محمد الخليلي لـ"مداد": من الضروري أن يحدث تمازج مهم بين الإعلام والعمل الخيري لتحقيق الهدف
17 أبريل 2013 - 7 جمادى الثاني 1434 هـ( 1745 زيارة ) .
# قابلية الأجهزة الإعلامية الرسمية أن تصبح منبرا للحملات الإعلامية والإعلانية الخيرية والوقفية التي تتبناها المؤسسات الخيرية
 
# الأولى أن نسأل عن كيفية تنسيق المؤسسات الخيرية مع الإعلاميين
 
# التجربة  القطرية الخيرية مميزة في مجال الإعلام
 
 أجرت الحوار: إسراءالبدر 
   
من الضروري أن يحدث تمازج مهم بين الإعلام والعمل الخيري، ولعل الكثير من المهتمين بهذا الشأن وجدوا من الضروري أن يجعلوا من هذا التمازج ملموسا على أرض الواقع، ولا بد من نقل تجربتهم في هذا المجال، وكيف يمكن الاستفادة من هذه الخبرات في تحقيق عملية التكامل بين الاثنين وصولا إلى خدمة المجتمعات والمؤسسات العاملة في العمل الخيري.. ولهذا كان هذا الحوار مع شخصية مميزة في هذا المجال، لها بصمتها الواضحة في هذا الشأن..
"مداد " حاور الأستاذ محمد الخليلي, الصحفي والباحث في الشأن الوقفي والخيري في دولة قطر اكتشف الكثير على لسانه في هذه السطور..
 
• من خلال تجربتكم في مجال الإعلام, هل تعتقدون أن الإعلام الخليجي بشكل عام، والقطري بشكل خاص, ساهم في خدمة الأعمال الخيرية؟
- وسائل الإعلام الخليجية تتمتع بتنوع في الحضور، واختلاف بدرجة الفعالية في إطار العمل الخيري، سواء في ذلك الإعلام المكتوب أو المرئي والمسموع، والإعلام الجديد عامة، وذلك تبعا لمدى صلتها بالمؤسسات والجمعيات الخيرية. ومن اللافت وجود درجة عالية من الوعي تجاه العمل التطوعي، وإحساس متزايد لدى وسائل الإعلام تجاه الدور المأمول من المؤسسات الأهلية والمدنية، علاوة على تصاعد في طرح فكرة المسؤولية الاجتماعية، والتي جاءت متزامنة مع رغبة القطاع الخاص في إبراز أنشطته وإبراز دوره الاجتماعي.   
   
و لابد من الإشارة إلى أن هذه العلاقة تبادلية، وتعود إلى المؤسسات الخيرية أكثر منها إلى المؤسسات الإعلامية، وأيضا لا بد من التنويه إلى أن الحضور الإعلامي الخيري لا تحده حدود على الصعيد الخليجي، والأمر في النهاية يخضع لسياسات المؤسسة الخيرية وتوجهاتها ومدى احترافيتها ومرونتها في الاستفادة من المساحات الواسعة المتاحة لها، خاصة في مرحلة الوفرة السائدة حاليا. 
 
تجربة مميزة
 
•  تجربة مميزة في مجال الإعلام خدمت العمل الخيري؟  
- إنها ليست تجربة واحدة، وإنما تجارب عديدة دالة على هذا الدور، في مقدمتها قابلية الأجهزة الإعلامية الرسمية أن تصبح منبرا للحملات الإعلامية والإعلانية الخيرية والوقفية التي تتبناها المؤسسات الخيرية على مستوى دول مجلس التعاون الخليجي، وهو ما لا نجده في دول عديدة، لينطبق على الدولة الخليجية مقولة "الدولة الداعمة للعمل الخيري والوقفي"، بينما نجد دولا أخرى تعادي العمل الخيري، وتتبنى فلسفة "تجفيف المنابع".. عموما "كل إناء ينضح بما فيه "!!
     
وطبقا لنظرية العلاقة بين الدولة ومدى قوتها في إطار علاقتها مع مؤسسات المجتمع الأهلي، فإن بعض دول مجلس التعاون تسير في خطى حثيثة لتحتل مرتبة متقدمة بهذا الإطار في سبيلها لتحقيق (دول قوية ومجتمعات أهلية قوية)، كبديل عن فكرة (دول ضعيفة ومجتمعات أهلية ضعيفة) ...والصومال الجريحة مثال صارخ على ذلك. وهذا التوجه هو ما سنشهد أثره في قوة مجتمعاتها، ومتانة بنيتها الداخلية، لدى تصديها لما تواجهها من مشاكل اجتماعية بشكل خاص. 
 
تجارب الإعلام
 
• من خلال تجارب الإعلام الغربي هناك مؤسسات خيرية عالمية تنتج برامج تلفزيونية ضخمة مخصصة لدعم العمل الخيري, لماذا نفتقد إلى ذلك في بلداننا؟
- هذا الأمر نابع من كون هذه الدول فطنت إلى الدور الحيوي الذي يمكن للمؤسسات الخيرية أن تقوم به باعتبارها قطاعا مجتمعيا ثالثا (بموازاة قطاعي العام والخاص)، والقوة الكبيرة الكامنة في هذه المؤسسات لتنفيذ سياساتها الناعمة داخل حدودها، علاوة على خارجها!!
   
و لا ننسى ماحققته هذه المؤسسات الخيرية والوقفية بشكل خاص من سمعة ومكانة على صعيد النزاهة والأخلاقية المهنية، واكتساب ثقة المستفيدين من خدماتها، فدراسات ميدانية أمريكية تشير إلى جودة الخدمات المقدمة من مستشفيات خيرية مقارنة بمستشفيات القطاع العام أو الخاص..
   
وأود أن أشير إلى أن هناك مبادرات خجولة لدعم برامج تلفزيونية أو إذاعية مخصصة لدعم العمل الخيري في بعض بلداننا، ولكنها ما زالت تحتاج إلى الكثير من التطوير، وأيضاً أهمية إدراك تلك المؤسسات دور هذه البرامج في خلق جيل جديد قادر على أن يستوعب العمل الخيري والمشاركة فيه. 
 
 التنسيق الإعلامي الخيري
 
• كيف تنظر إلى تنسيق الإعلاميين مع المؤسسات الخيرية في البلدان الخليجية بصفة عامة، والقطرية بصفة خاصة، لخدمة العمل الخيري؟
- أرى أن نعكس السؤال إلى كيفية تنسيق المؤسسات الخيرية مع الإعلاميين، وهو سؤال جوهري جدير بالطرح، فللأسف بعض المؤسسات الخيرية لا تحسن التعامل مع الإعلام، والإعلامي بشكل خاص، فلا ينظر إليه  سوى باعتباره أشبه بآلة أو مجرد وسيط ناقل للخبر إلى مؤسسته الصحفية في عملية تزويده بالمادة الخبرية، وأحيانا كثيرة هناك قصور شديد في مستوى العلاقة معه بين الإفراط والتفريط، علاوة على عدم محاولة إضفاء روح المؤسسة على نص الخبر، وصياغته بما يخدم رسالة المؤسسة ورؤيتها وأهدافها.
   
بل قد تزدري بعض وسائل الإعلام، وتحديداً الصحف، الخبر المتعلق بالنشاط الخيري، وتعمد إلى نشر الخبر الخاص بهذه المؤسسة أو تلك ـ فقط ـ لسد نقص أو فراغ لديها، وبذلك يظهر جلياً في المساحات التي تخصص للخبر الخيري، والتي قد لا تليق بحجمه وأهميته.. وبالطبع، نحن هنا لا نتحدث عن جميع المؤسسات الإعلامية؛ لأن هناك ـ أيضاً ـ وسائل إعلام أخرى، وهم ليسوا قلة، نجحوا في إيجاد جسور من العلاقة تمتاز بالمتانة وحسن الأداء، حيث نجحت مؤسسات خيرية في اكتساب المؤسسات الإعلامية  كشركاء فعليين في برامجها! 
 
تجربة قطر مميزة
 
• تجربة قطر المميزة في مجال الإعلام، كيف وظفت لخدمة العمل الخيري؟
- أشرت في جواب سابق إلى علاقة المؤسسة المدنية ـ ومنها الخيرية ـ بالدولة، ومؤشرات القوة والضعف المتبادلة بينهما تبعا لنوع العلاقة، لذا فلدى الحديث عن تجربة قطر علينا أن لا ننسى الانسجام القائم بين القطاع الخيري مع رؤية الدولة والدعم اللا محدود من أعلى هرم السلطة والقيادة للعمل الوقفي والخيري، حيث يمكن القول أنه ما من مشروع خيري أو إنساني، سواء كان يستهدف الداخل المحلي أو بقعة جغرافية خارجية، وتتبناه مؤسسة أو جهة خيرية، إلا ونجد حضورا فاعلا لأسماء قيادية ولكبار المسؤولين والوجهاء في الدولة، وهكذا جمهور وآحاد أفراد المجتمع. وهو أمر غير مستغرب في مجتمع تسوده قيم التكافل والتعاضد.
     
لعلي كشفت سرا جوهريا من أسرار تفوق ونجاح العمل الخيري في دولة قطر ..عموما هذا التماهي واللغة المشتركة تنعكس في الموازنات السنوية للمؤسسات الخيرية بلا استثناء.
 
المزيد من التجويد
 
• ما الذي ينقص التجربة الإعلامية القطرية في مجالات الأعمال الخيرية والوقفية؟
- أتصور رغم كل المفاخر التي حظينا بها في قطر من خلال هذه التجارب الثرية تبقى الحاجة قائمة إلى مزيد من التجويد، خاصة في إطار متابعة الشأن الوقفي والأثر الواقعي للعمل الخيري على الجهات والأفراد المستفيدين، ومحاولة تقديم تحليلات دقيقة للأرقام والإحصائيات التي تقدمها المؤسسات الخيرية، والتأكد منها، بغية تحقيق مزيد من الشفافية التي ستحقق قفزة متقدمة للعمل الخيري في دولنا الخليجية. وعلى عكس ما يعتقده بعض العاملين في المركب الخيري الخليجي، إنني أعتقد جازما أن ما سنكسبه من الشفافية تزيد بمراحل عما يمكن أن نخسره بسياسات السير في الظل أو "جنب الحائط". وبالمناسبة، مجرد افتراض خسائر كنتيجة للإفصاح والمكاشفة يعد خطيئة لا تغتفر لمن أراد أن يعمل بإخلاص في هذا المجال الإنساني، وكفانا هروبا و ادعاء غير صادق، فما من عمل يتحول إلى طقوس في الظلام إلا ورائحة الفساد تحيط به!!
   
علاوة على ما أشرنا إليه لا أنسى الإشارة إلى قضية هامة، وهي ضرورة فك الاشتباك القائم بين الجمعيات الخيرية وبعض أصحاب الرأي الذين يؤمنون بضرورة الموازنة بين نسب الصرف في الداخل والخارج، والقول بأن معظم الإيرادات تذهب إلى الخارج! وهي دعوى متجددة يبدو لم يستطع طرفي الدعوى حتى الآن حلها!! وللحق فإن المؤسسات الخيرية- وبالمناسبة تجمعني بهم أواصر الصداقة -  تتحمل مسؤولية كبيرة عن سوء الفهم هذا. 
 
المساعدات لدول الثورات
 
• الثورات العربية أفرزت أعدادا كبيرة من اللاجئين والمحتاجين للعناية, من خلال متابعتكم للحدث هل تعتقد أن الإعلام العربي والخليجي وظف بشكل جيد لدعم احتياجات اللاجئين العرب؟
- لعل الإعلام الخليجي كان أكثر صدحا بواقع حال دول الثورات، وأرى أنه نجح بشكل جيد في تجييش الداعمين على المستوى الشعبي والرسمي، واستمرار تدفق المساعدات إلى المتأثرين بأحداثها، واستمرار قوافل الخير خير شاهد على ذلك، سواء قوافل الطحين، أو المساعدات الصحية، وتوفير سيارات الإسعاف والمساكن المؤقتة.
   
ولعلي أذكر أننا هنا في قطر ساهمت مؤسساتنا الخيرية بشكل لافت في دعم احتياجات إخواننا اللاجئين العرب في كل مكان، وبما أن حديثنا يتصل بوسائل الإعلام، فإن تلك المؤسسات كانت حريصة أن تستضيف مراسلا من المؤسسة الصحفية، يعاين تلك المساعدات التي تقدمها تلك المؤسسات، ويرى بنفسه حجم المأساة، وينقلها للمجتمع بحيادية.
 
الخطاب الإعلامي مهم للدعم 
 
• انتقاء العبارات الإعلامية في دعم المحتاجين في بلادنا العربية لماذا لا يتم انتقاؤها بدقة, مثلا: الإعلام العربي بكل مفاصله يقول (اللاجئين العراقيين والسوريين), لكن إحدى المؤسسات الإعلامية في السويد عندما استقبلت طالبي لجوء سوريين كتبت عبارة (أهلا بمواطنينا الجدد)؛ أي حتى لم تقل لاجئين, متى نصل إلى هذه المرحلة العالية من التعامل مع من يحتاج العون في بلادنا ولا نجرح أحاسيسهم؟
- سيدتي، إنها فضيحة بجلاجل كما يقول الإخوة المصريون، فالأرض العربية كان يفترض بها أن تكون أكثر رحابة وسعة، وأن لا تضيق كما ضاقت القلوب التي في الصدور، فالحدود ـ للأسف ـ أصبحت مقدسة ومقسمة، لو كان بيد أصحاب هذا التوجه لمنعوا حتى الطيور المهاجرة من عبور أجوائها.
   
ولا مندوحة هنا من الإشادة بالمواقف القطرية التي فتحت مجالات التعليم والدعم المختلفة لإخواننا، سواء في قطر أو دول الجوار السوري.
 
• لماذا لا تنشط بعض الفضائيات العربية بإنتاج برامج تحفز الأطفال والأجيال الشابة على العمل الخيري, بدلا من إنتاج برامج لإيجاد مواهب الغناء؟
- إنها مسؤولية المؤسسات الخيرية أولا؛ فهي التي عليها أن تسعى وتبادر بهذه المبادرات النوعية، وإلا فإن الفضائيات إنما هي أدوات صماء بيد أصحابها... وللأسف، مؤسساتنا الخيرية لا تملك ضمن كوادرها متخصصين في الشأن الفضائي، وحتى إن وجدنا جهودا في هذا الإطار فإنها لا تتعدى جزءا من التشتت الذهني الذي تعيشه بعض هذه المؤسسات، في محاولة منها الحضور في جميع مناحي الحياة، والاستفادة من كل وسيلة يمكن أن توثق علاقتها بجمهور الداعمين وإبراز جوانب الحاجة المتجددة، ولكن دون أن تصنع شيئا ذا بال؛ لغياب الرؤية لديها!!
 
 الأوقاف وميزانية العمل الخيري
 
•الأوقاف في الدول الخليجية بشكل عام، والقطرية بشكل خاص، هل تشكل نسبة كبيرة من ميزانية العمل الخيري، وكيف يمكن تفعيلها بشكل أكبر؟
- طبقا للأرقام المعلنة للإدارة العامة للأوقاف في قطر فإن رأسمالها الوقفي بلغ حوالي 4,5 مليار ريال قطري، ومؤسسة الشيخ ثاني بن عبد الله للأعمال الإنسانية حوالي 15 مليار ريال. 
   
وطبقا لبعض الإحصائيات العالمية، فإنها ألمحت إلى رقم يزيد عن 100 مليار دولار للأوقاف على مستوى العالم الإسلامي، وهو رقم غير دقيق تماما؛ فأوقاف الحرمين في داخل المملكة قد لا تقل عن المبلغ الأخير المشار إليه؛ لذا نأمل في مزيد من الشفافية في البيانات والأرقام والإحصائيات على مستوى الدول الإسلامية؛ من أجل حسن تقييم وحسن استثمار الأموال الموقوفة. وكما لا يخفى على المتابعين والمهتمين أن هذه الأرقام تخضع لديناميكية حركة السوق والعقارات، وبالتالي فإنها ليست ثابتة، ولا بد عند إيراد أي رقم من ذلك – لا مفر-  من إيراد التاريخ والسنة بدقة.
 
• هل لا زال بعض الخيرين يهبون أموالا وممتلكات خيرية أم أنها انحسرت في الآونة الأخيرة؟
- أستطيع هنا أن أتكلم عما يجري لدينا في قطر، ولا أذيع سرا، فأمواج الخير لا تنحسر، وهي في علو وامتداد مستمرين بلا توقف، سواء على مستوى الجهات الرسمية أو الأهلية والمدنية. ومن خلال الرصد الصحفي يمكن تكوين تصور جيد حول هذا الملمح.
 
أمران مهمان
 
• تجربتكم في العمل الإعلامي والخيري, ما الذي تحبون أن تضيفوه إلى أعمالكم مما لم يتحقق إلى الآن؟
- باختصار، هناك أمران: 
الأول: إيجاد كيانات وقفية تجمع بين المؤسسات الوقفية في الوطن العربي والعالم الإسلامي عموما، وأرى أنه لا بد من التسريع في إيجاد ملتقى خليجي بداية تحت مظلة الأمانة العامة لدول مجلس التعاون الخليجي؛ من أجل تخطي الإشكاليات والسلبيات القائمة على مختلف الأصعدة، سواء ندرة الأرقام والمرجعيات الواضحة، وضعف التوثيق للشأن الوقفي والخيري عامة، وغياب الدراسات الأكاديمية حول أثر صرف الأموال والإيرادات الخيرية المختلفة على المستفيدين، إضافة إلى الافتقاد إلى الخطط الاستراتيجية البعيدة المدى في سبيل الارتقاء بالعمل الإنساني في وطننا العربي والإسلامي.
وأما الأمر الثاني: أحتفظ به لنفسي حاليا! ولعله يكون موضوع دراسة أكاديمية، أسأل الله تعالى أن يوفقني للانتهاء منها بأقرب وقت بإذنه تعالى.