سلطان بن سلمان: «الإعاقة» تعيش نقلة نوعية انطلقت قبل عقدين من الزمن
7 مارس 2010 - 21 ربيع الأول 1431 هـ( 892 زيارة ) .

أكد الأمير سلطان بن سلمان بن عبد العزيز رئيس مجلس إدارة جمعية الأطفال المعوقين، أن قضية الإعاقة في المملكة تعيش نقلة نوعية انطلقت قبل أكثر من عقدين من الزمن، بدءا بتوفير منظومة من خدمات الرعاية والعلاج والتأهيل لأبناء هذه الفئة في المناطق كافة عبر عديد من المراكز المتخصصة التي تسابقت في إقامتها الدولة ومؤسسات العمل الخيري والقطاع الأهلي، مرورا بإقرار نظام وطني لحقوق المعوقين وواجباتهم ، وصدور عديد من الأنظمة والقوانين التي تتصدى لأسباب الإعاقة، ومنها: برنامج الفحص المبكر، وبرنامج الفحص قبل الزواج، وبرامج تطعيمات الأطفال، إضافة إلى سلسلة من التسهيلات لدمج المعوقين في المجتمع، وصولا للاهتمام الإعلامي والجماهيري بهذه القضية والتفاعل الملموس مع برامج الوقاية والعلاج والتأهيل والدمج والتوظيف والزواج للمعوقين. ويمكن القول إن جمعية الأطفال المعوقين لعبت دورا محوريا في تلك النقلة بتبنيها لأول مرة في المملكة استراتيجية إعلامية تهدف إلى بناء رأي عام واع بقضية الإعاقة وطرق تجنبها وبكيفية التعامل مع المعوق.


قبل أيام احتفلتم بوضع حجر الأساس للمركز العاشر لجمعية الأطفال المعوقين - مركز الباحة - كيف لكم في هذه المؤسسة الخيرية تحقيق معادلة «الاستمرار في خطط التوسع مع تصاعد نفقات التشغيل لمراكز الجمعية والالتزام بمجانية الخدمات»؟

أخذت جمعية الأطفال المعوقين على عاتقها إيصال خدماتها إلى المناطق التي تحتاج إليها وفقاً لاستراتيجية معلنة قوامها توافر دراسة ميدانية عن حجم الإعاقة في المنطقة ومدى الحاجة الفعلية لخدمات الجمعية، ومن ثم التعاون مع إمارة المنطقة في توفير الأرض اللازمة لمشروع المركز وللوقف الخيري المواكب له بحيث تخصص إيرادات الوقف لتوفير نسبة تعادل 50 في المائة من نفقات التشغيل، وعلى أن تتكاتف جهود أبناء المنطقة وأهل الخير في توفير تكاليف إنشاء المركز والوقف، وتقوم الجمعية من جهتها بحشد فريق العمل من المتخصصين وتبني عدد من البرامج التي تستهدف توفير الدعم الدائم للمركز، الأمر الذي يضمن - بمشيئة الله - استمرارية خدماته، وتعد تجربة مركز الباحة نموذجاً رائعاً في هذا الصدد، حيث بادرت أسرة المجدوعي مشكورة بتبني إنشاء المركز على نفقتها، في تفاعل مميز مع رسالة الجمعية وتلبية لحاجة ضرورية لأبناء المنطقة، والأمر نفسه تكرر بصورة مثالية من الدكتور ناصر بن إبراهيم الرشيد في مركز الجمعية في حائل والشيخ عبد الرحمن فقيه، والشيخ صالح صيرفي في مركز مكة المكرمة.

 

أطلقتم على جمعية الأطفال المعوقين لقب «جمعية وطن» .. هل لنا بالاطلاع على بعض ما حققته هذه المؤسسة على مدى 25 عاماً، خاصة في تصديها لقضية الإعاقة؟

على مدى 25عاما، فإن جمعية الأطفال المعوقين باتت واحدة من أبرز المؤسسات الخيرية المتخصصة في المملكة، وكان للجمعية تجربة متفردة تمازجت فيها جهود وطن بمؤسساته وأفراده، تجربة مؤسسة خيرية وطنية رائدة، تبنت قضية الإعاقة بشمولية ومنهجية علمية، جنى ثمارها المجتمع بأسره، وجعلت من قضية الإعاقة إحدى أولويات المجتمع الاقتصادية والاجتماعية، وأسهمت بشكل فاعل في بناء رأي عام واع، وقدمت خبراتها في المجالات كافة ذات العلاقة، كالتوعية، والتأهيل، والعلاج، والتعليم، والتدريب والمساهمة في استحداث تخصصات علمية في الجامعات لتوفير الكوادر البشرية المتخصصة، والعمل على تطوير الخدمات المقدمة للمعوقين داخل المملكة عبر المشاركة في إعداد النظام الوطني لرعاية المعوقين، الذي حظي بموافقة المقام السامي الكريم. ونستطيع أن نشير إلى أن الجمعية كانت دوماً صاحبة مبادرات غير مسبوقة في مجال العمل الخيري، وخدمة قضية الإعاقة، والبرامج التعليمية والتأهيلية، فقد أسست لمنظور جديد في مجال الإدارة الحديثة لمؤسسات العمل الخيري، واستيعاب التقنية، وإقامة شراكات طويلة المدى مع مؤسسات القطاع الخاص، والجهات الخيرية والعلمية والصحية، ومؤسسات الدولة. وتجسدت ريادة الجمعية في تبنيها منظومة من البرامج الإبداعية على صعيد التوعية، كبرنامج عطاء الطلاب، وبرنامج جرب الكرسي، وبرنامج الوقاية من الإعاقة وكيفية التعامل معها، وبرنامج مسابقة الأمير سلطان بن سلمان لحفظ القرآن الكريم للأطفال المعوقين، وكان للجمعية ريادتها في تنمية الموارد في إحياء سنة الوقف الخيري، كمصدر موثوق لدعم ما تقدمه مراكزها من خدمات مجانية للآلاف من الأطفال المعوقين في عدد من مناطق المملكة، كما أبرمت الجمعية كثيرًا من اتفاقيات التعاون مع الشركات والمؤسسات التجارية والمصرفية لتبني برامج مميزة لمساندة جهود الجمعية. وعلى صعيد خدمات الرعاية والتأهيل، كان للجمعية السبق في تأسيس أول مركز بحثي من نوعه في الشرق الأوسط، متخصص في شؤون الإعاقة هو «مركز الأمير سلمان لأبحاث الإعاقة» ـ لتلبية حاجة ملحة لمواجهة حالات الإعاقة المتزايدة في بلادنا, وملء الفراغ في مجال البحث العلمي حول الإعاقة ومسبباتها, ووسائل تفاديها وعلاجها، وعلى مدى سنوات ومنذ تأسيسه أسهم المركز في توفير قاعدة علمية لعدد من برامج الرعاية والتعليم والعلاج، وقدم خدماته لكثير من المؤسسات الوطنية المعنية بالقضية. كما قدمت مراكز الجمعية في كل من الرياض ومكة المكرمة, والمدينة المنورة, وجدة, والجوف, وحائل منظومة من الرعاية المتكاملة والشاملة, التي أسهمت في تأهيل الآلاف من الأطفال المعوقين, وتجاوزهم لظروف إعاقتهم، وتوجت الجمعية نجاحها في مجال الرعاية بتبني برنامج دمج الأطفال المعوقين، في مدارس التعليم العام، حيث يتم سنوياً دمج أكثر من مئة طفل بعد اكتمال تأهيلهم. ولترسيخ ثقافة الشراكة بين أبناء المجتمع، تبنت الجمعية برنامجاً للتحفيز يستهدف استقطاب الدعم والمساندة، تجسد في عدة محاور منها جائزة الجمعية، التي تقدم في ثلاثة فروع, هي: الخدمة الإنسانية، والبحث العلمي في مجال الإعاقة، والتميز للمعوقين. ومن بين محاور التحفيز أيضاً أقرت الجمعية لائحة للتسميات, تتضمن إطلاق أسماء المتبرعين والداعمين المتميزين على وحدات مراكزها وأقسامها؛ توثيقاً لعطائهم كقدوة تحتذى، كما دأبت الجمعية على تكريم شركائها في مناسباتها المختلفة تقديراً وعرفاناً لهم، وتوج ذلك بمنح العضوية الشرفية لأكثر من 200عضو كان لهم إسهامات رائدة. وفي إطار مسؤوليات الجمعية الوطنية وانفتاحها على مؤسسات المجتمع, تبنت الجمعية برنامجاً لتدريب طلاب الجامعات وطالباتها من منسوبي الأقسام المتخصصة والأطباء والدارسين، وباتت مراكز الجمعية مصنعاً لتخريج الكفاءات البشرية المتخصصة النادرة في قطاع الرعاية، والتأهيل, والعلاج, والتعليم للمعوقين.


بعد نحو ربع قرن من تعاطيكم مع قضية الإعاقة. هل يمكن القول إن رسالتكم وصلت للمجتمع؟

تعيش قضية الإعاقة في المملكة نقلة نوعية انطلقت قبل أكثر من عقدين من الزمن، بدءا بتوفير منظومة من خدمات الرعاية والعلاج والتأهيل لأبناء هذه الفئة في كافة المناطق عبر العديد من المراكز المتخصصة التي تسابقت في إقامتها الدولة ومؤسسات العمل الخيري والقطاع الأهلي، مرورا بإقرار نظام وطني لحقوق المعوقين وواجباتهم، وصدور العديد من الأنظمة والقوانين التي تتصدى لأسباب الإعاقة ومنها برنامج الفحص المبكر، وبرنامج الفحص قبل الزواج، وبرامج تطعيمات الأطفال، إضافة إلى سلسلة من التسهيلات لدمج المعوقين في المجتمع، وصولا للاهتمام الإعلامي والجماهيري بهذه القضية والتفاعل الملموس مع برامج الوقاية والعلاج والتأهيل والدمج والتوظيف والزواج للمعوقين، ويمكن القول إن جمعية الأطفال المعوقين لعبت دورا محوريا في تلك النقلة بتبنيها لأول مرة في المملكة استراتيجية إعلامية تهدف إلى بناء رأي عام واع بقضية الإعاقة وطرق تجنبها وبكيفية التعامل مع المعوق, واستثمرت الجمعية كافة الوسائل الممكنة في تنفيذ تلك الاستراتيجية والوصول إلى الفئات المستهدفة عبر آليات مبتكرة وبرامج توعية وتعريفية متميزة لقيت استجابة ملموسة، كما طرحت الجمعية قضية الإعاقة من منظور اقتصادي اجتماعي إنساني على صعيد الوطن لاستنهاض همم كافة القطاعات في التعاطي مع القضية، وتبنت الجمعية في هذا الصدد إقامة ثلاثة مؤتمرات دولية عن الإعاقة والتأهيل أثمرت حصادا من التوصيات العلمية والاجتماعية والطبية تم تفعيل معظمها بالتعاون مع الجهات المعنية.

 

وأنتم بصدد الاحتفال بالدورة الثانية من برنامج «العضوية الشرفية» في الجمعية .. ما تقييمكم لحجم تفاعل أهل الخير مع برامج الجمعية وخدماتها الخيرية؟

إننا نعيش في ظل بيئة خيرة, ووطن معطاء, تتناغم فيه طموحات القيادة, وتفاعل المواطن.وقد تسابق الجميع في بناء هذا الصرح الخيري, ومواصلة رسالته، بدءاً من قادتنا حفظهم الله مروراً بمؤسسات الدولة والباذلين، والآلاف من المتطوعين والداعمين، ومؤسسات القطاع الخاص، وكثيرة هي نماذج العطاء المشرقة، التي تم تسجيلها على مدى ربع قرن من مسيرة هذه المؤسسة الخيرية، وهناك نماذج تستحق الذكر للشكر؛ لأنها تقدم القدوة الحسنة، وتعكس صورة طيبة عن مجتمعنا، وبعيداً عن مبادرات الشركات والمؤسسات والمصارف الوطنية الكبرى، دعني أشير إلى بعض المبادرات الشخصية التي تعكس حجم تكافل وتراحم مجتمعنا: مبادرة الدكتور يحيى محمود بن جنيد الأمين العام لمركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية لدى فوزه بجائزة الملك فيصل العالمية – فرع الدراسات الإسلامية في عام 1998م، بالتنازل عن قيمة الجائزة لصالح الجمعية، ومحسن كريم قدم للجمعية مبلغ مليون ريال، وطلب أن يسجل التبرع باسم فاعل خير، ويرفض أن يذكر اسمه في سجلات الجمعية. والكثيرون يذيلون تبرعاتهم باسم فاعل خير، نجوم فنية ورياضية من أبناء المملكة تنازلوا عن النصيب الأكبر من حصتهم من - جائزة من سيربح المليون الذي يقدمه الإعلامي المعروف جورج قرداحي في تلفزيون MBC لمنفعة الجمعية. وأيضا مواطنة نظمت معرضاً وخصصت 30 ألف ريال من ريعه للجمعية في سنة 1419هـ، وفي برنامج عطاء الطلاب الذي تبنته الجمعية قبل سنوات قدمت طالبات ومعلمات حليًا ومجوهرات من مصاغهن دعماً لمشروعات الجمعية الوقفية. وقدم طلاب جميع مدخراتهم في خزانة التوفير الخاصة بهم، وآخرون ممن يحصلون على مصروف يومي من المدرسة لظروفهم الخاصة تبرعوا بنصف مصروفهم، وإحدى مدارس البنات في الرياض نظمت في سنة 1419هـ سوقاً خيرية، وتبرعت بريع السوق لصالح الجمعية، وتنازل الفنانون الفائزون بجوائز المعرض السادس للفن السعودي المقام سنة 1404هـ عن جوائزهم لصالح الجمعية. وأيضا التزام مجموعة من أصحاب السمو ورجال الأعمال والمؤسسات بتبرعات سنوية منذ أسست الجمعية، ومبادرة الشيخ عبد الرحمن فقيه والشيخ صالح صيرفي بإنشاء وتجهيز مركز الجمعية في مكة المكرمة كاملاً، ومبادرة الدكتور ناصر بن إبراهيم الرشيد بكافة تكاليف مركز الجمعية في حائل، والتزام الشيخ خالد بن عمر البلطان بتحمل تكاليف مركز الجمعية في الرس، والتزام الشيخ علي بن إبراهيم المجدوعي بكافة تكاليف مركز الجمعية في الباحة، وأيضا مبادرات المشاركة في إنشاء أوقاف خيرية لصالح الجمعية .


يرى البعض أن دور المرأة في الجمعية ما زال دون المأمول .. ما رأيكم؟

تقوم المرأة بدور كبير في الجمعية، ولها حضورها الفاعل في مختلف البرامج والأنشطة، لذا كان الاهتمام بالاستفادة من قدراتها وطاقاتها في بلوغ غايات الجمعية. ودعمًا للدور المتعاظم للمرأة، قررت الجمعية العمومية ضم عضوات لمجلس إدارة الجمعية اعتباراً من الدورة القادمة بمشيئة الله، إلى جانب الدور الملموس لبعض الأخوات في لجان الجمعية، كما تقرر معاضدة خطة فريق العمل النسائي في المراكز بلجان نسائية لدعم موارد الجمعية، وتعزيز حضورها من خلال تنفيذ أنشطة وفعاليات مساندة غير تلك المعتمدة في خطة وحدات تنمية الموارد والعلاقات النسائية في المراكز, سواء المقام منها داخل المركز أو خارجه.


أشرتم إلى أن الجمعية كانت لها الريادة في اللجوء إلى إحياء سنة الوقف الخيري كمصدر لتمويل برامجها الخيرية .. نود أن نلقي الضوء على استراتيجيتكم في هذا الصدد؟

يعد الوقف الخيري من أفضل أنواع البر والإنفاق في سبيل الله، ومن السنن التي تؤدي إلى التكافل والترابط والتراحم في المجتمع المسلم، وبث روح المحبة، والإخاء بين أفراده. والوقف يشكل دعامة من دعائم استمرار الأعمال الخيرية، وهو يعد من الصدقات الجارية، التي يستمر نفعها لخدمة المجتمع، وعمل صالح، عطاؤه بر مستمر يصل إلى المستهدفين، ويشمل فئة الأطفال المعوقين الذين ترعاهم وتؤهلهم الجمعية، وهو مطلب وواجب على عموم المستطيعين للإسهام فيه؛ لتستمر هذه السنة الحميدة، وتساهم بفاعلية في تلبية احتياجات المجتمع بكل فئاته. وفي حقيقة الأمر، فقد تنبهت الجمعية، في وقت مبكر، إلى أهمية الوقف، وأثره في دعم الأعمال الخيرية، وكان التخطيط مبكراً لإحياء هذه السنّة النبوية المباركة، بالتوجه إلى إنشاء مشاريع وقفية للجمعية في مناطق مراكزها يحبس فيها الأصل، ويسيل عائده ليشكل مصدر دخل ثابت يغطي جانباً كبيراً من نفقات تشغيل هذه المراكز، فمع تضاعف التزامات الجمعية، وزيادة نفقات تشغيل المراكز، برزت الحاجة إلى إيجاد مصادر دخل دائمة تسهم، إلى جانب التبرعات, في ضمان استمرارية خدمات الجمعية المجانية، وفي الرابع من ذي القعدة سنة 1420هـ تبنى مجلس الإدارة فكرة طرح برنامج متكامل للوقف الخيري، يكون مصدرًا دائمًا وثابتًا؛ لتوفير الدعم المادي الدائم لنفقات تشغيل مركز الجمعية. واقترح تشكيل لجنة عليا للوقف الخيري برئاسة الشيخ صالح بن عبد العزيز آل الشيخ وزير الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد، وعضوية عدد من الشخصيات العامة في المجتمع، ممن يتمتعون بالخبرة، والسمعة الحسنة، والمكانة الاجتماعية، ويحوزون ثقة المجتمع. وتولت اللجنة إعداد النظام الأساسي للوقف، شاملاً الأسس الشرعية والاستثمارية، وأسس استغلال موارده وصرفها، وأسس حفظ الأموال الموقوفة بالطرق الشرعية والنظامية، التي يطمئن إليها الواقف. وتتمتع لجنة الوقف بالاستقلالية عن مجلس الإدارة، ومنذ عام 1422 تم تفعيل برنامج الوقف في الجمعية، عقب افتتاح مركز المدينة المنورة ومبادرة الأمير سلطان بن عبد العزيز، ولي العهد نائب رئيس مجلس الوزراء ووزير الدفاع والطيران والمفتش العام الذي رعى افتتاح المركز، بالتبرع بمبلغ عشرة ملايين ريال، فتحت باب التبرعات لوقف المدينة المنورة، تلاها انطلاقة أخرى لبرنامج وقف مكة المكرمة عشية وضع الأمير عبد المجيد بن عبد العزيز – أمير منطقة مكة المكرمة آنذاك، رحمه الله – وقف الشيخ صالح حمزة صيرفي، ما جعل هناك حاجة ماسة إلى تشكيل لجنة وقف تتولى أعمال التحضير لأوقاف الجمعية، وإدارة هذه الأوقاف. وقد بارك سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ المفتي العام للمملكة هذا التوجه، إذ قال سماحته في رسالة بعث بها إلى الجمعية:«ما توجهت إليه جمعية الأطفال المعوقين من السعي إلى إنشاء وقف خيري ينفق من ريعه على هؤلاء الأطفال ورعايتهم أرجو أن يكون من أعمال الخير والبرّ، والإخوة القائمون على اللجنة المشرفة على الوقف، ومصارفه من خيرة الإخوان، ومن المشايخ الفضلاء – نحسبهم كذلك ولا نزكي على الله أحداً. لذا فإنني أهيب بدعم هذا المشروع، واحتساب ذلك عند الله عز وجل، وفق الله الجميع لما يحبه ويرضاه, وجعلنا وإياكم من المتعاونين على البر والتقوى».- انتهى كلام سماحة المفتي. ومن ثم فإننا نعول على برنامج الوقف الخيري كضرورة استراتيجية في استمرارية خدمات الجمعية.


ما أبرز التحديات التي تواجه الجمعية بعد كل تلك النجاحات؟ وما وسائل تجاوزها؟

إن الجمعية, وهي تتجاوز عامها الـ 26 بهذا القدر من التوسع, الذي يعكس ثقة المجتمع بها، ويتجسد في تعدد مراكزها من مركز واحد في الرياض إلى عشرة مراكز, تقدم خدماتها أو تحت الإنشاء – هذه الجمعية تواجه مجموعة من التحديات، تتمثل في كيفية توفير ميزانية استكمال إنشاء مشاريع الوقف الخيري، التي تنفذها في عدد من مناطق المملكة التي تحتضن مراكزها، إلى جانب ميزانية التشغيل السنوية التي تشهد هي الأخرى تزايداً ملحوظاً، مع تزايد أعداد الأطفال المشمولين بالخدمة، وافتتاح المراكز الجديدة، وسيظل هذا التحدي قائماً حتى بعد إنجازات مشاريع الوقف الخيري، التي تعول عليها الجمعية كثيراً في تغطية الجزء الأكبر من نفقات التشغيل؛ لأن خطط التوسع التي تتبناها الجمعية، والتي تتضمن الوصول بخدماتها إلى باقي مناطق المملكة، إلى جانب بدء مشروع مراكز الأحياء ستستلزم – بالطبع- مضاعفة ميزانية التشغيل، وهذا الأمر يعني أن هناك سباقاً دائماً بين الرغبة في توفير الخدمة وتطويرها من جهة، والحاجة إلى مصادر تمويل دائمة. ويتطلب ذلك ابتكار وسائل جديدة لدعم مشاريع الجمعية، ويشمل المنظور المستقبلي هذا الجانب الحيوي الذي يضمن استمرارية الجمعية، وتطور خدماتها. ومثل هذا التحدي يجعل من النظرة إلى المستقبل، وقراءاته، والاستعداد له ضرورة حتمية، وفي ضوء ذلك تضع جمعية الأطفال المعوقين جملة من الأهداف المستقبلية، التي تسعى إلى تحقيقها، أهمها الارتقاء بالأداء، وأن يكون مواكبًا لأحدث ما في هذا المجال الإنساني من وسائل، وأساليب، موظفة لها أقصى ما تستطيع من إمكانات مادية وبشرية. ومن الأهداف المستقبلية التي يمكن ذكرها في نقاط: التوسع النوعي والجغرافي، ومدّ مظلة الخدمات لتشمل جميع مناطق المملكة، وإنشاء مراكز الأحياء لإيصال خدمات الجمعية إلى الأحياء السكنية، وتخفيف معاناة الأسر، والأطفال المستهدفين، ورفع شعار (الوفاء لأهل العطاء)، وتجسيده واقعًا من خلال تكريم أعضاء الشرف، وإنزالهم المنزلة اللائقة بهم في منظومة الجمعية، وتوطين الوظائف التخصصية، وتوفير طاقات وطنية شابة تعمل في مجالات الرعاية والتأهيل، وتطوير الشراكة مع القطاعين العام والخاص، والإسهام في توظيف المعوقين، وتهيئة البيئة المناسبة للمعوقين في أماكن العمل، والمرافق، والشوارع. إضافة زيادة الفهم المجتمعي لقضية الإعاقة، وتبني استراتيجية إعلامية واعية، ترتقي بالوعي العام، وتفعِّل دور المعوقين في بناء مجتمعهم، وتبني برامج تسهم في تفهم النشء قضية الإعاقة، وتسري ثقافة التكافل والتعاضد في المجتمع، وزيادة إسهام المرأة في علاج مشكلات الإعاقة، وتوفير مصادر دخل دائمة وثابتة تسهم في تمويل نفقات تشغيل مراكز الجمعية وضمان استمرارية خدماتها المجانية.