أسر السجناء .. من يعولهم؟
3 يوليو 2014 - 6 رمضان 1435 هـ( 590 زيارة ) .

لقد شرعت القوانين وأعدت اللوائح لتحفظ المجتمعات وتنظم معايش الناس. من يخرج عنها ويتمرد عليها فستواجهه عقوبات وتعترض طريقه منغصات ويجد نفسه في مكان يحرمه حريته وممارسة حياته الطبيعية. ونحن لا نعترض على تنفيذ القوانين وتطبيق الأحكام، فلم توضع إلا لحماية المجتمعات من الفوضى وصيانة سلوكيات المجتمع من الانفلات، لكن نعترض على إهمال ذوي المسجونين وتركهم يواجهون الحياة وحدهم فيتربص بهم الذئاب ويستثمرهم الجبناء وينتقص منهم اللؤماء.

أصبحنا بعد أن كنا ننفذ القانون ونقيم الحدود من أجل حماية المجتمع، نتسبب في نشوء جرائم أخرى وضياع أسر بأكملها. فإذا كان رب البيت قد جنح عن الطريق وارتكب المعيب وأودع السجن فما ذنب الأم التي كحل الدمع عيونها؟ وما ذنب الزوجة التي رافق الكرى جفونها؟ وما ذنب الأبناء والبنات السذج؟ تخيل معي كيف يكون وضع عائلة زج بوليها في السجن بسبب جرم اقترفه؟ كيف يكون حال أسرته من بعده؟ فالأمر لا يمكن اختزاله في مجرد فرد أودع السجن، بل ما يتبع هذا التصرف من ويلات وكوارث، بل جرائم.

وحتى نوثق الموضوع ونخرج عن التنظير دعونا نرى ما تقوله الأبحاث العلمية والدراسات الميدانية. هناك دراسة أجريت على نزلاء السجون في المملكة خلال العقود الماضية، وهي عبارة عن رسالة ماجستير أجيزت من قبل جامعة نايف الشهر الماضي لطالب الماجستير هيف بن جليعم أظهر فيه عددا من الحقائق وأبرز فيه الكثير من الأمور غير المنظورة، وهي بحق دراسة تستحق الوقوف على كثير مما طرحت. ولم تقتصر الدراسة على عرض البيانات والمعلومات، بل تعدتها إلى طرح الحلول وصياغة الآليات. وحتى لا نطيل في المقدمة دعونا نعرض أبرز ما توصلت إليه الدراسة ثم نذيل المقال بأبرز المقترحات والحلول.

أظهرت هذه الدراسة حقيقة مفادها أن غياب العائل الرئيس عن الأسرة يهيئ الظروف الملائمة لانحراف سلوك جميع أفرادها من أجل الحصول على أموال بطرق غير مشروعة، لأن الطرق المشروعة أوصدت أمامهم. فالدخل الشهري لنحو 80 في المائة من أسر السجناء لا يتعدى ثلاثة آلاف ريال ويحسم جزء منه نتيجة إيداع وليهم السجن. ونحن نتساءل مع الباحث ما الحكمة من حسم راتب السجين إلى النصف عندما يودع السجن؟ ألا توجد وراءه أسرة تحتاج إلى طعام وشراب وملبس وسكن وعلاج وترفيه ونحوه؟ واعتبر الباحث المشكلات الاقتصادية من أهم العوامل التي تؤدي إلى انهيار الأسرة وتفككها، لأنها تتبعها مشكلات أخرى كسوء التغذية والشذوذ، وجرائم الأحداث، وارتفاع معدل الوفيات، ونقص قدرات الفرد على العمل والإنتاج.

كما بينت الدراسة أن دخول أحد أفراد العائلة إلى السجن ينمّي غالبا الشعور بالحقد على المجتمع والكراهية للناس والسخط على الأقدار، وهذا يؤدي إلى تدني السلوك الأخلاقي لدى أفراد الأسرة جميعهم ولو بنسب متفاوتة. كما يظهر العنف بين أفراد الأسرة نتيجة شعورهم بالعزلة واحتقار الذات والمجتمع معا، وفي مثل هذه البيئات ترتفع حالات الطلاق وتنتشر الانحرافات ناهيك عن المشكلات الصحية والنفسية، كما بينت الدراسة أن معظم أسر السجناء يعيشون في أحياء شعبية، أغلبيتها تعول في المتوسط خمسة أشخاص، وتمثل الجمعيات الخيرية رافدا مهما لدعم أسر السجناء يبدأ من 100 ريال حتى 4500 ريال، حتى إن كانت الأسرة تتقاضى دعماً من الضمان الاجتماعي.

ولم تكتف الدراسة بعرض البيانات، بل قدمت حلولا ومقترحات للجهات المعنية وللمجتمع بأسره للتخفيف عن أسر السجناء من أهمها ربط السجين بالعالم الخارجي وألا يعزل تماما، بحيث يعرف ما يدور حوله، واقترح الباحث على الجهات المعنية أخذ التجارب الناجحة من بعض الدول في هذا المجال. يرى الباحث أنه لا يكفي ربط السجين بالعالم الخارجي، بل ربطه بعائلته. أهم نقطة هنا هو ربط السجين بعائلته وإشرافه عليهم إشرافا مباشرا حتى لو كان في السجن ويمكن استخدام أدوات الاتصال الحديثة ليكون العائل مع أهله وبنيه ولو كان غائبا عنهم جسديا. فقد بينت الدراسة معاناة أسر السجناء في الاتصال بمعيلهم السجين، ما يتسبب في مضاعفة المشكلات الاجتماعية لديهم، وهذا لا يعني أنه لا توجد زيارات، بل هي موجودة، لكنها محدودة ويتخللها الكثير من التضييق أثناء اللقاء، مثل السياج المنيع وقصر وقت الزيارة والرقابة المبالغ فيها على السجين وزواره.

وهنا أريد أن أضيف فأقول إن العائل قد لا يكون أهلا للتربية والإشراف على الأسرة نتيجة جنوحه وإحساسه بالنقص أمام أبنائه، لذا على إدارة السجون أن تقوم بتأهيله كي يستوعب الوضع الذي وصل إليه وتمكنه رغم كل الظروف من أن يكون أبا حنونا وزوجا رحيما ومربيا ناجحا، فتفشي الانحرافات السلوكية في بعض الأسر ليس فقط بسبب غياب العائل عنها بقدر ما يكون في تأهيله وتربيته وإعداده. وحتى يعد السجين لممارسة مهمته كأب يتعين على إدارة السجون أن تخضع المساجين لدورات تدريبة وورش عمل دورية يشارك فيها التربويون وأساتذة الجامعات المتخصصون والوعاظ ورجال الدين والرموز الفكرية والثقافية الذين تعج بهم الساحة، ولينظر كل هؤلاء إلى هذه المهمة كالصدقة الجارية وكالعلم الذي ينتفع به، فوضع أسر السجناء يدمي القلب.

وهذا لا يعني أن إدارات السجون لم تول الموضوع أي اهتمام، فقد نفذت برامج جيدة للسجناء وذويهم ومنها برامج الرعاية المقدمة من المؤسسات الإصلاحية، الذي ساعد على حل كثير من المشكلات التي تتعرض لها الأسرة، إلا أنها (الأسر) لم تأخذ كفايتها وما زالت مثل هذه البرامج تحتاج إلى التهذيب والتطوير.

أعود فأقول إن هذه الدراسة التي أجيزت من جامعة نايف تستحق بالفعل الوقوف على ما جاء فيها، ففيها الكثير من الحقائق والتوصيات والآليات، أتمنى من إدارة السجون في بلادنا الإفادة منها حتى تخرج السجون من وظيفتها التقليدية المتمثلة في الشدة والصرامة القاسية إلى التأهيل والإصلاح، فالسجين وإن أخطأ الطريق فهو مواطن يطمح من بلده كما نطمح ويرجو من مجتمعه كما نرجو فلعلنا نعيده إلى الطريق وننتشله وعائلته من الرذيلة والفقر والجريمة.