المسؤولية الاجتماعية .. وصناعة التغيير
19 مايو 2015 - 1 شعبان 1436 هـ( 819 زيارة ) .

حين تحمل لك الأخبار صورة لطفل فقد ذراعيه في انفجار قنبلة ماذا تفعل؟ هل تكتفي بالحزن لوهلة ثم تعطي الخبر ظهرك وتكمل حياتك، أم ماذا تفعل؟ هذا ما كان يتردد في تفكير "مايك إيبلنج" الرئيس التنفيذي "لمختبرات ليس مستحيلا" الثلاثية الأبعاد، بعد أن شاهد صورة لدانيال "14 سنة" دون أطراف، بعد أن فقدها في حادثة انفجار قنبلة أثناء الحرب الأهلية في جنوب السودان، التي كانت من أطول وأسوأ الحروب التي شهدتها إفريقيا وأكثرها دموية، خاصة بعد أن خلفت وراءها أكثر من 50 ألف شخص مبتوري الأطراف أغلبهم من الأطفال وصغار السن.

عبَّر مايك عن وجهة نظره أن الإنسان لا يستطيع إعادة تركيب القطع المهشمة في حياة إنسان آخر، ولكن احتمال إذا صُنعت له قطع جديدة سيتعلم كيف يعيد تركيبها بنفسه. ترك منزله وأسرته وسافر إلى جنوب السودان بمختبر ثلاثي الأبعاد لطباعة الأطراف وترقيعها، بهدف صناعة ذراع جديدة لدانيال، حاملا على عاتقه مسؤولية إعادة الأمل لذلك الصبي الذي كان يرى أن حياته لا تستحق العيش بعد أن فقد ذراعيه. البعد الأجمل في هذه القصة الإحساس بالمسؤولية الذي دفع ذلك الإنسان إلى تسخير طاقاته وإمكانات شركة للتقنية وإخراج أقصى القدرات من أجل هدف واحد، خدمة الإنسانية. بالفعل تم تحقيق الهدف بصناعة ذراع لدانيال، وإعادة البسمة لوجهه حين تمكن لأول مرة بعد سنتين من إطعام نفسه مستخدما ذراعه الجديدة.

لم يتوقف المشروع عند دانيال، بل تم العمل على استمراريته في تعليم وتدريب أفراد من السكان المحليين، على استخدام هذه التقنية وتصميم أطراف صناعية ليعيش المشروع ويستمر في إعادة الأمل مدى الحياة، مع العلم بأنهم لم يروا ولم يستخدموا في حياتهم أجهزة كمبيوتر من قبل. ويعد هذا المشروع الأول من نوعه في العالم، الذي استمر في صناعة ذراع كل أسبوع، بعد مغادرة مايك وفريقه جنوب السودان.

ووفقا للبنك الدولي، تعد المسؤولية الاجتماعية للشركات التزاما مباشرا من كل شركة بإدارة وتحسين الآثار البيئية والاقتصادية والاجتماعية الناجمة عن أنشطتها. على سبيل المثال تملك الدول العربية ما يقارب 60 في المائة من احتياطي النفط في العالم، إلا أنها لا تملك سوى 0.5 في المائة فقط من الموارد المائية، ما يعني أن المستقبل البيئي في المنطقة مهدد بنقص حاد في موارد المياه العذبة، ومع ذلك ما زالت المبادرات التي من المفترض أن تخدم هذا الجانب دون المستوى.

وفي استفتاء مثير عن الشركات التي تملك أفضل برامج للمسؤولية الاجتماعية قام به معهد استشاري متخصص في إجراء القياسات الدولية في نيويورك، أتت نتائجه بتعادل أربع شركات تربعت على أعلى القائمة للسنة الثانية على التوالي، وجاءت "جوجل" في المقدمة لأحسن شركة توفر بيئة جذابة للعمل، و"ميكروسوفت" عن فئة الأعمال الخيرية بعد أن حقق موظفوها آلاف الساعات في الحملات الخيرية على مدى الـ 30 سنة الماضية. المهم أن تفوز شركة مثل والت ديزني بفئة المواطنة لما تحمله من نوايا حسنة.

الجدير بالذكر أنه حتى ديزني غيرت من النمط التقليدي في أفلامها التي شاهدها الملايين في رسالة جديدة تضمنها فيلمها الأخير "فروزن"، بأن الحب الحقيقي غير المشروط هو حب الإخوة و"العائلة" الذي أنقذ الأميرة في النهاية وليس الأمير، ومع أن بي إم دبليو شركة تلوث منتجاتها البيئة إلا أنها حصلت على أفضل شركة إداريا لمصداقية وشفافية تعاملاتها التجارية مع عملائها. ومع أن مشروع دانيال وضع شركة إنتل في المركز السابع إلا أن إنشاء أول مختبر ثلاثي الأبعاد لطباعة وترقيع الأطراف الصناعية يعد الأول من نوعه في العالم، بدأ بمبادرة فردية, أثمرت عن أهداف أكثر عمقا.

من زاوية أخرى، لا يوجد أثر لشركة عربية واحدة في القائمة الطويلة التي ضمت 50 شركة حول العالم تميزت ببرامجها المؤثرة في المسؤولية الاجتماعية، بل أغلب الشركات في الشرق الأوسط لا تعرف تطبيق مسؤوليتها دون أن تهدف لتلميع وتحسين سمعتها، في غياب يتكرر عن مفهوم الشركات لعمق هذه المسؤولية، فلا تزال ممارساتها سطحية تطبق كشكل من أشكال العمل الخيري الذي لا يخرج عن مبادرات لتوفير الغذاء والسكن أو الملابس للمحتاجين من الأطفال الأيتام والمحرومين بشكل مؤقت أو متقطع دون أن تؤسس لصناعة تغيير شامل بعمق الظروف البيئية والتعليمية والطبية الخاصة بالآخرين. وعلى الرغم من ارتفاع الوعي في المملكة ما زال أغلب الشركات تنظر إلى مسؤوليتها الاجتماعية كوسيلة أساسها التلميع، وليس كأداة تصنع بها تغييرا يخدم احتياجات المجتمع بشكل مستديم.

قبل أن يقرر كل رئيس إطلاق برامج المسؤولية الاجتماعية للشركة، عليه أن يتأمل بعمق، ويسأل نفسه هل يترجم البرنامج طاقات الشركة وقدراتها في صناعة تغيير أبعد من موطئ قدميه؟ وهل هذا البرنامج قادر على الاستمرار في تقديم خدماته الاجتماعية والإنسانية مدى الحياة؟!

مايك وزملاؤه الذين عملوا على مشروع دانيال، يعتقدون أن التكنولوجيا تملك قوة هائلة لعمل تغيير في حياة الآخرين، إذا ما نظر كل إنسان بعمق أبعد من نفسه وحوَّل المستحيل لأداة يصنع منها بداية للتغيير. فماذا تعتقد أنت؟!