مفتي الديار المصرية الدكتور علي جمعة في مقابلة رمضانية
13 سبتمبر 2009 - 23 رمضان 1430 هـ( 3991 زيارة ) .
§ رمضان  يحمل  شحنات إيمانية غير عادية لدفع قاطرة التكافل  بين أمة الجسد الواحد.
 
§ لا موانع شرعية  من توجيه جزء من الزكاة لبناء مدارس ومستشفيات، وتمويل مؤسسات خيرية.
 
§ دوري التطوعي  في مؤسسة "مصر الخير " لا علاقة له بمنصبي كمفت للبلاد.
 
القاهرة: كمال حسن
 
اعتبر مفتي الديار المصرية ـ الدكتور علي جمعة ـ شهر الصيام بمثابة مدرسة سماوية لتنظيم العلاقات الإنسانية بين الموسرين والفقراء، بحيث يشترك الجميع في الجوع والعطش والمعاناة من وقت السحور إلى الإفطار، وبذلك يحس الموسر بوجع الفقير والمسكين؛ فيعطف ويعطيه من مال الله تعالى صدقة وزكاة، بنفس راضية مطمئنة. مؤكدا أن من حكمة فرض الصيام تكريس قيم التكافل الاجتماعي؛ فشهر رمضان هو  الجود والكرم، وورد عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنه “كان من أجود الناس، وأجود ما يكون في رمضان ". ودعا المسلمين إلى استغلال هذا الشهر الكريم لتفعيل قيم التكافل الاجتماعي  في محيط  العمل والعائلة  والجيران؛ انطلاقا من قوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ:“مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى”. حيث وضع  الإسلام للتكافل نظماً بعضها فرائض وأركان، وبعضها واجبات أو مندوبات، ومن الأمثلة عليها فريضة الزكاة، والصدقات، والإقراض، والأوقاف، وكافة أشكال البر والإحسان. ولم يقتصر التكافل على تقديم الصدقات للمحتاج؛ بل تحقيق التنمية المستدامة  للمجتمع لإغناء محتاجيه عن ذل السؤال، حيث  قال عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ:"إذا أعطيتم فأغنوا".
 
 
مال الله والعطاء الإنساني
ويشير مفتي الديار المصرية في مقابلة رمضانية مع " مداد " إلى أن غياب  التكافل يؤدي إلى الطغيان الاجتماعي، وظهور الغنى الفاحش بجانب الفقر المدقع؛  حيث تتكدس الأموال في يد فئة محدودة من الناس، يتحكمون في مال الله بلا هدى سماوي، حيث  قال تعالى: “مَا أَفَاءَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلهِ وَلِلرسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السبِيلِ كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آتَاكُمْ الرسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتقُوا اللهَ إِن اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ” (الحشر 7). فالمال في الإسلام مال الله، ومقتضى ذلك أن ينفق المال على الوجه الذي يريده سبحانه، قال تعالى: “وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللهِ الذِي آتَاكُمْ” (النور33)، وفي القرآن الكريم ما يفيد أن المال ملك للأمة، قال تعالى: “وَلا تُؤْتُوا السفَهَاءَ أَمْوَالَكُمْ التِي جَعَلَ اللهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَعْرُوفاً” (النساء 5). من هنا نهى الله تعالى عن كنز الأموال وحبسها بغير إنفاق أو تنمية أو تزكية، قال تعالى: “وَالذِينَ يَكْنِزُونَ الذهَبَ وَالْفِضةَ وَلا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللهِ فَبَشرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لأَنفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ” (التوبة 34-35).                  
 
توجيه الزكاة لمؤسسات خيرية وتعليمية
وعن كيفية الاستفادة من زكاة رمضان في تنمية المجتمع وسد حاجة الفقراء والمساكين شدد الدكتور جمعة على توجيه جزء من أموال الزكاة للمؤسسات الخيرية ومصالح المسلمين العامة كبناء مدرسة أو مستشفى أو دور للأيتام وجهات الإغاثة الإسلامية  في المناطق المنكوبة في العالم الإسلامي ـ كقطاع غزة ـ الذي يتعرض للحصار والاحتلال منذ عدة سنوات، معتبرا التبرع  لمنظمات إغاثية وخيرية بالقطاع  واجبا شرعيا وإنسانيا، بعد  توقف شبه كامل للحياة اليومية، وتفاقم الأزمة الصحية، مع صعوبة توفير العلاج للمرضى. ويرى أن دعوته لا تتصادم مع تحديد القرآن الكريم للمصارف الشرعية للزكاة؛ فأبناء الأرض المحتلة لهم أولوية في استحقاق أموال زكاة المسلمين؛ لحاجتهم الإنسانية الملحة إلى الغوث. مؤكداً أن آلة الجهاد ليست منحصرة في السلاح فقط، بل هي شاملة  لكل متطلبات الحياة، حيث أجاز  الفقهاء السابقون دفع الزكاة للمجاهد في سبيل الله حتى وإن كان غنيا؛ فالشرع الشريف لم يجعل الجهاد قاصرا على الجهاد بالنفس بل جهاد المال، كما حثت الشريعة الغراء في مواضع عديدة على التعاون والتكافل الاجتماعي، لقوله تعالى: وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ سورة المائدة الآية 2.
 
وحول إمكانية  إقرار تشريع وضعي لتنظيم آليات جمع وصرف الزكاة، يؤكد الدكتور جمعة  على  ضرورة إصدار تشريع ملزم للزكاة، خاصة أن كثيرا ممن وجبت عليهم الزكاة لا يخرجونها، وقال:" إن هناك تجارب ناجحة في مأسسة الزكاة، مثل ما حدث في  الكويت والسودان، مطالبا رجال الأعمال والأغنياء بأن يعطوا الفقراء والمحتاجين والمنكوبين  حقوقهم، عملا بقول رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: «والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن..... من بات شبعان وجاره جوعان».
 
وعن مسؤولية  مؤسسات المجتمع المدني في جمع الزكاة بعيدًا عن الإدارة الحكومية ومدى أمكانية تطبيق ذلك، قال الدكتور جمعة إن هناك تجارب ناجحة لمؤسسات تطوعية في جمع وصرف الزكاة، منها في مصر ـ على سبيل المثال لا الحصر ـ تجربة  بنك ناصر الاجتماعي، الذي له 5 آلاف صندوق للزكاة في مختلف محافظات الجمهورية. وقال: "إن المصريين  فقط لو دفعوا أموالهم الظاهرة فقط فسيتوافر لدى الدولة  أكثر من 7 مليارات جنيه لصالح الفقراء، تكفي  لتمويل آلاف المشروعات الإنتاجية للفقراء العاطلين، وتحويلهم إلى قوى منتجة". مؤكدا  مشروعية جواز  دفع الزكاة والصدقات لمستشفيات خيرية كمستشفى  سرطان الأطفال؛ لأنها تذهب للإنسان مباشرة، وتحقق له الرعاية والحماية. وأكد على ضرورة تكاتف المسلمين من أجل إنجاح أي مشروع صحي أو علمي أو تنموي، يهدف إلى التخفيف من معاناة الفقراء.
 
المسؤولية الخيرية لرجال الأعمال
وحول المسؤولية الاجتماعية لرجال الأعمال المسلمين، والتي تظهر في رمضان من خلال تنظيم بعض الموائد أو الصدقات، وتخفت طول العام، يرى مفتي مصر أن تلك المسؤولية لا تقتصر فقط على مجرد المشاركة الظاهرية في أعمال خيرية تطوعية، بل يجب أن تتم في شكل مؤسسي منظم، خاصة بالنسبة للشركات العملاقة، والتي تحقق أرباحا سنوية كبيرة. داعيا لإنشاء مؤسسات أهلية تقوم بعبء جمع الزكاة لتوزيعها على مستحقيها، وأشار إلى  أن إنشاء هذه الهيئات سيحقق الحل العملي لجمع الزكاة من أجل مواجهة مشكلات الأمة.  
 
وعن إمكانية إحياء دور الوقف في العصر الحالي شدد مفتي مصر على أهمية دور الوقف في العصر الحديث باعتباره أهم مصادر تمويل الأعمال الخيرية والإنسانية في المجتمع. وقال:" إن الوقف يستطيع المساهمة بعملية التنمية الاقتصادية والاجتماعية في المجتمعات الإسلامية  المعاصرة  بشكل كبير، شريطة أن تحدد هذه المصارف وفقا للحاجات الحقيقية المستجدة للمجتمع، وليس طبقا لشروط الواقفين". منتقدا وقف البعض أموالا وأراض  للإنفاق على الأضرحة والمقامات. ودعا إلى آليات عصرية لتسويق الفكر الوقفي، وترشيد المبادرات التطوعية للواقفين. الوقف نظام من نُظُم البر والإحسان، وإنفاق الأموال في سبيل الله يفيد المجتمع ويلبي حاجاته ويحقق له التقدم والازدهار بتقوية وشائج التكافل. وقال إن الصناديق الخيرية الاستثمارية هي صورة معاصرة للوقف، وإنه يمكن من خلالها إعادة دور الوقف في المجتمعات الإسلامية، وتفعيل دور التكافل الاجتماعي.
 
مؤسسة " مصر الخير "
وبخصوص مؤسسته  الخيرية " مصر الخير"، والجدل الفقهي حول قبول أموال الزكاة لتوظيفها في الأعمال الخيرية للجمعية، رغم أنه مخالف للمصارف الشرعية للزكاة، قال مفتي الديار المصرية:" إنه لم يحدث جدال أو عراك فقهي بين الأزهر ودار الإفتاء حول نشاط الجمعية، والتي هي مستقلة عن دار الإفتاء".  مشيرا إلى أن المؤسسة تجمع الصدقات الجارية لإحياء فكرة الوقف، حتى يصرف على الصحة والتعليم والفنون والرياضة والآداب، والتكافل الاجتماعي، والبحث العلمي، وفكرتها تقوم على استقبال أموال الزكاة والصدقات والتبرعات من داخل مصر وخارجها، ويتم صرف أموال الزكاة فورًا، أما أموال الصدقات والتبرعات فيتم استثمارها في مشروعات ومحافظ مالية لتحقق أرباحا يتم صرفها على رفع المعاناة عن الطبقات المحرومة والشديدة الفقر، خاصة في مجال الصحة والتعليم الأساسي. وتعمل المؤسسة ـ أيضا ـ على إعانة ورعاية المسنين والأيتام وأطفال الشوارع، والمساعدة في تمويل الأبحاث العلمية المفيدة للمجتمع.  
 
وأشار إلى أن مؤسسة مصر الخير تعمل ـ أيضا ـ على إحياء فكرة الصدقة الجارية والوقف الخيري، وإعادة المهام التي كانت تؤديها الأوقاف في خدمة المجتمع، كما  تستهدف  تعليم الناس كيفية كسب الرزق بتوفير العمل، وكفالة من لا يستطيع الكسب للقضاء على الجوع من خلال جمع واستثمار أموال المصريين، وصرف العائد منها على الأسر الأولى بالرعاية، وإغاثة الأسر في النكبات والكوارث، ودعمهم ماديا ونفسيا. مشيرا إلى أن  المؤسسة تهدف إلى جمع 5 مليارات جنيه مصري لتفعيل نشاطها الخيري.
بواسطة : علي جمعة