التبرعات العينية.. مساعدة تجلب المعاناة
1 يناير 1970 - 23 شوال 1389 هـ( 1483 زيارة ) .

في الوقت الذي غلبت فيه التبرعات المادية على طبيعة التبرعات التي قدمت للشعب اللبناني، فإن السعوديين كانت معظم تبرعاتهم عينية، وهو ما سبب مشكلة للقائمين على عملية التبرع ضمن الحملة التي بدأت بالسعودية مؤخرا.


حيث تطلب ذلك من مسئولي مراكز التبرعات والعاملين بذل المزيد من الجهد والوقت لاستقبال هذه التبرعات وتنظيمها تمهيدا لإرسالها إلى مستحقيها، ودفعتهم هذه الزيادة إلى ضرورة توفير شاحنات ضخمة لنقل ما يصل لهم إلى مستودعات الهلال الأحمر، تمهيدا لفرزها وتجهيزها إما لبيعها داخل السعودية وتوريد مبالغها ضمن الحملة أو لنقلها مباشرة إلى مستحقيها.


لكن المشكلة الكبرى كانت في إغلاق بعض مراكز استقبال التبرعات بعد أن فاق حجم التبرعات قدرة مخازنها، واضطرار البعض الآخر إلى إعلان عدم قبوله التبرعات العينية، وهو ما دفع المتبرعين لبيع ما يملكونه للتبرع بقيمته نقدا؛ وهو ما أتاح الفرصة أمام بعض المستغلين الذين تواجدوا بالقرب من مراكز التبرع لشراء هذه التبرعات بأثمان بخسة.


الراحة النفسية أهم المزايا

ورغم كل هذه السلبيات فإن د.مسفر عتيق الدوسري -خبير في العمل الخيري- رحب بالتبرعات العينية؛ حيث إنها تحقق -حسب رأيه- راحة نفسية للمتبرع الذي يشك دوما في سوء استخدام النقود. ولكن مشكلتها الوحيدة أنها تحتاج إلى المخازن والمستودعات والكثير من الموظفين، وهي مشكلة تتضاءل أمام عامل الراحة النفسية الذي تحققه هذه التبرعات.


وأوضح د.الدوسري أن التبرعات العينية يمكن أن تحقق العديد من الأهداف؛ حيث يمكن مقايضة بعض السلع وربما بيعها لاستخدام عوائدها في مجالات أكثر فائدة وفق مبدأ "تكلفة الفرصة البديلة" أو وضع العوائد ضمن التبرعات المالية.

وأشار إلى أن هذه الطرق للاستفادة من التبرعات العينية مستخدمة في بعض الدول كالولايات المتحدة الأمريكية، ولها بعض التطبيقات في المملكة.


عبء ثقيل بلا جدوى

ويختلف مدير أحد مراكز جمع التبرعات -طلب عدم ذكر اسمه- مع الرأي السابق مشيرا إلى أن هذه التبرعات تشكل عبئا كبيرا على المنظمين فضلا عن احتمال عدم مناسبتها للمستفيدين.

وقال: "يلاحظ أن الكثير ممن يقدمون التبرعات العينية تكون أشياء غير مفيدة ولا يحتاجون في الغالب لها".. مشيرا إلى أن ذلك "أمر غير محمود لا سيما أن الصدقة والتبرع عمل يجب أن يكون خالصا لله الذي يعلم ما في الصدور".

وأضاف: "أنا بصراحة أرى أنه من المهم أن يساهم الشخص بما تجود به نفسه بالمال لا سيما أن تقديم المساعدة المالية أصبح أمرا في غاية السهولة مع المرونة التي تشهدها عملية التبرع بفضل التكنولوجيا الحديثة"، مشيرا إلى أن ضغطة زر تكفي لأن تصل الصدقة لمستحقيها.


المتبرعون يفضلونه عينيا

وإذا كان القائمون على عملية التبرع قد انقسموا بين مؤيد ومعارض للتبرع العيني، فإن كل المتبرعين أيدوا التبرع العيني، فعبد الله سعد -موظف بإحدى الشركات- قال بأن الدين الإسلامي يدعونا للتبرع بأي شيء نملكه، حتى لا يأتي إنسان ليتذرع بأنه لا يملك مالا، في الوقت الذي يملك فيه أشياء أخرى ثمينة، أما عن قول البعض بأن التبرعات تشمل أشياء بسيطة قد لا يحتاجها الشعب اللبناني، فهذا في صالح التجربة وليس ضدها؛ لأنه في الغالب من يتبرع بهذه الأشياء يكون فقيرا ويجب أن نعضد فيه تفاعله مع الأحداث لا أن نقول إنها أشياء غير ثمينة.

ويبرر متبرع آخر -قدم خيمتين كتبرع شخصي منه- لجوءه للتبرع العيني بأنه أفضل لنفسه وأقرب من التبرع المادي.. كما أن التبرع العيني من المؤكد أنه سيصل لمستحقيه ويستفيدون منه.

أما جابر أحمد فقد رأى أنه من الخطأ عقد مقارنة بين الوسيلتين، قائلا: "ما المانع أن يقدم الإنسان تبرعا ماديا وعينيا إذا سمحت ظروفه بذلك، ولكن هذا لا يعني أن نحقر من التبرعات العينية التي يقدمها بعض البسطاء، فاللبنانيون والمسلمون في شتى أنحاء العالم بحاجة إلى أي مساهمة من إخوانهم". وعن مساهمته في حملات التبرع أضاف بأنه قدم تبرعا ماديا وعينيا، وكان تبرعه العيني عبارة عن عربة معاقين وكميات من الطعام.

على الرغم من بساطة هذه المساعدات فإنها لبت حاجة ضرورية


إلى هنا انتهى الجدل حول أفضلية التبرع النقدي والعيني، ولكن الشيء الذي يحسب للشعب السعودي -حسب تأكيد "سعود الشيخي" المشرف على حملة التبرعات الشعبية لإغاثة الشعب اللبناني بجدة- هو تضامنه بكل فئاته مع الشعب اللبناني، فالتبرعات التي تلقيناها كانت من الصغار والكبار والفقراء والأغنياء، ولذلك فوجئنا لأول مرة بأصناف جديدة من التبرعات لم ترد علينا من قبل.


فإلى جانب السيارات والمجوهرات وهما أكثر الأشياء، تبرعت طفلة تدعى مها العنزي بمصحف يعود تاريخه إلى الرابع والعشرين من إبريل 1953، وفضل أحد المواطنين أن يتبرع بسيف تاريخي، وفضل ثالث التبرع بمائة ناقة يملكها، فيما تبرعت سيدة تدعى أم محمد بشحنة كبيرة من الأغذية لأطفال لبنان، وتبرع أحد المهتمين بالتراث بكتب أثرية قديمة، وقدم أحد المتبرعين في سابقة هي الأولى من نوعها شيكات لأسهم بالبورصة وبعض صكوك الأراضي التي يملكها.


كما استقبلت الحملة 100 خيمة تبرع بها أحد المواطنين، والعشرات من العربات المتحركة والكراسي الخاصة بالمعاقين وشاحنات مليئة بالتمور، وأخرى تحتوي على كميات كبيرة من قوارير الماء.


وعلى ذلك يتضح أن التبرعات البسيطة التي كانت مثار انتقاد مؤيدي التبرعات المادية هي لأشخاص قدموا كل ما يقدرون عليه في حدود إمكانياتهم، وهو ما يضع مسئولية على المقتدرين بأن يحاولوا تقديم المزيد، ومع ذلك فإننا لا نملك إلا أن نقول: إن الشعب السعودي تفاعل جيدا مع الأحداث، ولكن هذا لا يمنع أن نطلب منه ومن كافة الشعوب العربية المزيد من الدعم للمساهمة في إعمار لبنان الشقيق.