الباحث الإسلامي رياض بن مصطفى لـ"مداد"
2 يناير 2009 - 5 محرم 1430 هـ( 2013 زيارة ) .
الأستاذ رياض بن مصطفى كان واحدا من بين الذين تقدموا بمداخلة هامة في الندوة التي أقيمت حول الزكاة بمقر اتحاد الاتحاد الثقافي والاجتماعي للمجس الإسلامي بموسكو، التقته مندوبة "مداد"، وأجرت معه الحوار التالي ضمن فعاليات ندوة الزكاة.
 
رشيدة أحمد ـ مداد ـ موسكو
 
تَقَدَّمْتَ بدراسة  للندوة التي أقيمت يوم 2من تموز في مقر الاتحاد الثقافي والاجتماعي بموسكو حول الزكاة،هل لك أن تحدثنا عن الأفكار التي طرحتها بهذا الشأن، وما هي الآفاق التي ترمي إليها الندوة؟
مشاركتي في ندوة الزكاة كانت بهدف تقديم بعض الأفكار عن أهمية الزكاة كجزء من المنظومة الإسلامية، وأكدت على أن الزكاة ليست مجرد ضريبة، وإنما جزء في داخل منظومة عامة، هذه المنظومة أقيمت على خمس قواعد (أركان الإسلام الخمسة). تكلمت عن وضع الزكاة في المجتمع الروسي تاريخيا (قبل الشيوعية)، والدور الذي قامت به، ثم توقفها بعد تأسيس الاتحاد السوفييتي. وتطرقت ـ أيضا ـ إلى تقديم  مجموعة من الأفكار والأطروحات حول كيفية إدخال مسألة الزكاة في المجتمع الروسي المسلم.
 
طبعا الندوة أقيمت على أساس إلقاء الضوء حول أهمية هذه الفكرة. ثم تكلمت على موضوع تجربة لجان الزكاة الموجودة في الدول العربية، وطريقة عملها، وكيف أنها استفادت من إمكانيات المجتمع لتطوير الفكرة وتوظيفها بشكل جيد لحل المشاكل الاجتماعية. ثم ركزت على موضوع الثقة بين صاحب رأس المال والمؤسسة أو العاملين داخل المؤسسات؛ نظرا لأن هذه هي المشكلة الأساسية لعدم تطور النظرة إلى وظيفة الزكاة. فالكثير من الناس يخشون من سوء التوظيف المالي، حيث لا يوجد ثقة إلى حد الآن في أن هذه الأموال ستصل إلى مستحقيها.
 
كنت اقترحت أنه يمكن إنشاء مؤسسة يكون على رأسها مجموعة من الناس مشهود لهم بالثقة والأخلاق، ومعروفون داخل المجتمع، وهذا لا يعني أن يكونوا من فئة رجال الدين. وتم التركيز في الندوة على المشاريع الاجتماعية مثل: دور الأيتام، ودور العجزة، ورياض الأطفال، وخاصة الاهتمام بفئة المشردين، مع العلم أن عددهم ليس بقليل حسب الإحصائيات، فالإحصائية الرسمية تقدر بـ 3 ملايين طفل مشرد في روسيا، وبالتحديد هم يعيشون في الشارع. 
 
كما هو معلوم فإن الزكاة إحدى أهم أركان الفريضة، وأوجدت  لأداء  وظيفة إنسانية في غاية الأهمية تخدم قضايا الفرد و المجتمع على السواء، فما هي برأيك سبل استمرار ونجاح أداء هذه الوظيفة؟
في الزكاة ركز الإسلام على أن لا  تكون أموال الزكاة في أيدي أفراد، بل إذا وجدت مؤسسات معروفة الأفضل أن يقدم الإنسان زكاته إليها لتحقيق المنفعة العامة، وإذا كان هذا لا يعني  أن الإنسان يفقد الحرية في التصرف في بعض هذه الأموال مثل إعطائها للأقارب وغيرهم. إذن الأساسية والوظيفة الحقيقية للزكاة تكمن في تحقيق المنفعة العامة للمجتمع ككل. إن نجاح هذه الوظيفة يتعلق بفهم المجتمع ككل، وبما يمكن أن تحققه الزكاة في حل مشاكل اجتماعية قد تعجز الدولة نفسها عن حلها. أن وظيفة الزكاة في حياة الإنسان وظيفة جليلة وعظيمة إذا قدر لها أن تقوم بمهمتها الفعلية دون أية عراقيل. إن وظيفة الزكاة في الإسلام أكبر من أن يتخيلها الإنسان؛ فهي مؤسسة طاردة للفقر بجدارة، وهي وحدها التي تكفل كرامة الإنسان المسلم المكتفي والمحتاج. 
 
تتغلب النزعة الفردية والتحكم المادي والربحي في العلاقات بين البشر، بحيث أصبح التعاون في أغلب الأحيان يوصف وكأنه ضرب من ضروب المثالية في عالمنا المعاصر، فيما يسيطر الفقر والحرمان على شريحة كبيرة من الناس، كيف ترون حل هذه الإشكالية في ظل غياب مؤسسات العمل  الخيري؟
النزعة الفردية والتحكم المالي والربح الشخصي مسألة جبل عليها الإنسان، ولكن عندما جاء الإسلام وضع قاعدة جديدة ربطت بين كل قواعد الإسلام الأخرى. لقد بين الإسلام الجانب الأخلاقي في داخل المجتمع، والرسول الكريم ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: "إنما بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق". إذن الإسلام جاء ليهذب النزعة الفردية، ويربي في الإنسان الاهتمام بالآخرين. والزكاة تلعب الدور الأساسي في هذا المجال؛ فهي من ناحية تدفع نحو التفكير في الفقير والقضاء على طبقة كبيرة من الفقراء ورفع مستواهم، كما تربي في الفقير عدم النظر إلى الغني نظرة حسد وعداء. إن المطلوب من كل فئة داخل المجتمع الإسلامي المتكافل أن تقوم بوظيفتها. فبالنسبة للأغنياء الذين يرفضون القيام بواجبهم في تقديم الزكاة بما حدده الشرع يُرغمون على دفعها، بل قد يؤدي في حال عدم الدفع إلى أخذ نصف ماله.
 
بعض الدراسات تقول إنه يمكن تجميع ما لا يقل عن 100 مليار من أموال الزكاة سنويا، وذلك من العرب فقط. ما أحوجنا ـ وخاصة اليوم ـ إلى توظيف مثل هذا المال الحلال في النهوض بالفقراء، وعلاج المرضى، وتعليم الأميين، ورفع آثار الحروب وعنائها عن المنكوبين من بني قومنا، وما أحوجنا إلى رفع مستوى تعليم أبنائنا، وحفظ ماء وجه المتسولين والمتعبين، نحن بحاجة إلى إعادة نظر في المهمة التي تقوم عليها وظيفة الزكاة. 
 
يعد العمل الخيري أحد أهم ركائز المجتمع الأهلي، وقد أدى دورا هاما  في حل العديد من المعضلات الإنسانية والاجتماعية، وساهم في إثراء الجانب الروحي والإنساني للبشر، كيف تنظر إلى مستقبل العمل الخيري اليوم؟
بعد  أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 أصبح العمل الخيري في كل الدول عربية والإسلامية مستهدفا، فقد اتهم بالإرهاب على الرغم أن المؤسسات التي وجهت إليها تهم الإرهاب مباشرة لم يستطع القضاء إثباتها. وقد تم بموجب ذلك إغلاق العديد من المؤسسات الخيرية في الكثير من البلدان، ومن بينها الدول الأوروبية. بالنسبة لروسيا ثمة غياب تام لمؤسسات العمل الخيري؛ نظرا للأسباب التي ركزنا عليها آنفا. كان يوجد هناك بعض المؤسسات العربية التي تعمل في هذا المجال لكنها أنهت مهامها وخدماتها، ولم يعد لها أي وجود. أعتقد بأن العمل الخيري سيبقى مهما كانت الظروف؛ نظرا لارتباطه بالإسلام.
 
المؤسسات الخيرية الرسمية المتخصصة غير موجودة، وإن كان القانون لا يمنع ذلك، والأوضاع الداخلية للمسلمين والمؤسسات التي تمثلهم تلعب الدور السلبي في إيجاد مثل هذه المؤسسات.
 
عادة ما يرتبط العمل الخيري بمؤسسات حكومية تنظمه وتشرف عليه، وهو الأمر السائد اليوم، فيما يعتقد البعض أن العمل الخيري هو عمل تطوعي إنساني، ولا يخضع إلى أي أطر تقننه، فما رأيك في ذلك؟ 
أعتقد بأن العمل الخيري في القرن العشرين والواحد والعشرين لا يزال يرتبط ارتباطا جذريا بالشعوب وليس بالحكومات، والدليل على ذلك أن  المؤسسات الخيرية في كل العالم أو غالبيتها لم تنشأ بإرادة الحكومات. الذي حصل بعد أحداث 11 سبتمبر أن الدول وضعت يدها على المؤسسات الخيرية - كما تقول هي -  لتوظيف ومراقبة المبالغ الموجودة بحوزة هذه المؤسسات، وكانت الغاية الأساسية منها التأكد من مدى صحة الاتهامات التي وجهت إليها حول مسألة تمويل الإرهاب.
 
لقد أكدت التجربة أن هذه المؤسسات بقيت تعمل لعدم تمكن المشرفين من الدولة من إيجاد اختراقات تؤكد صحة هذه الاتهامات. وعليه فأعتقد أن العمل الخيري سيبقى مع بقاء ووجود المراقبة الحكومية عليه، مع أهميتها، وهو الأمر الذي سيعطي دفعة قوية نحو زيادة الثقة بالعمل الخيري.
 
نفتقد في كثير من الأحيان إلى  الدراسات والأبحاث المتعلقة بالعمل الخيري والعمل التطوعي، فما هي أسباب ذلك  برأيك، وكيف تنظر إلى تفعيل هذا العمل اليوم؟ 
المشكلة الأساسية في هذا أن المؤسسات الخيرية لم  تربط هذا العمل بمسألة الإشهار على اعتبار أن ذلك يقلل من الأجر. لقد أكدت التجربة أنه يوجد قصور كبير من طرف هذه المؤسسات بالتعريف بحجم المشاريع التي تقوم بها، وهذا ما يؤكد عدم وجود دراسات وأبحاث معمقة حول العمل الخيري. الأمر الآخر، ويتمثل في وجود تخوف داخل العاملين في العمل الخيري؛ وذلك من شأنه أن يساهم في إعاقة مشاريعهم المستقبلية، وهذا ما يفسر شح المعلومات عن العمل الخيري، وإن كان في السنوات الأخيرة البعض من هذه المؤسسات غيرت هذا النمط، وأصبحت تتعامل مع وسائل الإعلام بأكثر انفتاحا. من بين هذه المؤسسات نذكر المؤسسات الأوروبية التي فهمت أهمية الدور الإعلامي في التعريف بها وبأنشطتها، خاصة بعد أحداث سبتمبر.
 
تعاني أغلب المجتمعات  من سوء التغطية،  سواء  منها الصحية أو الدراسية أو الاجتماعية، وخاصة فئة العجزة والمسنين وذوي الإعاقة، برأيك كيف يمكن التغلب على تلك الصعوبات، وما الأطر الكفيلة بحلها؟
على الرغم من أن المؤسسات الخيرية تقوم بأدوار مهمة جدا للتخفيف من معاناة الكثيرين، لكن يبقى الجهد قليلا إذا قورن بحجم المشاكل الاجتماعية والتي تعيشها المجتمعات، ولذلك تبقى فئة كبيرة من أطياف المجتمع لا تصلها المساعدات المباشرة أو غير المباشرة. وهذا ما يؤكد على أن الزكاة يجب أن تهتم بها الدول كأحد أهم الوسائل لإيجاد حلول شاملة داخل المجتمع.
 
الزكاة تهدف إلى حل قضايا ومعضلات كبيرة، مثل البطالة، والمرض، والعجز، فهي الوحيدة القادرة على إيجاد حلول عملية لكل القضايا التي تتخبط فيها المجتمعات المعاصرة، مثل: البطالة، والمرض، والفقر، والعجز، والسكن، والدراسة، وغيرها. لكن لا بد من التذكير بتجربة الفاروق عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ التي تقوم على فكرة إغناء الفقير، فالحل كان بالنسبة إليه لا يتمثل في سد حاجة الفقير فحسب؛ بل أن تعطي الفقير ما يكفيه من المال بحيث يتمكن من الخروج من فئة الفقراء إلى الفئة المتوسطة، والتي لا تحتاج إلى مساعدة. أكتفي بهذا القدر. وفقكم الله في هذا العمل المثمر، ونتمنى لكم المزيد من النجاح.
بواسطة : رياض مصطفى