القطرية دكتورة حياة خليل.. قصة طموح ونجاح قهرت الإعاقة البصرية
29 أبريل 2012 - 8 جمادى الثاني 1433 هـ( 3966 زيارة ) .
الدوحة ـ علي الرشيد
 
هي قصة نجاح بكل المقاييس، تستحق التأمل والتأسي؛ لأنها كشفت عن عزيمة صاحبتها التي واجهت التحديات التي انتصبت في وجهها، وتجاوزت كل الصعاب التي اعترضها.. نقدم عبر موقع " مداد" سيرة الدكتورة "حياة خليل نظر" من دولة قطر، التي حازت على أرقى الدرجات الأكاديمية  في التربية، وتدير اليوم صرحا تربويا هو "معهد النور للمكفوفين" بكل ثقة واقتدار، دون أن تكون الإعاقة البصرية حائلا دون تحقيق طموحاتها.
 
نتعرف على القصة من صاحبتها مباشرة، بدءا منذ نقطة التحول الفجائية في حياتها، فتقول: "تشاء الأقدار أن أفقد بصري؛ بسبب انفصال مفاجئ في الشبكية، وأنا في الصف الخامس الابتدائي، عام 1986 م، ويلتمس أهلي الأسباب لعلاجي، فتجرى لي ثلاث علميات في المملكة المتحدة، لكن لم يُكتَب لها النجاح".
 
التفوق الأول:                         
وعن المرحلة التي تلت ذلك، وتحديدا العودة للمدرسة بدون البصر الذي كانت تتمتع به، فتقول: "قررت أن أواصل تعليمي مستمدة العون من الله، والتشجيع والدعم من والدي
وأسرتي ـ جزاهم الله عني خيرا ـ. ولأنه لم تكن حينها مدارس للمكفوفين في دولة قطر؛ فكان علي أن أبذل جهودا مضاعفة، وأنا أدرس في مدرسة نهارية للمبصرين، فاعتمدت على الحضور والاستماع لشرح المعلمات، كأي طالبة عادية، فيما كانت أسرتي تسجّل لي الكتب الدراسية المقررة على أشرطة كاسيت.. وفي أيام الاختبارات كانت وزارة التربية والتعليم تعقد لي لجنة امتحان خاصة، وتوفر من تقرأ لي الأسئلة، وتكتب الإجابات التي أمليها عليها. وبقيت على هذه الشاكلة حتى حصلت على الثانوية العامة بتفوق، وكنت العاشرة في القسم الأدبي/ الفرنسي، وبمعدل زاد عن  95 بالمئة".
 
وتضيف الدكتورة حياة، وهي تواصل سرد قصة تحديها لموقع "مداد"، قائلة: "إن هذا التميز العلمي منحني شحنة إضافية من الطموح والتحدي، فالتحقت بقسم اللغة العربية بجامعة قطر".
 
وكشفت كيف قامت بتعلم وإتقان طريقة "برايل" في مستهل رحلتها الجامعية، بقولها:  "استشعر والدي رغبتي في تعلم طريقة "برايل" للمكفوفين؛ لأنها ستسهل عليّ القراءة والاطلاع، وتطوّر من أسلوبي الدراسي، فخصص لي معلمة، وهو ما مكنني خلال شهرين من تعلم وإتقان هذه الطريقة باللغتين العربية والإنجليزية، ومن ثمّ اقتناء كتب ومراجع  وقصص كثيرة، مكتوبة وفق هذه الطريقة، كانت بمثابة مكتبة لي، ومراجع لدراستي الجامعية، أنهل من معينها، لأطوّر من ثقافتي".
 
وأوضحت أن دراستها الجامعية اعتمدت على أشرطة الكاسيت التي تسجلها للمحاضرين، وعلى الملاحظات والملخصات التي تكتبها بطريقة "برايل"، فتنجح من عام لآخر بتفوق، وتكون المفاجأة بأن تحتل المركز الأول على دفعتها في سنة التخرج.
 
دور التحفيز:
لكن ما الذي حفزها على مواصلة دراساتها العليا؟ توضح " حياة" ذلك بالقول: "إن تهنئة سمو الشيخة موزة بنت ناصر المسند ـ حرم صاحب السمو أمير قطر ـ أثناء حفل التخرج، وما همسته في أذني من حثٍّ لي على مواصلة تعليمي العالي؛ كان دافعا مهما آخر للانتصار على كل الصعوبات  التي قد تواجهني في مستقبلي بعد التخرج من الجامعة".
 
وتشير إلى انخراطها بعد الجامعة في الحياة العملية لخدمة مجتمعها القطري، وتحديدا شريحة المعاقين بصريا، قائلة: "بعد التخرج عملت لمدة عامين ( 1998 ـ 2000) في معهد النور للمكفوفين، الذي صادف افتتاحه آنذاك، لأكون أول معلمة قطرية لمادة اللغة العربية والتربية الإسلامية بطريقة "برايل"، ومن ثم لأقوم بتأليف منهج اللغة العربية للصف الأول، وأعطي دورات في تعليم الطريقة لأهالي المكفوفين تطوعا مني؛ إسهاما في تدعيم دور الأسر في تعليم أبنائهم".
 
تنتقل المعلمة حياة للحديث عن مرحلة مواصلة تعليمها العالي في أمريكا، فتقول: "تم ابتعاثي من قبل وزارة التربية والتعليم إلى الولايات المتحدة الأمريكية، فحصلت على الماجستير في التربية العامة والخاصة بدرجة امتياز عام 2003، ثم الدكتوراة في "القيادة التربوية" من جامعة "سانت جوسف" بولاية بنسلفانيا، بقدير امتياز أيضا. واستخدمت في دراستي أرقى التقنيات الحديثة من جهاز " برايل نوت"، وكمبيوتر محمول مزود ببرنامج قارئ الشاشة (HAL)".
 
وبعد رحلتها العلمية من الولايات المتحدة تعود "حياة" إلى أرض وطنها، فتعيَّن فورا مديرة لمعهد النور للمكفوفين، ولا تزال تؤدي هذه الوظيفة، التي تعتبرها رسالة لخدمة هذه الشريحة من المعاقين بصريا، وتبذل ما في وسعها الجهد لتذليل كل العقبات من أجل تعليمهم، وتطوير قدراتهم، وتوفير عمل لهم، ودمجهم في المجتمع.
 
وقد تم تكريم الدكتورة حياة غير مرة، ونالت أكثر من جائزة، كان آخرها حصولها على المركز الأول في الفئة المهنية لجائزة رابطة سيدات الأعمال القطريات.
 
شعار ووصية:
وبعد أن انتهت من سرد قصتها، سأل موقع "مداد"  الدكتورة حياة عن شعارها الذي كانت تتمثله في رحلة الصبر والمكابدة التي توّجتها ببلوغ أعلى المراتب العلمية، والحصول منصب وظيفي مرموق، فقالت: إنه (لا يأس مع الحياة)، وأنها في مسيرة حياتها كثيرا ما كانت تتمثل قول الشاعر: 
 
ولم أجد الإنسان إلا ابن سعيه
 
** فمن كان أسعى كان بالمجد أجدرا، منوهة بأنها اتخذت من عميد الأدب العربي "طه حسين " قدوة لها.
وتتطلع د. حياة إلى الأمام لتحقيق مزيد من النجاح والأمنيات الجميلة، ومنها: خدمة المعاقين بصريا محليا ودوليا، وإجراء أبحاث في هذا المجال، مشيرة إلى أن: "طموح الإنسان لا ينبغي أن يقف عن حد معين .. بل لا بد أن يسعى إلى بلوغ الأفضل".
 
وتوصي الدكتورة أقرانها من أصحاب الإعاقات بعدم الاستسلام، وتؤكد لهم أن لا شيء يمكنه أن يقف عائقا أمام طموحاتهم، مع التوكل على الله تعالى، والعزيمة الصادقة، و بهما يمكن التغلب على كل الصعاب التي قد تواجههم.