مملكة الإنسانية تجوب دول العالم لنجدة متضرري الكوارث (الجزء الأخير)
1 يناير 1970 - 23 شوال 1389 هـ( 497 زيارة ) .

اثنتا عشرة ساعة متواصلة من الأمطار الكثيفة على منازل طينية ومبان سقفها من الخشب بالتأكيد سوف تتضرر من الأمطار وتصبح مهددة بالسقوط وعندما يفاجأ السكان بسريان الوادي وتحول الشوارع إلى أودية يزيد ارتفاعها عن مترين الى متر تدخل المنازل عنوة وبدلا من البقاء في منازلهم يضطرون للخروج فارين الى أماكن مرتفعة تحميهم من الغرق اطفالا وشيبا كبارا وصغارا قبل ان يزيد ارتفاع منسوب المياه ويغرقون لا محالة.

يحمد الله المواطنون ان فيضانات الوادي جاءت وقت الظهيرة مما مكن الجميع من الهروب تاركين وراءهم ممتلكاتهم وقوت اولادهم لينجوا بأنفسهم من كارثة حولت المدينة التجارية زائعة الصيت الى بحيرة من المياه الراكدة.

تلك ارادة الله تعالى وهؤلاء المتضررون مسلمون واخوان لنا يحملون الجنسية العربية. هذا ما دعا قيادتنا الرشيدة للمسارعة بنجدتهم وبأسرع وقت ممكن كانوا ينامون في العراء وتحت الأشجار ويشربون المياه الملوثة وعندما جاءت المساعدات السعودية انتشلتهم من العراء الى المسكن ومن الجوع الى سد الفاقة ووفرت لهم الأدوية التي استغرب الاطباء من جودتها مقارنة بما وصلهم من جهات أخرى.

 

تلك هي مملكة الانسانية وذلك هو الأب لجميع المسلمين الملك عبدالله بن عبدالعزيز الذي اطلق عليه الموريتانيون لقب (ملك الانسانية) وعلقوا لافتات تحمل الترحيب بالمساعدات السعودية وحملوا صور الملك عبدالله اعترافاً منهم بما قدمته المملكة تجاههم في ظروف حالكة وصعبة للغاية ندعو الله تعالى ألا يرينا ما اراهم من هول يوم عظيم فكثير من العوائل لم يلتقوا ببعضهم الا بعد 3ايام من الفيضانات لأن الجميع ولوا هاربين كل يهيم على وجهه لتلتئم الاسر بعد ايام من الفيضانات في مشهد انساني مؤثر حيث لا وفيات تذكر فقط تدمير للمنازل والبنية التحتية وممتلكات الأهالي.

 

أفراد فريق الاغاثة السعودي برئاسة الاستاذ ابراهيم الدريوش وعضوية الاستاذ عبدالرحمن اليحيى كانوا شعلة لا تهدأ من النشاط وبذلوا جهودا كبيرة لحل الاشكاليات التي واجهت اولا الفريق الاعلامي عندما تأخر وصول الطائرات لأكثر من عشر ايام ويعود السبب لعدم قدرة مطار نواكشوط على استيعاب طائرات شحن بحجم الطائرات السعودية الجامبو وعدم وجود رافعات لانزال الشحنات وقد حدثني احد العاملين بالمطار انهم لم يروا طائرات بهذا الحجم وتهبط في المطار مما جعلهم يبحثون عن وسيلة تضمن هبوط الطائرات بسلام والتي تعتمد في المقام الأول على حنكة الطيار وموافقته على الهبوط في مدرج صغير وهذا ما اكده أحد الطيارين السعوديين الذي قال نحمد الله اننا استطعنا الهبوط في مطار مدرجه لا يكفي لطائرة بحجم الجامبو ومع ذلك هبطت طائرات الجسر الجوي السعودي ولبدائية رافعات انزال الحمولات يستغرق تفريغ الطائرة ما بين 5- 8ساعات يضطر كابتن الطائرة ومساعديه للبقاء في (قمرة) الطائرة حتى افراغ الحمولات

والتي تشحن في نفس الوقت على شاحنات أمنتها الإغاثة السعودية لنقلها إلى الطينطان على بعد 750كم.

المسافة التي تستغرقها للذهاب إلى الطينطان يومين ذهاباً ويومين عودة وذلك لصعوبة الطريقة ولكثرة المواشي والابل والبقر والحمير التي تجعل السرعة لا تتجاوز 80كيلاً في الساعة ومضايقة الشاحنات للسيارات الصغيرة وكثرة الحوادث المروعة وأعطال الشاحنات وسط الطريق وهذه معاناة تجعل السيارات تأخذ مساراً مع الأرض وتتعرض للتغريز أو السقوط في الوحل والمستنقعات ومع ان اسم الطريق الأمل إلاّ انه يحمل الكثير من المخاوف وحقيقة تعرضنا للعديد من مخاطر الحوادث التي لا زالت عالقة بالذهن حتى يومنا ومع ذلك وبتوجيهات من معالي وزير المالية الدكتور إبراهيم العساف اضطر الفريق الإغاثي للعودة مرة أخرى لمنطقة الطينطان ولم يرافقهم الوفد الإعلامي سوى جريدة "الرياض" لأهمية وقوفنا على المساعدات السعودية ونقل الصورة الحقيقة بعد التأكد من مصداقية توزيعها على المتضررين من قبل الجانب الموريتاني ومن خلال مقابلتنا للمسؤولين وعلى رأسهم فخامة الرئيس الموريتاني جميعهم قدموا شكرهم لخادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز على الدعم السخي الذي اعتبروه أكبر دعم تلقوه بل ان الدعم السعودي أخرج الحكومة من الحرج مع المتضررين لأن المساعدات السعودية شملت جميع المتضررين ووفرت لهم جميع متطلباتهم.

 

من المناظر المؤثرة ان تضفي الفرحة وتنسي الإنسان همومه ومعاناته ذلك ما فعلته مملكة الإنسانية عندما استبدلت خيام المتضررين وهي عبارة عن سواتر تحميهم من الشمس الحارقة بخيام مقاس (6*4م) مصنوعة على أعلى طراز عازلة للأمطار والرياح تلك الخيام السعودية بمثابة المنزل للأسر الموريتانية المتضررة حتى أنهم عجزوا عن نصبها لعدم تعودهم على نوعية تلك الخيام مما جعل المتضررين يبحثون عن عمالة تنصبها لهم وفرحتهم بتلك الخيام تبقي الأسرة إحدى النساء لحراستها مع بقية أفراد الأسرة حتى يجد رب الأسرة عمالة تستطيع نصبها ولنا ان نتخيل نصب 22200خيمة وكل خيمة بحاجة إلى 3عمال على الأقل مما جعل هناك سوقاً للعمالة بين أبناء الطينطان العاطلين عن العمل كذلك انزال الشاحنات السعودية تتجاوز خمسين شاحنة أربك الحركة المرورية على طريق الأمل واغلاق الطرق المؤدية إلى مستودعات المساعدات السعودية وتجمع العمالة لإنزال المساعدات ومن ثم اخراجها بعد جردها إلى مستحقيها وهي عبارة عن سلال غذائية تحوي متطلبات الأسرة طيلة شهر كامل ويتسلم معها المتضرر خيمة يستبدلها بخيمته المقدمة من الجهات الإغاثية الدولية وفي لقاء مع والي الحوض الغربي وعاصمته العيون التابعة لها الطينطان والذي استضافنا في منزله في إحدى الليالي قال ل "الرياض" المساعدات السعودية ليست غريبة على شعبنا الموريتاني وفي كثير من الأحيان يتم توزيع التمور على المستحقين مع دخول شهر رمضان المبارك وعندما حلّت بنا كارثة الطينطان غابت أغلب الدول وكأنهم وجدوا العذر كون الطينطان منطقة بعيدة عن العاصمة والوصول إليها براً من الصعوبة بل ويضمنونها من المناطق النائية والمناطق النائية مثل الطينطان لا تخدم المنظمات الإغاثية الدولية وحتى الدول ذات المصالح الإعلامية لبعدها عن الإعلام الذي يحرصون عليه لابراز ما يقدمونه علماً ان ما قدموه لمتضرري الطينطان جميعاً لا يتجاوز 10% مما قدمته المملكة التي رفعت معاناة المتضررين ووفرت لهم المسكن والمأكل والمشرب والعلاج وحالياً تدرس مع الحكومة الموريتانية كيفية الاستفادة من العشرين مليون دولار التي قدمتها المملكة بالتنسيق مع الصندوق السعودي ومعرفة متطلبات الطينطان من المشاريع وأهمها المساجد التي ساعدت المملكة في حل مشكلتها مؤقتاً وعودة الطلبة إلى مدارسهم عندما وفرت أكثر من 80خيمة مقاس (8* 5م) ليستفاد منها كمدارس حتى يتم بناء مدارس وكذلك تحتاج إلى مساجد ومراكز صحية وحالياً تقام صلاة الجمعة في العراء لعدم وجود مساجد بعد ان طمرتها الفيضانات كما ان الطرق الاسفلتية وأهمها طريق الأمل من الطينطان إلى العيون بطول 70كم أصبح غير صالح للاستخدام بعد أن جرفته السيول وعندما تهطل الأمطار بكثافة ينتظر أصحاب السيارات لعدة أيام حتى تجف الأودية ويتمكنوا من المسير إلى وجهتهم.

من جانب آخر، لم نشهد طيلة ذهابنا مع الإغاثة السعودية معاملة كريمة وحباً للمملكة قيادة وحكومة وشعباً كما وجدنا في شعب موريتانيا الكريم الذي فتح أبوابه لاخوانه المتضررين ومن العيب ان يقفل الموريتاني باب بيته في وجه الضيف ومن الجميل ان الكرم العربي الأصيل متأصل فيهم كنحر الخراف للضيف وإكرامه وعدم سؤاله عن وجهته إلاّ بعد 3أيام من الضيافة وهناك عادات متشابهة إلى حد كبير مع العادات السعودية وخاصة الكرم وتقدير الضيف تلك معاناة أفقر دول العالم بعد الفيضانات فما بالكم بمعاناتهم قبل الفيضانات!