العايشة والصحيّة
1 يناير 1970 - 23 شوال 1389 هـ( 442 زيارة ) .

عندما رأيت قوافل الإغاثة الحكومية توزّع المؤن والأغذية على المحتاجين من أهلينا في مناطق الحدود الشمالية والجوف ممن لم يتمكّنوا من مواجهة برد الشتاء القارس بإمكانياتهم المحدودة حدّ الفاقة في كثير من الأحيان، ترحّمت على الفور على الملك المؤسس عبدالعزيز طيّب الله ثراه. فقد كان يعلم أن الأحوال الجوية القاسية هي القاعدة في تلك المناطق وليست الاستثناء. ورغم ما كانت تعانيه دولته الناشئة حينها من مصاعب اقتصادية جمّة أقلها اتساع رقعتها وعدم توفر طرق المواصلات الحديثة المرصوفة بين أرجائها إلا أنه سنّ سنّة لم يسبقه إليها أحد في البلاد العربية عندما صمّم نظاماً فريداً للإغاثة الغذائية والتموينية أسماه السكان المحليّون (عايشة ابن سعود) أو (العايشة) اختصاراً، وهي كلمة تعني باللهجة الدارجة (الأغذية والتموينات). وكانت العايشة نظاماً إغاثياً متكاملاً صمم للحفاظ على كرامة المواطنين وسـدّ خلّتهم دون تعريضهم لأذى المنّ أو ذل السؤال، وذلك بإيصال التموينات لمن يحتاجونها من خلال أمراء المناطق والمراكز والقضاة وشيوخ القبائل وعمد الأحياء بموجب قوائم خاصّة يتم تحديثها باستمرار لتصل التموينات الأساسية المشتملة على الحنطة والرز والسمن والسكر والحليب المجفف والأقمشة وغيرها من التموينات مرّة أو مرّتين في العام لمستحقيها بكميات وافرة وبشكل دوري مستمر لضمان توفير الحد الأدنى من المتطلبات المعيشية للمواطنين. وبعد انتقال الملك عبدالعزيز إلى جوار ربه أضاف خليفته الملك سعود يرحمه الله إلى العايشة نظام الفرق الطبية المتنقلة المحمولة على شاحنات كبيرة للوصول بالخدمة الصحية للمحتاجين للعلاج أينما كانوا في البوادي والقفار وللتعرف عن قرب على المصابين بأمراض مستعصية ليتم نقلهم إلى المراكز الطبية القليلة حينها في العواصم المناطقية أو في العاصمة الرياض. وعرفاناً من المواطنين المحليين بالمعروف أطلقوا على تلك الفرق الطبية مسمى (صحيّة الملك سعود).

 

ثم أتى عهد الملك فيصل يرحمه الله لتبدأ الحقبة التخطيطية وإرساء البنى المؤسساتية للدولة، فتم إنشاء المستشفيات والمستوصفات والضمان الاجتماعي وغيرها من المؤسسات التي يعرفها كافة المواطنين. وفي الفترة الانتقالية لاستكمال تلك البنى استبدل الملك فيصل نظام العايشة العينية بالبدل النقدي لتوفير الأعباء (اللوجستية) وتلافي عيوب العايشة العينية التي كان من أسوأها استئثار المشرفين عليها بأفضل ما فيها والاتفاق مع التجار على توزيع نوعيات رديئة منها تسجل على الدولة بأسعار أغلى وأفضل الأصناف..

وما أن اكتمل إنشاء المؤسسات الدائمة البديلة حتى تم إلغاء نظام العايشة ونظام الصحيّة المتنقلة لتعمل تلك المؤسسات بشكل دائم ومستمر ومنظم من خلال مواقع ثابتة حسبما هو مفترض فيها.
واليوم وبعد أربعين عاماً من إنشاء تلك المؤسسات تنقل لنا الأخبار أن فتاة صغيرة ماتت من البرد في عرعر وأن وزيراً أبدى استغرابه من حدوث شيء كهذا؟ كما تنقل لنا الأخبار أيضاً أن حكومة خادم الحرمين الشريفين قد سارعت بإرسال تلك الإعانات العاجلة من الأغذية والتموينات للمتضررين من موجة البرد الأخيرة في تلك المناطق النائية التي لا يعرف حقيقة بردها إلا من عاش فيها وذاق قسوته وخبر أذاه. ولا نملك مقابل هذه اللفتة الكريمة من خادم الحرمين الشريفين تجاه أهالي المنطقة إلا أن نعبر عن امتنان كافة المحتاجين الذين وصلتهم نفحة من نفحاتها، ولنا في نفس الوقت الحق - في ما أظن - أن نتساءل عن تلك المؤسسات التي كان من المفترض أن تقوم بواجباتها بطريقة وقائية وفق خطط مستقبلية مدروسة حتى لا تجد القيادة العليا للبلاد نفسها في مثل هذا الموقف الذي دفع بها للعودة إلى نظام تم إلغاؤه منذ أربعين عاماً لتدارك عجز المؤسساتية المناطقية عن مواجهة مواقف طارئة من هذا النوع. ولا بد من التساؤل عمّن هو المسؤول عن التأكد من أن كل بيت فقير فيه ما يكفي من الكيروسين أو الكهرباء لغرض التدفئة شتاء والتكييف صيفاً؟ ومن المسؤول عن التأكد من أن كل طفل فقير يرتدي حذاءً وملابس ثقيلة تقيه برد الشتاء؟ ومن المسؤول عن التأكد من أن كل طفل فقير لم يصل إلى المدرسة بمعدة خاوية لعجز أهله عن إطعامه طعاماً صحياً كافياً يمكنه من استيعاب ما يلقى عليه في الفصل من دروس؟


إن العودة ببساطة لنظام العايشة بعد أكثر من أربعين سنة على إلغائه تدعونا لإعادة النظر في جدوى عمل الأجهزة الحكومية المسؤولة التي تبين أنها لا تحتفظ حتى بقوائم محدثة للمحتاجين ليتكأكأ الناس نساءً ورجالاً، شيباً وشباناً على شاحنات الإغاثة.


وإن العودة لنظام العايشة بعد أربعين سنة تدعونا للتساؤل عن دور جمعية حقوق الإنسان التي يجعجع أفرادها من الجنسين بكلام لا طائل من ورائه، وللتساؤل عن دور الموسرين والجمعيات الخيرية التي لا تحتفظ بوجود دائم في تلك المناطق، وللتساؤل أيضاً عن دور أصحاب المناصب والرأي والقلم من أبناء المنطقة الذين ينتشرون في كافة أجهزة الدولة بما فيها مجلس الشورى والمجلس الاقتصادي الأعلى ويتعاملون معها بصمت غريب أو بإهمال واضح حدّ عدم إيصال صوت أبنائها إلى القيادة الرشيدة في رغبتهم الشديدة في عطف خادم الحرمين عليهم بتوطين مصانع الفوسفات المنتظرة في منطقتهم بدلاً من نقل خاماته من تحت أقدامهم بقطار يتجه بها نحو الجبيل عبر القصيم والرياض مسافة تزيد على ألفي كيلومتر معرضاً حياة آلاف المواطنين في مناطق مروره لأخطار التلوث الكيميائي والإشعاعي المحتمل مع أن توطين تلك الصناعة في المنطقة سيوفر الكثير من الأموال والمخاطر وسيساهم في توفير آلاف الوظائف لأبناء المنطقة ويقلل من أعداد من يحتاجون منهم لأعطيات العايشة وخدمات شاحنات الصحيّة..