية لتنمية مواردها باستمرار
 
الأزمة الاقتصادية لها تأثير بالغ على الجمعيات الخيرية.. والنظام الرأسمالي أزماته متواصلة
 
العصبية الدينية الغربية تصده عن البحث عن الحق الذي أنزله الله سبحانه وتعالى..
 
أسواق المال والبورصات والبيع الغرر من الأسباب الرئيسية لنشوء الأزمة الحالية
 
الشريعة الإسلامية الأكفأ لحل مثل هذه الأزمات الاقتصادية
 
حاوره :جمال الهمداني ــ  صنعاء
 
أكد الشيخ عبد المجيد بن عزيز الزنداني ـ رئيس جامعة الإيمان اليمنية ـ أن للأزمة الاقتصادية والمالية التي تدور رحاها الآن في العالم آثارا سلبية على مشروع مكافحة الفقر في العالم.. وقال الزنداني في حديثه لـ"مداد": عندما يصاب الغني بالفقر سيحاول أن يعوض ما أصابه لزيادة دخله، وبالشح في مساعدة الفقراء، وسوف لن يكترث للقضايا الأخلاقية وللقضايا الإنسانية، ولن ينتبه إلا لمصالحه، ولذلك يجب علينا أن ننتبه أن هذه الكارثة جاءت بالركود الاقتصادي الذي بدأ الآن يغزو أمريكا وأوربا وكذلك شيئا من اليابان، وسيمتد إلى أماكن كثيرة.. هذا معناه قلة الإنتاج، وبالتالي عدم توفر المنتجات من الضروريات والحاجيات ـ وخاصة الأغذية والأطعمة والأدوية ـ وبشكل كاف، وهي من الأشياء الضرورية فعلاً.. فعلى الأمم وعلى الشعوب الإسلامية أن تمتلك وتتبع سياسات تسعى فيها لأن تستغني بمواردها الزراعية، وأن تطور من أساليبها لإنتاج أدويتها، وأن تطور مصانعها المنتجة للأدوية والأغذية، وفي بقية المنتجات الضرورية لغذائها وملبسها، وغيرها من السلع والخدمات الضرورية التي لا تزال تستوردها من غيرها من الدول.. وكذلك في سائر المجالات التي لا بد للناس أن يستغنوا بأنفسهم عنها، و لا يحتاجون لغيرهم ليمدهم بها"..
 
الأثر على الجمعيات الخيرية
وأكد الزنداني ..أن الأزمة الاقتصادية سيكون لها تأثير على أنشطة ومهام الجمعيات والمؤسسات الخيرية.. وقال: "قطعاً كلها ستؤثر على مهام وأنشطة الجمعيات والمؤسسات الخيرية ومدى حصولها على العون والمساعدات المحلية والخارجية.. فالذي كان ينفق ويتبرع لهذه الجمعيات والمؤسسات الخيرية  بألف ريال ـ على سبيل المثال ـ إذا وقع تحت طائلة الأزمة الاقتصادية العالمية ـ وإن كان لا يزال محسناً ـ سيتبرع بأقل من ذلك؛ لأنه واقع في دائرة الأزمة المالية العالمية، وتفكيره سيكون منصباً على كيفية تعويض خسائره في أسواق المال والبورصة، وكيفية جني وتعويض ما فقده، وسيكون مشغولاً بهذه الظروف، ومهما كان سوف يعيد التفكير في حجم التبرعات التي ينفقها أو سيقدمها لهذه الجمعيات والمؤسسات الخيرية.. ولذلك يجب أن تحرص هذه الجمعيات الخيرية على أن يكون لها استثمارات ووقفيات خيرية، وتعمل على تنمية مواردها باستمرار؛ حتى لا تكون واقعة تحت رحمة مثل هذه الأزمات"..
 
خصائص النظام الرأسمالي
وقال الزنداني .. أن من خصائص النظام الرأسمالي أن أزماته متواصلة..  مضيفا: بعد الحرب العالمية الثانية ظهر نظامان عالميان يستقطبان العالم، وركز عمل هذين النظامين على الاقتصاد.. وكان الناس ينتقدون النظام الشيوعي الاشتراكي؛ لأنه يقتل الحافز عند الفرد لأنه يعمل ولا يملك شيئا من نتائج عمله، حتى تجلت الأمور وتفوق الغرب على الشرق؛ بسبب أن هناك في الغرب حوافز شخصية تحرك الناس جميعاً وتدفعهم نحو العمل ونحو التطور ونحو الإنتاج ونحو التحسين، وتم الاعتراف بذلك، وسقط النظام الشيوعي بعد مغامراته التي قام بها في أفغانستان، وظلمه لشعب أفغانستان.. وبسقوط الشيوعية تخلى الناس عن هذا الفكر الغربي، وكان المسلمون يقولون هذه الشيوعية والأفكار الاشتراكية فيها بعض المعاني الطيبة الصحيحة التي تندرج تحت الشريعة، والشريعة تؤكدها وتدعو إليها، ولكن بمنهج شرعي متوازن صحيح متميز .. وكان العلماء والدعاة المسلمون كذلك إذا نظروا إلى النظام الرأسمالي يذكرون عيوبه في أنه لا يُطْلَقُ الإنسانُ بغير قيود، فينطلق مع أهوائه ومصالحة وشهواته الفردية، وهم يرفعون شعار "دعه يمر دعه يعمل"؛ يعني: كيف ما كان لا تتدخل في شؤونه "خليه يشتغل، خليه ينتج".. فانطلق هذا النظام الرأسمالي الحر. وكانوا يجدون باستمرار أن من خصائص هذا النظام الرأسمالي أنه يحدث أزمات؛ لأنه عندما ينطلق الإنسان بدون ضوابط، بدون نظام، بدون مراعاة لحقوق الناس .. وراء جشعه، وراء أنانيته ومصالحه الخاصة، واحتكاراته، وظلمه، وحيله، وقماره، ورباه، وغشه، وخداعه، والبيوع غير الصحيحة ـ كانوا يجدون النتيجة أنه ما تمر عشر سنوات، عشرين سنة، ثلاثين سنة إلا ووقعوا في أزمة.
 
مؤكدا إن من طبيعة النظام الرأسمالي المنفلت أنه لا ضوابط له تحمي الضعفاء وتحمي مجموعة الشعب من تغول الأفراد وأهل الأفراد وتسلطهم على الحكام، وتسلطهم على الأسواق..كان يتراكم .. يتراكم .. يتراكم.. فتحدث أزمة كبيرة، فيبدؤون في علاجها، وينتهون من أزمة إلى أزمة..ومن أزمة إلى أزمة.. وأصبح هذا من سمات وصفات النظام الرأسمالي..
 
عدم جدوى المعالجات
ونوه رئيس جامعة الإيمان اليمنية.. إلى عدم جدوى المعالجات التي تقوم بها الدول الغربية للخروج من هذه الأزمة .قائلا:الآن هذه الأزمة المالية سيقومون بعلاجها على اختلاف درجات العلاج، واختلاف درجات الأثر بحسب قوة البلدان وضعفها وعزمها وتصميمها وقوة اقتصادها، لكن ستمر سنوات أخرى، ويقعوا في أزمة جديدة .. وقد لاحظ الناس في هذه الأزمة أن البنوك الإسلامية لم تخسر، بينما خسرت كل البنوك الأخرى، فبدؤوا يتساءلون ما السبب؟ ..مع أن البنوك الإسلامية موجودة في نفس المجال وفي نفس المكان وفي نفس الظروف.. فبدأ الناس يتطلعون إلى هذا النظام الإسلامي البديل.. النظام الإسلامي الذي كان دائماً أهله يبينون أنه الحق الكامل؛ لأنه من عند الله سبحانه وتعالى.. فجاءت هذه الأزمة فلفتت انتباه الناس..
 
البورصات والبيع الغرر
وأكد الشيخ..أن أسواق المال والبورصات والبيع الغرر تعد من الأسباب الرئيسية لنشوء الأزمة الاقتصادية والمالية الحالية.. وقال:أيضاً البورصات والأسواق المالية.. هذه الأسواق المتتبعون لعملها وسيرها يجدون في النهاية أنها تقوم على القمار.. تقامر.. هذا السهم سيكسب.. هذا السهم سيخسر.. أي ليس هناك قواعد صحيحة لتثمين هذه الأسهم وإعطائها قيمها.. وإنما شيء يشبه القمار، وحيل، وبيع ما لا يملك.. يبيع شيئا ليس بيده ولا تحت تصرفه.. والثاني يأتي لشراء ما لا يملك.. وهكذا من لا يملك يبيع إلى من لا يملك.. ويشتري سلعة ليست بيده.. وكذا بيع الغرر الذي يقع في هذه الأسواق المالية، وكله مخالف للشريعة الإسلامية.. بالإضافة إلى الربا أيضاً الذي يدمر الحياة، ويجعل طائفة من الناس بأموالها تكسب وتسيطر على الأموال وجهود الناس جميعاً، ودائماَ هي تكسب، والناس يكسبون ويخسرون.. وفي النهاية المال كله يؤول إلى أيدي هؤلاء الذين يكسبون على الدوام وهم مرابون"..
 
"نعم للقرآن".."لا للبابا"..
وقال الزنداني: إن هذا كله بدأ يلفت أنظار المفكرين الاقتصاديين في الغرب إلى النظام الإسلامي، حتى إن أحدهم من كبار الصحفيين كتب مقالاً في إحدى الصحف المشهورة يقول فيها: "نعم للقرآن".. "لا للبابا".. شيء بهذا المعنى.. يقول لـ"البابا": لا؛ لأن البابا كان يبارك ويوافق على النظام الربوي والأنظمة التي دمرت الاقتصاد العالمي، والتي نجني الآن مُرَّها.. وكتب: " نعم للقرآن" و"شكراً للقرآن" الذي كان ولا يزال يحرم على قومه وعلى أهله أن يتعاملوا بهذا النظام الاقتصادي..وأن يصلوا إلى النتائج التي نراها اليوم.. كما أن البنوك الإسلامية التي لم تتعامل بالربا سلمت ونجت، حتى إن هناك الآن"نشر مؤخراً" بأن هناك مطالبات بإدخال نظام الاقتصاد الإسلامي في فرنسا للدراسة "لكي يدرسوه".. وقطعاً الناس وإن كان لهم خلفية ثقافية فيها عداوة للإسلام فإن الحقائق تبقى حقائق.. وفي الحقيقة أن في هذا النظام الرأسمالي عوامل فنائه.. وأن في ذاته عوامل فنائه..فيه.. ومهما عالجوه فإن أزماته سوف تتكرر .. وتتكرر أزماته.. ومن أزمات إلى أزمات.. ولن تجدي هذه المعالجات نفعاً؛ لأنها معالجات آنية تعالج الأزمة الخانقة ولا تعالج السبب الكامن وراء هذه الأزمة"..
 
باب العصبية الدينية
وفيما إذا كان للأزمة المالية الحالية علاقة دينية أو أنها اقتصادية بحته.. قال الزنداني: إن القوم في الغرب قد تركوا الدين جانباً من زمان عندما أقاموا الدساتير العلمانية، وإذا سألوا القسيس فإنما يسألون للاستئناس لا للعمل.. ولا يرجعون إلى الكنيسة في أمورهم، ولكن يرجعون إلى البرلمانات ويرجعون إلى مراكز البحوث.. فهذا له علاقة دينية من جهة أخرى أنهم لم يأخذوا بالنظام الإسلامي الشرعي؛ لأنه دين إسلامي.. كما قال أحد الاقتصاديين الألمان بعد أن أقامت البنوك الإسلامية دورة عن نظام الاقتصاد الإسلامي في ألمانيا استغرقت عشرة أيام .. فوقف مستشار الحكومة الألمانية ومستشار الغرف الصناعية الألمانية معقباً ـ كما أخبرني بذلك الشيخ عبدالله مصلح الذي كان حاضراً في ذلك المؤتمر ـ قال: وقف وقال: (لقد علمنا أننا نسير في طريق مسدود، وعلمنا أن المخرج لنا من هذا الطريق المسدود هو الاقتصاد الإسلامي، لكن الاقتصاد الإسلامي هو جزء من الدين الإسلامي).. وأن تأخذ ألمانيا بالدين الإسلامي..المسألة فيها نظر.. فهي من باب العصبية الدينية التي تحول بينهم وبين الحق.. وإن كان لها جانب ديني..أي عصبية..يتعصبون بأنهم ورثوا ميراثاً تاريخياً فيه عداوة للإسلام وكراهية للمسلمين.. فصدهم ذلك عن البحث عن الحق الذي أنزله الله سبحانه وتعالى..
 
الشريعة الإسلامية الأكفأ
وأكد الزنداني ..أن الشريعة الإسلامية هي الأكفأ لحل مثل هذه الأزمات.. وقال: "إن الله يقول: (فما يكذبك بعد بالدين أليس الله بأحكم الحاكمين)..والله يقول: (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً)..وقال تعالى: (قل ءأنتم أعلم أم الله).. فدين الإسلام شريعة حكمت الأمم الإسلامية ولا تزال تحكمهم في بعض الدول الإسلامية ـ مثل بلادنا اليمنية والسعودية ـ لا تزالان هاتان الدولتان وربما يكون هناك شيء في موريتانيا أو شيء في باكستان في بعض الأنظمة التي أدخلوها في الإسلامية، وما عجزت الشريعة وما قصرت الشريعة عن الاستجابة لكل مطالب الحياة؛ لأنها من لدن الحكيم العليم الخبير.. وليس هذا كلامي بل هذا كلام كبار الاقتصاديين الذين درسوا الإسلام وأنظمته"..
 
لدينا ..أصول الفقه الإسلامي
وعن مدى توفر اقتصاد إسلامي بديل يمكن أن نقدمه للناس ..قال رئيس جامعة الإيمان اليمنية: " ...لدينا أصول الفقه الإسلامي، وقواعد الاقتصاد الإسلامي موجودة في الكتاب والسنة، ومبينة.. وعلماء الاقتصاد الإسلامي اليوم في الحقيقة أنهم يتحركون حركة قوية ونافعة، وقد نجحوا في إيجاد شيء وهو البنوك الإسلامية ..وقبل عندما كنا في سن الشباب كان يحرجنا العلمانيون؛ يقولون: أين البديل للبنوك؟ هاتوا لنا بالبديل.. واليوم وجد البديل للبنوك.. ونحن الآن نتساءل عن البورصات..وعندنا البديل له..وقانون لنظام البورصات..قانون إسلامي..ونحن في جامعة الإيمان نسعى إلى ذلك..وقسم الاقتصاد الإسلامي لدينا يسعى إلى ذلك، وإلى الإعداد لقانون حول البورصة الإسلامية..قانون البورصة الإسلامية.. ويبدو أنه في دبي كذلك في شيء من هذه الجهود.. فرجال الاقتصاد الإسلامي الآن يسيرون بخطوات إلى الأمام ـ بفضل الله سبحانه وتعالى ـ  في هذا الشأن وفي هذا المجال"..
 
إلى العقلاء في البنوك
وقال الزنداني : نحن نقول للعقلاء في البنوك أن يستفيدوا من هذه الأزمة، ويبدؤوا بمراجعة تعاملاتهم..فإذا كان في فرنسا الآن مطالبة بتدريس الاقتصاد الإسلامي، وفي أوربا أيضاً مطالبات وأصوات ترتفع من حين لآخر بإعادة النظر في تعاملاتهم الرأسمالية السابقة والأخذ بنظام الاقتصاد الإسلامي بعين الاعتبار؛ لأنه مفيد لهم، ولأنه ينقذهم من هذه الهزات والأزمات الاقتصادية الخانقة، بل إن هناك باحثا اقتصاديا أوروبيا ممن حصل على جائزة نوبل يقول:" لن يكون هناك نظام اقتصادي مستقر إلا إذا تحقق فيه شرطان: الأول: أن تكون الفائدة ـ يعني نسبة الربا ـ تساوي صفرا، والشرط الثاني: أن تكون الضرائب التي تأخذها الحكومة لا تزيد عن (2%)..سبحان الله قارب أن يقول( 2,5%).. كما تحددها نسبة الزكاة"..
 
وختم  الشيخ الزنداني حديثه لـ"مداد":  إن العالم سوف يكشف أن هذا الدين(الإسلام)هو دين الله الحق في كل مجالاته وفي كل اتجاهاته..قال تعالى: (سنريهم آياتنا في الأفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق).. [فصلت : 53] وواجبنا أن نبين ما عندنا من الهدى؛ لأن الرسالة ليست لنا وحدنا كمسلمين، ولكنها رسالة الله تعالى إلى كل خلقه..فعلى الأمة الآن أن تقدم هذه الرسالة، وأن تنشرها بين الأمم، وأن تدعو لها والناس... مستجيبين الآن.