مداد يحاور المحامي مهند الحسني
23 يونيو 2009 - 30 جمادى الثاني 1430 هـ( 909 زيارة ) .
"مداد " يطرح السؤال:
 
 لماذا غيِّبت استراتيجة مكافحة الفساد عن منظمات المجتمع المدني ؟؟
 
المحامي مهند الحسني: مكافحة الفساد معركة طويلة شديدة الوطأة.. وهنالك من وضع قدمه على أول الطريق
 
= أخرجوا روح حقوق الإنسان وثقافتها من معادلات صراع المصالح
 
= تعزيز"ثقافة النزاهة" داخل المجتمع  مهم في ظل سيادة القيم السلبية
 
= مكافحة الفساد يحتاج  إلى بناء شراكة فاعلة على المستوى الدولي 
 
= الاتفاقية الدولية لمكافحة الفساد تضمن للمجتمع المدني دورا في محاربته
 
=  مكافحة الفقر والمرض والجريمة للحد من انتشار الفساد
 
أمجد نيوف – دمشق
 
يعتبر الفساد هَمَّاً دوليا بات يرصد له الإمكانات، وتوضع له البرامج والاستراتيجيات على مستوى العالم أو على مستوى الدولة الوطنية.. وهو معركة طويلة شديدة الوطأة، باعتبار أن الفساد شيء عابر الحدود، سريع الانتشار..
 
ولأن سياسات المكافحة لهذا الخطر المستشري هي مسؤولية وطنية؛ فإنه لا يمكن استبعاد منظمات المجتمع الأهلي وإغفال دورها ضمن هذا السياق.
 
من المسئول عن محاربة الفساد، من ساهم في تغيبب أو "تحيدد" استراتيجية واضحة المعالم في محاربة الفساد سيما في منظمات المجتمع المدني
 
ولإلقاء الضوء على دور منظمات المجتمع المدني في مكافحة أو الحد من الفساد؛ حاور "مداد " الناشط المدني السوري، ورئيس المنظمة السورية لحقوق الإنسان، المحامي مهند الحسني حول هذه القضية المهمة..  الذي أكد أن محاربة الفساد عبارة عن منظومة عمل متكاملة، تجري في بيئة قائمة وفقا لضوابط ومعايير الحكم الرشيد. وأشار إلى أن مكافحة الفساد معركة طويلة وشديدة الوطأة، مؤكدا على أن منظمات المجتمع المدني هي أهم آليات مكافحة الفساد في منطقتنا.
 
ودعا الحسني إلى إعادة الاعتبار للصورة النمطية التاريخية الجميلة " للرجل العام " بوصفه الرجل المستعد للتضحية في سبيل الصالح العام و الخير العام، والمتوافق مع الذوق العام لمعظم أبناء الوطن.
 
ثقافة النزاهة
 
* بطبيعة الحال، لا يمكن محاربة الفساد على أنواعه إلا ضمن استراتيجية أو منظومة وطنية جوهرها القضاء النزيه والمستقل. ما هو الدور الممكن أن تلعبه منظمات المجتمع المدني في هذا السياق؟
من وجهة نظري، القضاء النزيه والمستقل لا يكفي وحده لمحاربة الفساد. محاربة الفساد تحتاج لمنظومة عمل متكاملة، من خلال تعزيز دور المجتمع المدني ليقوم بدوره في شراكة حقيقية في مساءلة الفاسدين لترسيخ ثقافة الشفافية و النزاهة داخل المجتمع. و اسمح لي هنا أن  أؤكد على تعزيز ثقافة النزاهة داخل المجتمع، و هو أمر هام في ظل سيادة القيم السلبية  في مجتمعاتنا العربية، وصولاً للقضاء المستقل، والإعلام المحترم و غير المرتهن، وإلى مجتمع مدني مستقل و معبر عن آمال و طموحات الناس، وإلى بناء شراكة فاعلة على المستوى الدولي، على اعتبار أن خطر الفساد عام، و يدفع المجتمع الدولي تكاليف باهظة في أعقابه. باختصار، محاربة الفساد عبارة عن منظومة متكاملة، والقضاء المستقل هو أحد أعمدتها.
 
الإصلاح الذاتي
 
* يمكن القول إن وضع الاستراتيجيات والبرامج الخاصة بمحاربة الفساد لا يمكن أن تتم إلا ضمن بيئة مناسبة يمكن من خلالها لهذه الأهداف والبرامج أن تبصر النور. ما هي مواصفات وشروط هذه البيئة؟
البيئة المناسبة لترجمة برامج و استراتيجيات محاربة الفساد لواقع ملموس هي البيئة القائمة وفقاً لضوابط و معايير الحكم الرشيد، وهي متعارف عليها دولياً من خلال اعتماد نظم عادلة في مختلف نواحي الحياة تكفل الإصلاح الذاتي  سياسيا و اجتماعيا و اقتصاديا و ثقافياً.
 
وهناك مثال حي شاهده العالم على شاشات التلفزة من خلال انتخابات الرئاسة في الولايات المتحدة الأمريكية، التي جاءت بابن مهاجر إفريقي لسدة الحكم في أكبر دولة في العالم، حاملاً معه برامج و أفكار هي على النقيض مما طرحه فريق قوي من المحافظين الجدد في الولايات المتحدة الأمريكية.
 
الإصلاح الذاتي لا يتم إلا في بيئة تضمن المحاسبة و المساءلة، وإعمال مبدأ النقد الذاتي في عموم المؤسسات القائمة من خلال الرأي و الرأي الآخر، واعتماد نظم تتمتع بمرجعيات قضائية مستقلة و شفافة تشكل سياجاً للحريات العامة، و ضمانة لتحقيق فعلي لمبدأ الفصل ما بين السلطات. مثل تلك الآليات تكفل لك الحق بتشكيل مؤسسات تتمتع بصفة الشرعية، و يكون ولاؤها الوحيد للفئات الاجتماعية التي انتخبتها، و تتمتع قراراتها و القوانين التي تصدرها بصفة الشرعية أيضاً.
 
في مثل هذه البيئة ترى المواطن ينصاع للقانون من تلقاء نفسه، و يحترم الأساليب المشروعة التي جاء بها القانون، و يشعر أنه جزء من إصدار القوانين الناظمة للحياة و سنها، و يشعر المواطن فيها أن القوانين تسن من أجله و لمصلحته، و فيما لو رغب بتغيير القانون فإنه يستطيع في كل وقت التعبير عن رأيه، و إنما بالقنوات المشروعة التي توافقت عليها الإرادة العامة لمعظم أبناء الوطن.
 
هذه هي البيئة التي تضمن ، برأيي ، " الإصلاح الذاتي الداخلي " لمختلف نواحي الحياة. و هذه هي البيئة التي تضمن تجدد المجتمع بشكل دائم، و ربطه بمشروع عام منتج ينطلق من ينابيعه الطبيعية الكامنة في الذوق العام، و العقل العام لمختلف أبناء الوطن، لا من الفرض و القسر و الإكراه.
 
النضج الاجتماعي
 
* الإعلام الحر يعني الشفافية، ولا شك أن الإعلام الذي يتمتع بشيء من الحرية والاستقلالية يلعب دورا مهما في مكافحة الفساد. كيف تقرأ ذلك في الواقع الراهن للإعلام العربي؟
معايير الحكم الرشيد تكاملية، و الإعلام يشكل أحد دعائمها. ومن الصعب تصور التركيز على دعامة و إلقاء الحمل عليها على حساب الأخرى. حرية الرأي و التعبير مرتبطة بحرية التفكير و المعتقد، و حرية التفكير مرتبطة بحق التجمع السلمي، وحق التجمع السلمي مرتبط بحق التنظيم. وهكذا، هناك دائرة تكاملية تصاعدية وصولاً لحالة من الارتقاء و النضج الاجتماعي العام، و وصولاً للبيئة التي حددت معالمها في إجابتي السابقة.
 
معركة شديدة الوطأة
 
* تغيب استراتيجيات مكافحة الفساد عن أعمال ونشاطات معظم منظمات المجتمع المدني في العالم العربي. لماذا لا تكون مسألة محاربة الفساد ضمن أولويات وبرامج هذه المنظمات؟
أنا لا أشاطرك الرأي  بأن استراتيجيات مكافحة الفساد غائبة عن أعمال و نشطات معظم منظمات المجتمع المدني في عالمنا العربي؛ بالأمس القريب عقد في مركز التأهيل و التوثيق في العاصمة اليمنية صنعاء الدورة الإقليمية الأولى لمكافحة الفساد. و خلص المؤتمرون لتشكيل التحالف العربي لمكافحة أخطر معوقات الإصلاح و التنمية في العالم العربي ( الفساد)، بمشاركة العديد  من الدول العربية: " تونس – الجزائر – الكويت ـ الأردن – المغرب – قطر – السعودية – اليمن، و غيرها"،  وإن لم تكن سوريا من بين المشاركين". كما أن هناك 13 دولة عربية صادقت على الاتفاقية الدولية لمكافحة الفساد، والتي تضمن للمجتمع المدني دوراً فاعلاً في هذا المجال. و بالتالي فالأمور تسير بالاتجاه الصحيح، وإن كانت تسير ببطء. وعلينا أن نتذكر أن التحديات كبيرة، و مكافحة الفساد معركة طويلة و شديدة الوطأة إذا ما أخذنا بعين الاعتبار التقاطعات الحاصلة ما بين الفساد و السلطة و أصحاب النفوذ في عالمنا العربي و الإسلامي من جهة مع مراكز النفوذ المالي و الأعمالي من بنوك و سماسرة دوليين في بنوك الدول المتقدمة من جهة أخرى، في ظل فساد القيم السلوكية و الجمالية في عالمنا العربي، و سيادة القيم السلبية التي تنظر للفاسدين على أنهم أكثر ذكاء و حنكة و خبرة و شطارة، و أحياناً رجولة أيضاً. و بالتالي فالتحديات كثيرة، لكني أرى أن هناك من وضع قدمه على أول الطريق.
 
الضمير الحي
 
* إذا كان  للإصلاح السياسي والاقتصادي دورٌ مهمٌ في مكافحة الفساد، أين تقف منظمات المجتمع المدني من هذا الدور في ظل العلاقة المتوترة ما بين هذه  المنظمات وحكومات بلدانها؟
تقف منظمات المجتمع المدني في المقدمة لو كان هناك مشروع حقيقي للإصلاح السياسي و الاقتصادي فعلاً. لو كان هناك مشروع إصلاحي لما استثنى أحداً، ولما خون أحداً، ولما أقصى أحداً. المشروع الإصلاحي كبير، و بحاجة لجميع مكونات المجتمع، و على رأسها منظمات المجتمع المدني.
 
حالياً، العلاقة موتورة ما بين منظمات المجتمع المدني و الحكومات؛ بسبب الطابع النقدي لمنظمات المجتمع المدني. وبرأيي، إن الطريق أمامنا مازال طويلاً، و تقصر خطواته كلما توفرت الإرادة الخيرة والضمير الحي.
 
الاستهجان الاجتماعي للفاسدين
 
* ما طبيعة الدور الذي يمكن أن تلعبه منظمات المجتمع المدني في تشجيع بلدانها للانضمام إلى الاتفاقيات الخاصة بمكافحة الفساد؟
إن تصديق 13 دولة عربية على اتفاقية مكافحة الفساد مدعاة للتفاؤل. كما أن التقرير الأول يشير لتحسن طفيف لخمس دول عربية في مجال مكافحة الفساد، و هو أيضاً أمر إيجابي. وتشكيل التحالف العربي لمكافحة الفساد في اليمن خطوة أولى، و على الطريق الصحيح  لترجمة الآمال لواقع ملموس على الأرض. و يمكن لمنظمات المجتمع المدني تشجيع بلدانها للانضمام لاتفاقية مكافحة الفساد من خلال التركيز على الخيار الديمقراطي، و رفده و دعمه بمختلف الوسائل و الأساليب. فالفساد هو أحد أهم عوائق التحول الديمقراطي والمدني في عالمنا العربي، و بالمقابل، الديمقراطية و منظمات المجتمع المدني هي أهم آليات مكافحة الفساد في منطقتنا. 
 
ويمكن تصور تشجيع الدول العربية على الانضمام لمعاهدات مكافحة الفساد من قبل مؤســسات المجتمع المدني من خلال العمل على مأسسة الديمقراطية من قبل تلك المنظمات، كالسعي لبرلمانات حرة و ليست مجالس شكلية أو صورية، ومن خلال مكافحة الفقر و المرض و الجريمة، ومن خلال السعي لصحافة حرة و نزيهة، ومن خلال السعي لقضاء عادل و مستقل. أو من خلال نشر ثقافة الديمقراطية و جعلها واقعاً يومياً مُعاشاً على الأرض، تبدأ مع مراحل الدراسة الأولى، و تشمل جميع نواحي الحياة. فالجهود التي تصب في سبيل نشر ثقافة الديمقراطية و مأسستها هي بالضرورة جهود تبذل في سبيل مكافحة الفساد.
 
كما أن الدفع باتجاه اعتماد نظام نزاهة وطنية " شعبية " يعمل على أن تسود قيم الاستنكار و الاستهجان الاجتماعي للفاسدين، بدلاً عن النظرة التقليدية القائمة على الإعجاب بذممهم الواسعة و مواهبهم اللصوصية، عامل هام يمكن من خلاله أن تدفع تلك المنظمات حكوماتها للتوقيع على معاهدات مكافحة الفساد. أعلم أن الطريق طويل، و هو ليس مفروشاً بالورود، لكن طريق الألف ميل يبدأ بخطوة.
 
التشبيك بين المنظمات الأهلية
 
* يعتبر التشبيك فيما بين منظمات المجتمع المحلي والمنظمات الدولية عاملا هاما في تحقيق نجاحات ونتائج إيجابية على صعيد العمل في مكافحة الفساد. كيف تقرأ أهمية التشبيك في سياق محاربة الفساد؟
لا بد من شراكة دولية في سبيل الحد من خطر الفساد على حياة الناس. علينا أن لا ننسى أن خطر الفساد يتجاوز الحدود، و أن الآثار السمية للفساد عابرة للحدود. و علينا أن نتذكر أن التكلفة الاقتصادية التي يدفعها المجتمع الدولي نتيجة للفساد عالية جداً؛ الأمر الذي يستدعي التشبيك، و تضافر الجهود في سبيل مكافحة الفســاد.
 
"الرجل العام ".
 
* كثيرا ما تُتهم منظمات المجتمع المدني بأنها منظمات نخبوية. كيف يمكن للاقتراب من الإنسان العربي وهمومه أن يساهم في تفعيل دور منظمات المجتمع المدني في محاربة الفساد؟
هناك قيم ســلبية تسود في المجتمعات العربية، ناتجة عن تأثير ظروف الدولة الأمنية عليها، بحيث بات ينظر للفاسدين على أنهم مهرة، و أحياناً شــجعان، و في أحيان أخرى أذكياء عرفوا الطريق نحو الثروة و الجاه و السلطان. لا بد من السعي لتصحيح تلك النظرة الخاطئة لبعض القيم السـلبية السائدة حالياً  في مجتمعاتنا العربية، و إعادة الاعتبار للصورة النمطية التاريخية الجميلة ( للرجل العام)، الذي افتقدناه كثيراً في عالمنا العربي، و الذي ما زالت بعض ملامحه تبدو بين الفينة و الأخرى في بعض البيئات العربية ـ كلبنان مثلاً.
الرجل العام بوصفه  نزيهاً عفيفاً بعيداً عن التفكير بمصالحة الشخصية و الضيقة العائلية منها أو العشائرية أو الإثنية أو الطائفية. الرجل العام المستعد للتضحية في سبيل الصالح العام و الخير العام، والمتوافق مع الذوق العام لمعظم أبناء الوطن. الرجل العام الذي عادة ما تلوذ به الغالبية من أبناء الوطن بوصفه مرجعية وطنية عامة، و على مسافة واحدة من الجميع.
بواسطة : مهند الحسني