بناء «القطاع الثالث».. هل يكون مشروع وزارة الشؤون الاجتماعية؟
1 يناير 1970 - 23 شوال 1389 هـ( 1733 زيارة ) .
 
قبل عدة أسابيع، وعندما تأكد التراجع الكبير في أسعار النفط، بدت الحاجة إلى الحديث عن ضرورة البحث الجاد بعيد المدى في تنويع مصادر الدخل، حتى لا نكون تحت رحمة النفط وتقلبات أسعاره. ما فعلته الدول الإسكندنافية مثال لنجاح خطط الدولة في تحويل سلوك الأفراد والمؤسسات لتتكيف مع أوضاع مالية مستقرة.
 
فمنذ صدمة أسعار النفط في السبعينيات اتجهت هذه الدول إلى «صياغة عقد اجتماعي» جديد للتحول في الفكر والسلوك تجاه استهلاك الموارد. وكان لهم ما أرادوا، بل هم الآن يعانون من (أزمة النجاح)، فالدراجات تنافس السيارات في الشوارع، كل يذهب للعمل بالدراجة، من الوزراء إلى عمال المصانع!
 
والآن مع تكليف الأخ العزيز الأستاذ سليمان الحميِّد بمسؤولية وزارة الشؤون الاجتماعية، ثمة فرصة لطرح الموضوع مرة أخرى. المرحلة تتطلب من المسؤولين ورجال الدولة، الذين وضعهم ولي الأمر في سدة المسؤولية، أن يرتفعوا إلى مستوى التحدي. كما نشاهد، مجتمعات المنطقة كلها تشهد تحولا تاريخيا كبيرا، وهذا يتطلب استيعاب واحتواء المتغيرات أو الضرورات الإقليمية والدولية بدون الإخلال بثوابت وحدتنا الوطنية، حتى تمر الرياح العاصفة!
 
الارتقاء إلى مستوى التحدي يتطلب «المبادرات الخلاقة» وسرعة التحرك والصبر على عوائق وصعوبات ومحبطات التغيير وإعادة البناء. هذه لا يتحملها الآن إلاّ أولو العزم من الرجال الذين عاهدوا الملك أن يكونوا رجال مشروعه الكبير. الأخ العزيز سليمان الحميد قدم إنجازا متميزا في بناء المشروع الوطني للتأمينات الاجتماعية، ويُحسب لأبي سعد وقوفه القوي (الذي كلفه الكثير) لكي يحمي الأهداف الإنسانية والاجتماعية لنظام التأمينات الاجتماعية، كما أسس بيئة محترفة لتوجيه وإدارة استثمارات المؤسسة.
 
عمل التأمينات الاجتماعية يتطلب ضرورة الاهتمام بالمستقبل، والأستاذ سليمان منذ عرفته، حديثه المحبب دائماً هو المستقبل واحتمالاته، و(المستقبليون)، يبدون قلقين وهذه توجد ارتباكا لمن لا يفهمون أصحاب الذهنيات المستقبلية. الذين يهتمون بالمستقبل لديهم (القلق العلمي الموضوعي) لأنهم يرون اتجاهات الأرقام ومسار الأحداث، ويرتفع قلقهم عندما يرون الاتجاهات تأخذ المنحى السلبي.
 
وفي الأشهر الماضية كان الأستاذ سليمان الحميد قلقا إلى حد التوتر عندما رأى نتائج الدراسات الاكتوارية التي أظهرت اتجاه صناديق التقاعد الثلاثة في المملكة إلى العجز، بل صندوق التقاعد العسكري دخل في العجز، ولهذا قدم الأستاذ سليمان مشروع قرار لمجلس الشورى يطرح ضرورة إنشاء صندوق يغذَّى من موارد النفط ليبني احتياطيات تسد العجز للصناديق الثلاثة مستقبلا.
 
هذه النزعة للتفكير المستقبلي نحتاجها في موضوع حيوي سبق أن طرحته، وأعود إليه الآن استثمارا للمتغيرات الجديدة، وأتمنى أن يكون مشروع وزارة الشؤون الاجتماعية القادم.
 
لقد ذكرت في المقال السابق مدى حاجتنا إلى الوقوف بجدية للنظر في تكوين (رأس المال الاجتماعي). هذا المفهوم يتبلور الآن من النظرة العميقة لمفهوم تكوين الرأسمال البشري.
 
رأس المال الاجتماعي يتحقق عبر إنتاج المواطن الفعّال الإيجابي المشارك في إنتاج الخدمات الاجتماعية، ويتم ذلك بشكل محترف عبر مؤسسات النفع العام، أو القطاع الثالث حسب التعريف الاقتصادي. هنا تتحقق مشاركة المواطنين مع القطاع العام، وتتحقق العلاقة الإيجابية التفاعلية بين الدولة ومواطنيها.
 
وزارة الشؤون الاجتماعية نرجو أن تدفع بهذا التوجه حتى يكون هدفا إستراتيجيا للدولة. نحتاج توسيع قاعدة المؤسسات الأهلية فما لدينا قليل، وربما تصل الآن إلى 1000 منشأة مقارنة بما لدى الأردن 8000. في إطار هذا التوجه يفترض دعم ما هو قائم من منشآت نجحت في تكوين الخبرة وتقديم الخدمة، وتميزت في إداراتها في تحقيق أهدافها بأقل التكاليف، وتعاني من ارتفاع الطلب على خدماتها.
 
بعض الجمعيات الخيرية تطورت ونجحت في تحقيق أهدافها، إلاّ أن مواردها لم تعد كافية وتصارع لتنميتها، وقلة الموارد ساعدتها لتطور كفاءة عالية في التشغيل. هذه الجمعيات سوف تبقى عاجزة عن التوسع، وإذا لم تتمكن من تنمية الموارد المستدامة فقد تتراجع وتفشل.. وهنا ستكون التكلفة عالية جداً على الدولة لتقديم البديل.
 
مرة أخرى، نعيد الدعوة إلى بناء (القطاع الثالث)، فقد أصبح ضرورة تنموية واقتصادية، والبناء يحتاج إلى (بنية أساسية) مساندة، مثل وجود (بنك للتنمية الاجتماعية) يجمع شتات مؤسسات التمويل للمنشآت الصغيرة والمتوسطة، مثل صندوق التسليف والادخار و(الصندوق الخيري) اللذين يتجهان لتحقيق أهدافهما بتكلفة عالية جدا ومخرجات ضعيفة، وغيرهما من مؤسسات التمويل المشابهة.
 
رأس المال الاجتماعي مهم للاقتصادات الحرة، فهو يقف في الوسط بين الحكومة والسوق لامتصاص الآثار الاجتماعية السلبية الجانبية الناتجة عن حرية الأسواق. المدخل لذلك بناء القطاع الثالث، فالنشاط الاجتماعي المترابط يتحقق عبر المنشآت غير الربحية. لقد بنينا القطاع العام وتوسعنا فيه إلى درجة التخمة، والقطاع الخاص أخذ نصيبه الكبير من الدعم الحكومي، ويبقى الآن القطاع الثالث.
 
القطاع الخيري هو الأقرب للناس، وهو الأسرع و(الأكثر مرونة وإبداعا) في إقامة وإدارة المشروعات. لقد كان القطاع الثالث في المملكة حيويا ومتطورا، وبداياته تعود لأكثر من ستين عاما. قبل تدفق عوائد النفط في منتصف التسعينيات الهجرية، كانت المؤسسات الأهلية والجمعيات التعاونية نشطة، وكانت الكهرباء تتم عبر منتجين محليين. جاءت الطفرة فدخلت الدولة بخدماتها.. وهنا انتهى هذا القطاع وتراجع لأكثر من عقدين، ونعاني الآن لإعادة الاعتبار له وتطوير مفاهيمه وتمويله.
 
النظرة التنموية للاقتصاد في القرن الجديد تتطور.. وقناعات منظري الليبرالية الجديدة ترى أن رأس المال الاجتماعي حاجة جوهرية في المجتمع، فالإشراف الواسع للدولة على الخدمات الضرورية للناس، يُضعف من دور رأس المال الاجتماعي؛ لأن هذا الإشراف يسهم في وجود (مواطنين تابعين) ومعتمدين كثيرا على غيرهم، بالذات القطاع العام. هذا لا ينتج المواطنين الفاعلين والمنظمين، مما يقلل من قدرة الأفراد على توليد رأس المال الاجتماعي.
 
من مهمات الحكومات الذكية بناء وتسهيل قيام (المواطن الصالح)، وأحد الآليات لذلك توسيع دائرة المسؤولية والصلاحية للناس لإدارة الاحتياجات المحلية اليومية المباشرة، وهذا ما تعمل عليه وتنتجه منشآت القطاع الثالث الذي يتيح المجال للمشاركة في تقديم الخدمات للناس بالذات الفقراء ومتوسطو الدخل وأصحاب الاحتياجات الخاصة الناتجة عن الإعاقة أو الكبر، وهذا المسار يرفع مستوى المواطنة والإحساس بالمسؤولية تجاه الذات.. وتجاه الآخر، وتجاه الوطن.