أيتها المؤسسة .. لا ترمي بالأرملة وبناتها للمجهول
29 يونيو 2014 - 2 رمضان 1435 هـ( 596 زيارة ) .

ما هكذا تورد الإبل ولا هكذا تطبق الأنظمة، فالأنظمة ليست كتباً منزلة من السماء لا تبدل ولا تعدل، وما لهذا تقوم الدولة بتعيين كبار التنفيذيين، لا لهذا تكلفهم بالمهام الجسيمة من أجل حل المشاكل وقراءة النظام وتطبيقه بناء على الحالة وليس مجرد تطبيق الحالة على النظام والرفع بما يلزم واستثناء ما يجب؛ ولهذا تمنح الصلاحيات وتفوض القرار، أقول هذا تعليقا على خبر نشرته صحيفة "عكاظ" عن أرملة ترمي بها المؤسسة (دون ذكر ما هي المؤسسة) في مواجهة قسوة الفقر مع قلة الحيلة، ولا طريق لها ولأبنائها إلا التشرد، أو امتهان التسول في رمضان، وليتهم يسلمون من مكافحة التسول.

توضح "عكاظ" في خبرها المنشور يوم الإثنين الماضي في العدد رقم 4754 بتاريخ 25 شعبان 1435هـ أن المأساة بدأت بخطأ وسوء تقدير من الأسرة، حيث كان يجب عليهم إبلاغ المؤسسة عن زواج إحدى البنات كي يتم إسقاطها من حق أبيها في راتبه التقاعدي، واستمر هذا الخطأ لمدة خمسة أعوام دون استبعادها من الأسرة، حتى اكتشفت المؤسسة ذلك، لتبدأ المعاناة عندما أصرت المؤسسة على دفع 30 ألف ريال تعويضا عن المبالغ التي صرفت كمستحقات للبنت المتزوجة، وبالطبع فإن المبلغ الزهيد كان يصرف شهريا على الأسرة ولم تستثمره الأسرة البائسة في حسابات الادخار، ولم يحاولوا المضاربة به في أسهم سابك والأسمنتيات، لم تحاول الأسرة أن تقامر بهذا المبلغ "!!" في اليورو أو تشتري به سندات أمريكية، كذلك لم تقم الأسرة بشراء أراض خام وبيعها بمزادات وهمية لتجر أسعار العقار إلى مستويات يعجز المجتمع عن الحياة معها، ولم تقم هذه الأسرة - هداهم الله - بالاستثمار في شراء أرض 500 متر مربع وتقسيمها إلى شقق صغيرة وتسميها بالفلل وتبيع الفلة الواحدة بثلاثة ملايين ريال، بل ارتكبت الأسرة خطأ فادحا عندما استخدمت هذا المبلغ في تغطية نفقاتها التي "لم ولن ولا" تنتهي وبذلك ضاع المبلغ كله، ولهذا "لا ولم ولن" تستطيع هذه الأرملة المنكوبة ولا أبناؤها تعويضه بسهولة للمؤسسة.

وبناء على هذا وتنفيذا للنظام واستردادا لحقوق المؤسسة التي ضيعتها هذه الأسرة فقد استحقت عقابا يتناسب مع حجم الخطأ بأن تم حجز الراتب التقاعدي لحين استعادة الثروة المنهوبة، وإمعانا في العقاب جاء مع شهر رمضان المبارك.

بالتأكيد لا يهم مؤسسة - سواء كانت التقاعد أو غيرها - بما سيحل بالأسرة فالمهم الآن هو 30 ألف ريال، فهي لم تطلب منهم التورط في تزويج ابنتهم ثم إخفاء ذلك عنها، فالزوج الذي كان سعيدا قبل اكتشاف المؤسسة للخطأ القاتل يصبح لعنة عليهم، وبما أن الأسرة فقيرة ومع حجز الراتب فلن تتمكن من دفع المستحقات المتتابعة الأخرى، فصاحب العقار لن يرحمهم - فالمؤسسة لم ترحمهم قبله - وسيقوم هو بدوره أيضا بحجز الشقة عنهم حتى يدفعوا الإيجار الذي لن يقل بحال من الأحوال عن 20 ألف ريال.

ثم ستقوم شركة الكهرباء أيضا بحجز الكهرباء عنهم لأنهم لم ولن يسددوا الفاتورة المستحقة، وكذلك الهاتف، والغاز والماء، وغيرها تباعا، وأتمنى ألا أكون قد نسيت أحدا في هذا الطابور من المانحين الذين سيقومون بالتوقف وحجز الخدمات حتى تتمكن سيدة الأسرة من سداد أكثر من 50 ألف ريال فضلا عن 30 ألفا للمؤسسة، وأرجو أن لا يأتيهم من يحجز عنهم الهواء، لمنعهم من الحياة كلها.

لا أعرف عندما تورط التنفيذيون في كل الشركات والمؤسسات السعودية في مضاربات سوق الأسهم عام 2006 وخسر الجميع مليارات لحقت بها مليارات، هل هناك من حجز رواتبهم عنهم حتى يردوا كل تلك المستحقات! لا أعرف هل عندما يقوم مختلس بسرقة مليار ريال ويحول للتحقيق هل هناك من يستطيع حجز أكثر من نصف راتبه نظاما، وهل يستطيع موظفو المؤسسة التي احتجزت راتبهم النوم هادئين في منازلهم وهم يعرفون بحال هذه الأسرة، هل لديهم الثقة بأنهم قادرون على شراء احتياجات رمضان وهم يعرفون أن هذه الأسرة تعيش الآن عند حد الموت بعد أن تجاوزت حد الفقر بسرعة القفز من الفضاء لكن بلا وسائل إعلام ولا تصوير متخصص.. ولا أعرف ماذا فعلت هذه الأسرة لتستحق عقاب الموت البطيء هذا، وأين يمكن أن تكون حقوق الإنسان في قضية مثل هذه ونحن نستقبل مثل هذا الشهر؟!

إنني أطالب المؤسسة (أيا كانت) بالنظر في دفع مستحقات الأسرة فورا، وأن يتم تقسيط المبلغ المستحق عليهم نظاما، من خلال استقطاعه من مستحقاتهم الحالية، ولو أنني أتمنى أن تعفو المؤسسة عنهم بأي وسيلة، وأن تقوم بشراء منزل لهم وتقوم بتمويله أيضا، ذلك أنهم أبناء هذا الوطن الذي تجاوزت مصروفاته التريليون - أي أكثر من ألف مليار ريال - ولأبيهم حق علينا وقد واراه التراب بعد أن خدم هذه البلاد وهو في صحته، ولا أعتقد أن أحدا يرضى أن تهان أسرته بعد موته، بهذا المستوى المهين.