وكيل وزارة الشؤون الإسلامية السعودية لشؤون الأوقاف د. المطرودي لـ"مداد"
2 نوفمبر 2009 - 14 ذو القعدة 1430 هـ( 5962 زيارة ) .
التصنيف :الأوقاف
وكيل وزارة الشؤون الإسلامية السعودية لشؤون الأوقاف د. المطرودي لـ"مداد":
 
المملكة أولت الأوقاف عناية خاصة باعتبارها شريان التنمية الاجتماعية
 
الأوقاف لا تدع فئة تفتقر إلى العون  إلا وشملتها بالعناية  يستوي في ذلك الفقراء والأيامى  والأيتام  والمرضى  والمعاقون وطلبة  العلم وعابرو السبيل
 
أول وقف في الإسلام كان صدقة الرسول الكريم  متمثلة في أراضي "مخيريق" اليهودي
 
عمر أوقف أرض خيبر.. وعثمان تصدق بصدقة عمر.. وعلي حبس أرضا للفقراء بينبع
 
كثرة الأوقاف وتنوعها دعت المماليك في مصر إلى إنشاء 3  داووين خاصة بها
 
ازدهار الأوقاف في المجتمع الإسلامي يحقق الأخوة بين المؤمنين ويبرز التكافل الاجتماعي
 
الملك المؤسس وضع نظاماً دقيقاً وشاملاً لتوزيع الصدقات على مستحقيها وأوكلت مهمة تنفيذه إلى لجنة مركزية تتبع إدارة الأوقاف العامة
 
"وكالة الأوقاف" أقامت 6 ندوات ومؤتمرين عامين وطبعت 14 كتابا  وبحثا خاصة بالوقف
 
مهام المحافظة على أعيان الأوقاف بحصرها وتسجيلها وصيانتها وإدارتها وحمايتها من الاعتداء عليها
 
أجرى الحوار: رئيس التحرير
 
،، تعتبر الأوقاف الإسلامية في المجتمع شريان رئيس لتغذية التنمية الاجتماعية والاقتصادية والصحية والتعليمية،  وكانت الأوقاف ولا تزال مصدرا مهما لاستمرار تلك التنمية بجميع جوانبها فيما يعود بالنفع العام للمجتمع.. من هذا المنطلق يتساءل " مداد":" كيف ساهمت الأوقاف في خدمة المجتمع"؟  ويتفرع منه كذلك أسئلة أخرى وإجابات أخرى، نترك الإجابة فيها للشيخ الدكتور عبد الرحمن بن سليمان المطرودي وكيل وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية السعودية لشؤون الأوقاف الذي خص "مداد" بالإجابة عن كل ما سألناه عن الأوقاف والعناية بها وأهميتها..،،
 
قال الدكتور عبد الرحمن المطرودي: إن وكالة الأوقاف تعني المحافظة على أعيان الأوقاف بحصرها وتسجيلها وصيانتها وإدارتها وحمايتها من الاعتداء عليها  مؤكدا أن الوكالة أقامت  الوكالة  أقامت 6 ندوات ومؤتمرين عامين وطبعت 14 كتابا  وبحثا خاصة بالوقف في مسألة توعوية للمجتمع بأهمية الوقف اجتماعيا وعلميا.
 
معرجا فضيلته على أهمية الوقف تاريخيا منذ عصر النبوة والصحابة والخلفاء الراشدين ثم التابعين ، مشير إلى أن أول وقف في الإسلام كان صدقة الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم  متمثلة في أراضي "مخيريق اليهودي" الذي أوصى بان دوره بالمدينة مرجعها للرسول يضعها حيث يشاء ومات شهيدا  مع  المسلمين.
 
وأن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أوقف أرض خيبر.. وعثمان بن عفان تصدق بصدقة عمر.. وعلي بن أبي طالب حبس أرضا للفقراء بينبع متدرجا عبر العصور حتى عصر الملك المؤسس عبد العزيز آل سعود والأهمية التي أولاها للوقف وتنظيمه لشؤونه بشكل مقنن ومنظم سيما في منطقة الحجاز الذي كان يكثر فيها الوقف لوجود الحرمين الشريفين بمكة والمدينة المنورة وكذلك جدة وينبع وما جاورها مؤكدا القول أن الملك المؤسس وضع نظاماً دقيقاً وشاملاً لتوزيع الصدقات على مستحقيها وأوكلت مهمة تنفيذه إلى لجنة مركزية تتبع إدارة الأوقاف العامة..
 
مؤكدا  أن الأوقاف لا تدع فئة تفتقر إلى العون  إلا وشملتها بالعناية  يستوي في ذلك الفقراء والأيامى  والأيتام  والمرضى  والمعاقون وطلبة  العلم وعابرو السبيل
 
**في البداية سألت الدكتور المطرودي: أولت المملكة العربية السعودية الأوقاف عناية خاصة لماذا؟  ولماذا كانت للأوقاف موقع الصدارة اجتماعيا وتاريخيا ؟
قال فضيلته:  أولت المملكة العربية السعودية الأوقاف جلّ عنايتها ورعايتها ، انطلاقاً من تطبيقها لشرع الله في جميع مناحي الحياة ، باعتبار المكانة العظيمة التي تحظى بها الأوقاف في شرع الله ، فهي من آكد السنن الأنفاق في سبيل الله وأعظمها أجراً ، وأدومها نفعاً وأبقاها أثراً ، وتعدي منافعها لتشمل المُنْفق والمُنفَق عليه ، وتشمل الفرد والجماعة ، وتشمل المجتمع بأسره ، وتشمل الجوانب المادية للإنفاق من سدّ حاجة الفقراء والمساكين والمحتاجين ، والجوانب المعنوية من التكافل والترابط وإشاعة المحبة بين أفراد المجتمع ، وبالحملة فإنها تشمل خيري الدنيا والآخرة .
 
وأضاف: وعناية المملكة بالأوقاف تنطلق كذلك من مكانتها الكبيرة في نفوس المسلمين ، باعتبارها مهبط الوحي، ومنطلق الرسالة الخاتمة إلى جميع الناس ، وموئل الحرمين الشريفين ، وقبلة المسلمين في كل مكان ، مما يضعها في موضع الريادة والقدوة والأسوة الحسن للمسلمين في كل مكان في هذا المجال وفي جميع المجالات الشرعية ، فإليها دائما ً يتطلعون ، وبها يقتدون ، وإلى رحابها تهفو نفوسهم وأفئدتهم ، ومن شرع الله الذي نزل على أرضها ينهلون ، وبأفعال الخير والمعروف الذي تقدمه هنا وهناك يتأسون.
 
والأوقاف باعتبارها درَّة من درر التشريعات الإسلامية السمحة في مجال البذل والعطاء والإنفاق في سبيل الله تأتي في موقع الصدارة لأفعال الخير والمعروف ، والقلب النابض لكل خِصَالة وفِعَاله ، والمعين الذي لا ينضب الذي يمد المجتمعات الإسلامية بما يسد حاجتها ، ويعين فقيرها ، ويكفل يتيمها ، ويدعم   اقتصادها ، ويربط بين قلوب أفرادها ، وتلبي في كل وقت وحين متطلباتها ، وتشدّ عند المحن والملمات أزرها ، بما يؤدي كل ذلك في النهاية إلى تحقيق غاية عظيمة من غايات الشريعة الإسلامية ألا وهي تماسك وتعاون وتربط وتكافل أفرادها ، وهذا بذاته عين ما قصده ديننا الحنيف من تشريع الوقف والتشريعات الأخرى للإنفاق في سبيل الله فضلا عما يحققه ذلك من نوال خيري الدنيا والآخرة  بإذن الله .
 
والمتأمل في كل تلك المعاني الكبيرة للوقف ، وأحكامه النبيلة ، وتشريعاته العظيم ، وفوائده المتعدية، يجد أن المقام يطول إذا استفضنا في بيانها ..
 
مكانة الوقف في شرع الله
 
** دكتور عبد الرحمن ، لاشك أن الاهتمام بالأوقاف يأتي من أهمية الوقف في شرع الله تعالى، كيف كان للوقف الإسلامي أهميته الشرعية قبل أهميته الاجتماعية والتاريخية؟
إن من فضل الله تعالى على عباده ، ورحمته بهم أن شرع لهم من الدين ما يقربهم إليه زلفى ، فكان مما شرعه لهم ، وأمرهم به أن يفعلوا الخيرات ، وينفقوا مما جعلهم مستخلفين فيه ، تزكية لنفوسهم ، وتطهير لأخلاقهم ، وتنمية لأموالهم ، فقال تعالى: (وافعلوا الخير لعلكم تفلحون) وقال: (وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه) ووعد سبحانه وتعالى فاعلي الخير بتوفية أعمالهم ، ومضاعفتها لهم أحوج ما يكونون إليها أضعافاً مضاعفة ، مع الأجر الكريم ، والثواب العظيم ، فقال تعالى: (وما تفعلوا من خير يوف إليكم وأنتم لا تظلمون) وقال تعالى: (من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسنا ً فيضاعفه له أضعافاً كثيرة) وفي آية أخرى : (فيضاعفه له وله أجر كريم) .
 
وقد بين الله سبحانه وتعالى تلك المضاعفة أي بيان ، وضرب لها مثلاً بما تعيه أفهام الناس، وتعقله عقولهم، فقال: (مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم) وأوضح الرسول r أن العمل لا يتضاعف فحسب ، بل ينمو ويعظم ويزداد حجمه، ففي الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله r : "من تصدق بعدل تمرة من كسب طيب، ولا يقبل الله إلا الطيب، فإن الله يقبلها بيمينه، ثم يربيها كما يربي أحدكم فلوه حتى تكون مثل الجبل" والوقف من أفضل وجوه الإنفاق، وأعظمها أجراً، وأعمها فائدة، وأدومها نفعاً، وأبقاها أثراً. وهو في العرف الشرعي - تحبيس   الأصل، وتسبيل المنفعة .
 
فهو بذلك يجمع بين أمرين جليلين :
أولهما : ثبوت الأصل الموقف ، ودوام الانتفاع به، وهو من صور الصدقة الجارية الوارد فضلها في حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله r : "إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له" [رواه مسلم] .
 
والثاني : اتساع تعدد أوجه البر والإحسان فيه، مما يجعله من أولى ما يتسابق إليه المحسنون. وأهم ما يتنافس فيه المتنافسون .
 
من أجل ذلك سارع المسلمون إلى هذا العمل الفاضل منذ بدء عهد النبوة ، والقرون المفضلة ، وعلى هذا النهج القويم سار التابعون ومن بعدهم عبر العصور الإسلامية المتعاقبة ، فتوسعت الأوقاف ، وشملت بنفعها كثيراً من المرافق الخيرية والاجتماعية والعلمية ، فأسهمت إسهاماً كبيراً في خدمة المجتمع الإسلامي ، والنهوض برقيه وتقدمه .
 
أغنت الفئات المحتاجة
 
** هذه الأهمية العظمي للأوقاف -على ما أظن- لم تسبقها إليه أمم أخرى ، والدليل هذه الأوقاف العديدة التي تكتظ بها البلدان الإسلامية في مشارق الأرض ومغاربها.. ما مدى صحة ظني ذلك تاريخيا؟ وكيف حازت الأوقاف قصب السبق في عناية خلفاء وحكام العالم الإسلامي، سيما في العصر الأول للدولة الإسلامية؟
نظرا للفوائد العظيمة للأوقاف فقد انتشرت وتطورت في المجتمعات الإسلامية بصورة لم يسبق لها نظير في الأمم الأخرى، قديمها وحديثها، وشهدت نمواً كبيراً في حجمها، إلى أن باتت ذات أثر رئيس في كفاية ذوي الحاجات، وتنوعت مجالاتها، فلم تدع فئة من المجتمع تفتقر إلى العون، إلا وشملتها بالعناية ، يستوي في ذلك الفقراء، والأيامى، والأيتام ، والمرضى ، والمعاقون ، وطلبة   العلم ، وعابرو السبيل . وللوقف في الإسلام إسهام متميز ، في إذكاء معاني الخير ، ومشاعر البر والبذل، في نفوس المؤمنين، ولا غرور في ذلك فهو بإجماع العلماء - من الصدقات الجارية التي سنها رسولنا الكريم r، وترسم خطاه في ذلك صحابته – رضوان الله عليهم -  ورعاها المسلمون في كل زمان ومكان، ووجدوها بالتجربة العملية أنجح وسيلة لتحقيق التكافل الاجتماعي .
 
ومن المتفق عليه بين الباحثين المختصين ، أن ازدهار الأوقاف في المجتمع الإسلامي يحقق الأخوة بين المؤمنين ويبرز التكافل الاجتماعي الذي يُعتبر من خصائص المجتمع المسلم . ومن هنا جاءت أهمية ((الوقف في الإسلام)) .
 
أما عن نشأته في الإسلام نجد أن أول وقف في الإسلام كان صدقة الرسول الكريم r التي تمثلت في أراضي "مخيريق اليهودي" ، الذي أعلن قبل معركة أحد أنه إذا أصيب ، فإن أمواله - وكانت سبعة بساتين بالمدينة - لمحمد ، يضعها حيث أراه الله . وقُتل الرجل في غزوة أحد ، فأصبحت أمواله في عامة صدقات الرسول الكريم r فوقفها r .
 
وترسم الصحابة - رضوان الله عليهم أجمعين - خطا المصطفى في حبس أموالهم على أعمال البر  إقتداءً برسول الله r في أفعاله وأقواله ،  وتقريراته ، وقد كان لهم مع الوقف تاريخ مشرف يوجزه زيد بن ثابت بقوله : (لم نر خيراً للميت، ولا للحي من هذه الحبس الموقوفة، أما الميت ،فيجري أجرها  عليه، وأما الحي فتحبس عليه، ولا توهب ولا تورث ولا يقدر  علي استهلاكها)، فحبس أبو بكر - رضي الله عنه - رباعا له بمكة، ولم تورث ولكن سكنها من حضر من ولد ولده وسنله . ووقف عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - الأرض التي أصابها بخيبر في ما رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما عن ابن عمر - رضي الله عنهما - أرضاً بخيبر ، فأتى النبي r يستأمره فيها ، فقال يا رسول الله ، إني أصبت أرضاً بخيبر لم أصب مالاً قط هو أنفس عندي منه فما تأمرني به ؟ قال - r - : (إن شئت حبست أصلها ، وتصدقت بها) قال : فتصدق بها عمر ، أنه لا يباع أصلها ولا يبتاع يورث ولا   يوهب ، قال فتصدق بها عمر في الفقراء وفي القربى وفي الرقاب وفي سبيل الله وابن السبيل والضيف لا جناح على من وليها أن يأكل منها بالمعروف أو يطعم صديقاً "غير متمول فيه" . وأوصى به إلى حفصة أم المؤمنين ثم الأكابر من آل عمران ، رضي الله عنهم.
 
ومن منهج عمر في الوقف استنبط كثير من فقهاء الإسلام الأحكام المتعلقة بالوقف ، كما قال بذلك أبو يوسف ، وقد سار على ذلك عثمان بن عفان - رضي الله عنه - حيث تصدق عثمان ، على صدقة عمر بن الخطاب ، أي على طريقتها كما جاء في حديث بئر" بيرجاء" التي اشتراها عثمان ووقفها للسقيا .
 
أما حبسُ علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - فقد وقف بستاناً له بينبع على الفقراء والمساكين وفي سبيل الله وابن السبيل القريب والبعيد في السلم والحرب .
 
وحبس الزبير بن العوام - رضي الله عنه - دًوْرَهُ على بنيه، لا تباع ولا تورث ولا توهب وأن للمردودة من بناته أن تسكن غير مضارة ولا مضار بها ، فإذا استغنت بزوج فليس لها حق .
 
وحبس معاذ بن جبل - رضي الله عنه - وكان أوسع أنصار المدينة ريعاً ، إذ تصدق بداره التي تسمى دار الأنصار .
 
وكذا سعد بن أبي وقاص ، وخالد بن الوليد ، وجابر بن عبدالله ، وعقبة بن نافع ، وعبدالله بن الزبير - رضي الله عنهم - وزيد بن ثابت ، الذي جعل صدقته على طريقة صدقة عمر بن الخطاب - رضي الله عنهما – .
 
كما كان لأمهات المؤمنين : أم سلمة ، وأم حبيبة ، وصفية - رضي الله عنهن - مشاركة في إحياء سنة الوقف، والعمل بها .
 
وتوالت أوقاف الصحابة الكرام ، وسار على نهجهم المسلمون في كل زمان ومكان ، يقفون أموالهم تقرباً لله تعالى .
 
زادت في العصور الأخرى
 
** هل أدرك الخلفاء والملوك بعد الدولة الإسلامية الأولى- الراشدة- أهمية تلك الأوقاف واعتنوا بها بالشكل الذي اعتنى بها الأوائل، وكيف كانت نظرتهم لها؟
كثرت الأوقاف ونمت في العصور التالية ، وخاصة في العهد الأموي حيث كثرت في كل من مصر والشام ، وذلك بسبب رغد العيش الذي ساد الدولة الأموية آنذاك ، وعلى وجه الخصوص في عهد الخليفة العادل عمر بن عبدالعزيز ، كما أنشأ الأمويون أول إدارة للأوقاف في الإسلام في مصر وذلك في عهد الخليفة الأموي هشام بن عبدالملك وكانت الأوقاف التي خصصت منفعتها للفقراء والمساكين ، آنذاك بأيدي واقفيها ، فتسلمها منهم القاضي العادل توبة بن نمر ، وتولى الإشراف عليها.
 
ثم تطورت إدارة الأوقاف، حتى شملت الأراضي الزراعية، والحوانيت، والبساتين، مما أدى إلى اتساع نطاق الأحباس، وجهات التصدق .
 
ومع الزيادة المستمرة في حجم، وكم الأموال الموقوفة بمصر، اضطرت الدولة في عهد المماليك أن تنشئ للأوقاف ثلاثة دواوين : ديوان أحباس المساجد، وديوان الأوقاف الأهلية، وديوان أحباس الحرمين الشريفين، وجهات البر الأخرى. كما أنشأ الفاطميون ديواناً عاماً للأحباس بمصر .
 
وحين تولى العثمانيون الحكم في البلاد الإسلامية ، استع نطاق الوقف فيها ، وذلك بسبب إقبال السلاطين وولاة الأمور وأسرهم والمحسنين على الوقف . ومن أجل تنظيم الأوقاف وضبط مصارفها ، أقام العثمانيون إدارات خاصة بها ، استمر العمل بها في معظم البلاد الإسلامية بعد انحسار الدولة العثمانية .
 
عناية المملكة بالأوقاف
 
** نرجع إلى ما بدأنا بها حديثنا عن المملكة العربية السعودية ومدى اعتنائها بالأوقاف سيما وأن الأوقاف في الحرمين الشريفين وما جاورهما من بلدان كثرت وزادت منذ العصور السابقة لقيام الدولة السعودية؟ كيف كانت تلك العناية وما مظاهرها التاريخية؟
أوضحت في الفقرة السابقة مكانة الوقف في الإسلام وأهمية وضرورته لنماء المجتمعات الإسلامية وتماسكها وتكافلها وقد أدركت المملكة العربية السعودية منذ تأسيسها وتوحيدها على يد المؤسس الإمام عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود – رحمة الله – هذه المكانة والأهمية ، فأولت الأوقاف الخيرية جل عنايتها حتى اينعت ثمارها وأصبحت نموذجاً يحتذى به ، فقد كانت عناية الملك عبدالعزيز بالأوقاف في طليعة اهتماماته فالمتأمل في منهج الإدارة الذي سلكه – رحمه الله – في جميع شؤونه ليدرك الفقه الإداري الذي كان يتمتع به – رحمه الله -  وما نالته الأوقاف من حظ وافر من هذا المنهج الإداري القديم حيث كان يكل إلى القاضي الإشراف على الأوقاف .
 
وهكذا استمر الحال في معظم مناطق المملكة – خاصة تلك التي يوجد فيها قليل من الأوقاف – إلا في منطقة الحجاز ( مكة المكرمة والمدينة المنورة وجدة ) نظراً لأن لها تنظيماً جرى العمل به إبان حكم الدولة العثمانية فقد أبقى – رحمة الله – العمل بذلك التنظيم حتى أعاد – رحمه الله – تنظيم الأوقاف في الحجاز فأمر بإنشاء إدارة للأوقاف في مكة المكرمة وأقام جلالته إدارة مماثلة في كل من المدينة المنورة وجدة .
 
وعندما صدرت التعليمات الأساسية للمملكة سنة 1345هـ شملت الأمور الشرعية فيها: القضاء، والحرمين الشريفين، والأوقاف، والمساجد إلى أن صدر مرسوم ملكي كريم بنفس العام يربط إدارات الأوقاف وفروعها في الحجاز بمدير عام مقره مكة المكرمة ويتبعه مدير الأوقاف في كل من جدة والمدينة المنورة مدير الحرم النبوي ومأمور الأوقاف في ينبع .
 
نظام دقيق وشامل
 
** لو استوفت الدكتور عبد الرحمن قليلا وسألته عن دور الملك المؤسس ( الملك عبد العزيز آل سعود) كيف استطاع أن ينظم تلك الأوقاف المتناثرة هنا وهناك  في مملكة شاسعة الأطراف، متسعة الأرجاء، ويسلكها في عقد خاص بها يحفظها من العبث والضياع ويرعى شؤونها وشجونهاقل ؟؟    
 
وضع الملك المؤسس نظاماً دقيقاً وشاملاً لتوزيع الصدقات على مستحقيها وأوكلت مهمة تنفيذه إلى لجنة مركزية تتبع إدارة الأوقاف العامة واتسم تنظيم الأوقاف منذ عهد الملك عبدالعزيز – رحمه الله – بالشمول والدقة لتحقيق الغايات الشرعية من الوقف والوصول إلى المصلحة العليا للأمة .
 
وقد انطلقت رؤية الملك الموحد – غفر الله له – إلى الوقف من مكانته في الشرع وأثره في تنمية التكافل والتعاضد بين أفراد المجتمع فلم تقتصر الأوقاف على الإنفاق على الفقراء والمحتاجين بل امتدت لتغطي جميع وجوه البر وبخاصة تأسيس دور العلم وإنشاء المكتبات ورعاية طلبة العلم مع إيلاء احتياجات الحرمين الشريفين ما يليق بمكانتهما في قلوب المسلمين كافة .
 
وبالرجوع إلى الأنظمة والأوامر الملكية والإدارات السنية التي صدر عن جلالة الملك عبدالعزيز يتبين مدى الحرص في الدراسة والدقة قبل إصدار الأمر أو الموافقة للوصول إلى أكمل نظام يحقق الانضباط متوخياً من ورائه تحقيق مصالح الناس .
 
ولذلك كان الرجوع إلى أهل الفتوى والمشورة مبدأ أصيلاً في هذا المجال من التزام ما يصدر عن المحاكم الشرعية ومراجعة المصادر الفقهية حين الالتباس أو الخلاف .
 
وهذا يبين حرص ولاة الأمر على متابعة أمور الأوقاف وحفظها من التعدي عليها والتحقق من إثبات عائديتها بالطرق الشرعية ولضبط الأوقاف وحمايتها من الإهمال والتلاعب عملت الدولة على إثبات الأوقاف وتدوينها في سجل خاص مع تدوين أرقامها وتواريخ سجلاتها في سجلات المحكمة الشرعية المحفوظة والتصديق عليها من قبل المحكمة ومديرية الأوقاف وتسهيل مهمات القائمين على هذا الأمر .
 
ومن ذلك يتضح اهتمام الدولة منذ تأسيسها على يد الملك عبدالعزيز – طيب الله ثراه – بأمور الأوقاف والعناية بها حيث كانت شؤون الأوقاف ملحقة بالمحاكم الشرعية حتى أنشئت لها إدارة خاصة واستمرت العناية بالأوقاف حتى أنشئت وزارة الحج والأوقاف عام 1381ه - ثم خصصت للحج وزارة مستقلة وأنشئت وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد في العهد الزاهر لخادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبدالعزيز – رحمه الله – وتولاها معالي الدكتور عبدالله بن عبد المحسن التركي كأول وزير للشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد .
 
كما صدر نظام مجلس الأوقاف الأعلى الصادر بالمرسوم الملكي الكريم رقم م/35 في 18/7/1386هـ ويرأس هذا المجلس معالي الوزير ويضم في عضويته ممثلين عن بعض القطاعات الحكومية ذات العلاقة .
 
وقد اشتمل هذا النظام على تنظيم لمجالس الأوقاف الفرعية في مناطق المملكة وكان لهذا النظام الأثر الطيب في متابعة الأمور المتعلقة بالأوقاف والمحافظة على أعيان وطرق استغلالها وتنميتها .
 
ومن جملة آثار هذا النظام صدور لائحة تنظيم الأوقاف الخيرية المعتمدة بموجب قرار مجلس الوزراء الموقر رقم 82 في 29/1/1393هـ التي اشتملت على بعض المواد المنظمة للأوقاف الخيرية ، وكذلك توجيهات تتعلق بتسجيل الأوقاف ومقرها .
 
كما حرصت الدولة - أعزها الله - على الإنفاق بسخاء على المحافظة على الأوقاف وصرف غلالها في مصارفها الشرعية حسب شروط واقفيها ووضعت لذلك تنظيمات تكفل تنمية أعيان الأوقاف وصرف غلالها في مصارفها الشرعية وقد حظي هذا الأمر برعاية أولي الأمر في المملكة منذ عهد المؤسس الملك عبدالعزيز آل سعود – رحمه الله – واقتفى أثره وسار على نهجه خلفاؤه البررة على منهاج الإسلام عقيدة وشريعة ونتيجة لاهتمامهم ورعايتهم تحقق للأوقاف النمو والازدهار وأتت ثمارها بفضل جهود الرجال المخلصين ممن تعاقبوا على الوزارة المعنية بالأوقاف .
 
وما زالت الجهود تبذل والعطاء يتواصل من أجل الحفاظ على أعيان الأوقاف وحمايتها والنهوض بمشروعاتها في جميع الوطن حصراً وإثباتاً وتسجيلاً وتنمية واستثماراً .
 
وكالة خاصة للأوقاف
 
** "وكالة الأوقاف " اسم يستوقفك ويجعلك تؤكد أن الحكومة السعودية زاد اهتمامها بالأوقاف بشكل دقيق وجعلت لها وكالة خاصة تقوم على شؤونها، متى تأسست ولماذا ومدى عنايتها بشؤون الأوقاف على مستوى مناطق ومحافظات ومدن المملكة؟
في عام 1414هـ أصبحت وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد هي الجهة التي تنفذ سياسة الدولة الرشيدة في مجال الوقف وقد دأبت الوزارة من نشأتها على تطوير أجهزتها الإدارية والفنية تبعاً للظروف والإمكانات المتوفرة لها في كل حين وكذلك تبعاً للرؤى التي نتجت عن الخبرة الفعلية المستندة على طول المعايشة والممارسة في الشؤون الوقفية وما طرأ عليها من تبدلات وتغيرات وهي في كل تلك المحاولات تنشد الارتقاء بالأوقاف والمحافظة عليها تحقيقاً لتوجيهات ولاة الأمر في هذا البلاد .
 
وقد وضعت الوزارة في سبيل ذلك الخطط اللازمة وهي خطط محكومة بشروط الواقفين وتشمل العمل على حصر وتسجيل الأوقاف بشكل عام مع التركيز على الأوقاف المجهولة الهوية أو المتعدى عليها وقد خصصت الوزارة في هذا الصدد مكافأة مجزية لمن يرشد عن مثل هذه الأوقاف حققت نتائج ملموسة بفضل من الله تعالى ثم بتعاون المواطنين الصالحين .
 
وحرصاً من الوزارة على العمل المتخصص ، والمتابعة الدقيقة والمستمر لهذا المجال الهام أوكلت مهمة الإشراف على العمل الوقفي إلى وكالة الوزارة لشؤون الأوقاف وخصصت لها مهمات هي : المحافظة على أعيان الأوقاف بحصرها وتسجيلها وصيانتها وإدارتها وحمايتها من الاعتداء عليها وإزالة ما وقع أو يمكن أن يقع عليها من التعديات وتنظيم السجلات والملفات المشتملة على صكوك الملكيات والإيقاف والتحكير وغير ذلك من المستندات .
 
وكذلك استنهاض همم أفراد المجتمع والموسرين ليسهموا في مجالات الأوقاف المختلفة والعمل على تحديث صيغ الإيقاف الجديد بما يلائم متطلبات العصر .
 
مع العمل على تنمية الأوقاف وتطويرها واستثمارها بالطرق المتاحة بما في ذلك البيع والاستبدال وفق الضوابط الشرعية وبما يحقق زيادة في عائداها واتخاذ الإجراءات الكفيلة بتحصيل غلال الأوقاف وتعويضاتها أولاً بأول .
 
ومن مهمات الوكالة أيضاً توجيه أموال الأوقاف لوجوه الخير وأعمال البر وفقاً لما نصت عليه شروط الواقفين بالإضافة إلى الإشراف على المكتبات الموقوفة وتنمية مجموعاتها بإضافة الأوعية الفكرية المختلفة إليها لتمكين الباحثين والدارسين من الاستفادة منها .
 
وكذلك المحافظة على الأربطة والعمل على زيادتها وتطويرها بما يمكنها من تأدية واجبها الاجتماعي .
 
الوقف وتنمية المجتمع
 
** لكن كيف يمكننا معرفة أهمية الوقف كشريان رئيس يمد التنمية الاجتماعية ويغذيها ويحافظ على ديمومتها؟
لمعرفة مكانة الوقف في التنمية بمفهومها العام يحسن الإلمام أولاً بالرؤية الإسلامية للتنمية ، وما تمتاز به من شمول ، وحكمة، وتوازن لأن الإسلام قد وضع أصولاً ، وقواعد رئيسة، لتنظيم العلاقات الاقتصادية بين الأفراد، والجماعات، وهي أصول تقوم على العدل ، وكبح المخاتلة .
 
ومبادئ الإسلام في الاقتصاد تتصف بالمرونة، والمحافظة على حقوق الآخرين، والبعد عن مواطن الغرر والمخادعة، وتنطلق من أن التنمية في خدمة الإنسان، وفي المحافظة على البيئة، ومواردها من التلوث، والاستخدام الجائر لها، ومن تلك المبادئ انطلق الوقف كمنهج اقتصادي انفرد الإسلام  بتشريعه ، والحث عليه ، وله أثر في حياة الناس ، وتربيتهم على أهمية المحافظة على أصول الأموال ، وكيفية استثمارها ، والإفادة منها دون المساس بها .
 
**  لو سألت الدكتور المطرودي عن أهم آثار الوقف في الجانب الاقتصادي من وحي تخصصه وعلاقته بوكالة عظيمة تعني بشؤون الوقف في المملكة؟
انبثقت أهم آثار الوقف في الجانب الاقتصادي والتي تتلخص فيما يأتي :
 
1- الإسهام في حفظ الأصول المحبسة من الاندثار .
 
2- حفظ أجزاء من أعيان الأموال لنفع الأجيال القادمة .
 
3- نفع المستحقين بإعانتهم على تلبية حاجاتهم .
 
وهذه الآثار تطهر مدى اهتمام الإسلام بالإنسان، لأهميته في مجالات التنمية المتعددة، كما تظهر كذلك مكانة الوقف في التنمية فالإنسان هو أساس التنمية، وهدفها في الوقت نفسه. ولذلك نجد معظم الأوقاف الخيرية، اهتمت بتعليم الإنسان من خلال الوقف على دور العلم بمختلف مستوياتها، وعلى المكتبات، وحلق التعليم، وعلى المعلمين .
 
لذا نجد أنه في مجال التنافس في فعل الخير، وبذل المعروف للمستحقين، تجاوزت الأوقاف حدود الكفاف إلى مستوى الكفاية، وتعدت دائرة الضروريات إلى دائرتي: الحاجيات والتحسينات فقد أنشئت بأموال الواقفين مدارس ومعاهد، مجانية متنوعة، لتعليم القران وعلومه، والحديث وعلومه، والفقه وأصوله، والطب، والصيدلة، والكيمياء، والفلك، وإقامة المستشفيات التي تعالج المرضى لوجه الله سبحانه .
 
وكان لتلك المؤسسات العلمية ، والصحية الراقية ، نظمها الرصينة ، ومواردها المالية التي تعينها في أداء رسالتها النبيلة ، من ريع الأوقاف المخصصة لها . وعُني الواقفون بوقف الكتب للمكتبات  العامة ، وفي المدارس ، وفي أروقة المساجد ن التي أسهمت بحظ وافر في نشر العلم ، وبث المعرفة ، بين مختلف طبقات الأمة ، وازدهرت الأوقاف الإسلامية ، واتسع نطاقها بسبب إقبال المسلمين عليها ، وتسابقهم إليها ابتغاء مرضاة الله - تعالى - فشملت مجالات متعددة من مجالات الحياة في المجتمع منها المجال الديني ، والتعليمي ، ومؤسساتهما ، والمجال الثقافي ( المكتبات ) ، والمجال الصحي (البيمارستانات) ، والمجال الاجتماعي .