الوقف في العصر الحديث
25 يونيو 2015 - 8 رمضان 1436 هـ( 1010 زيارة ) .

سيد المنسي

تحدثنا في المقال السابق عن تطور الفكر الوقفي منذ فجر الإسلام، وكيف اهتم الصحابة رضوان الله عليهم بوقف جزء من أموالهم، مرورا بالعصر الأموي ثم العباسي وما تلاهما من فترات وعصور وصولا إلى الدولة العثمانية التي أسست سلطنة عظيمة وسطوة جسيمة وملكاً قوياً، وكان ملوكها من أعظم ملوك الدنيا أبهة وجلالة وآثاراً، وأشدهم قوة وأنصاراً، نظموا البلاد وأراحوا العباد، فكان من الطبيعي أن يتسع فيها نطاق الوقف.
ولكن جرى تحول كبير في نظام الوقف في الفترة الأخيرة من عهد الدولة العثمانية، حيث بدأت الدولة تنـزع إلى وضع يدها عليه، ووضع سياسة له تتفق وتوجهات النظام الحاكم، وحولته من كونه حكراً على النخبة الدينية إلى نظام تمارس فيه الدولة سلطة ونفوذاً كبيرين.

وفي العصر الحديث ظهر اهتمام شديد بضبط نظام الوقف من قبل الدولة؛ وذلك نظراً لأهميته ودوره وتنوع خدماته وتأثيره في حركة المجتمع، علاوة على أن النظام الوقفي أصابه في ذلك الوقت الكثير من سوء الإدارة؛ مما ضيَّع أهدافه وأعطى الحجة لوضع اليد عليه، فقامت الدولة بإعادة تركيب نظام الوقف لمكافحة الهدر وبيع الأوقاف غير المنتجة وغير ذلك من الإجراءات؛ فكانت النتيجة في معظم الدول تراجعاً في عدد الوقفيات بامتناع الأفراد عن المبادرة الفعالة تجاه المجتمع، إضافة إلى ضياع أعداد كثيرة من الممتلكات الوقفية.

إن التحول الذي طرأ على النظام الوقفي والاهتمام به لم يكن مجرد نتيجة ابتكار من وحي الخيال بل هي قضية تأسست على الرغبة في تحويل المجتمع من مجتمع معوز يفتقر إلى عناصر للدفع الذاتي إلى مجتمع يساند بعضه بعضا ليسدوا حاجتهم وليكملوا مسيرتهم ليصلوا إلى أكمل المعاني في الحقوق الإنسانية والفردية التي بها يعلو شأن كل أمة ليتميزوا بذلك عبر الأجيال وليرسموا طريق البسمة في وجوه الصعاب آملين أن يصلوا بذلك إلى ميزان العدل الذي يرضي كافة الفئات من الناس.