شرط «المسؤولية الاجتماعية» قبل ترسية المشروعات الحكومية
19 يونيو 2014 - 21 شعبان 1435 هـ( 673 زيارة ) .

تتضمن قائمة أغنى أغنياء العرب والعالم أكثر من (40) مليارديراً سعودياً، ومثلهم مئات الأثرياء من رجال المال والأعمال الذين يمتلكون ثروات طائلة، إلى جانب الشركات والمؤسسات والقطاعات البنكية والمصرفية التي تستحوذ أيضاً على أرقام هائلة من الثروات، والتي جاءت كمحصلة طبيعية لنمو اقتصادي متصاعد تشهده المملكة في كافة المجالات، وجعل من هذه القطاعات الاقتصادية -على تنوع أنشطتها- ذات ملاءة مالية عالية، مما أتاح لها أن تواصل قطف ثمار معطيات هذه البيئة المتميزة في هذا الوطن، وأن تجد الدعم والرعاية والتحفيز من الدولة، مما مكنها من الاستحواذ على تنفيذ المشروعات الضخمة، وفي جوانب أخرى تمارس نجاحاً متميزاً في الأنشطة التجارية والخدمية المتنوعة.

لكن يبدو أن هناك حلقة مفقودة بين بعض أصحاب هذه المليارات والقطاعات الاقتصادية وبين المسؤولية الاجتماعية التي يتطلع إليها الوطن والمواطن من أصحاب هذه الثروات الضخمة لتحقيق المشاركة والتعاون المثمر وتقديم المبادرات الإنسانية، كذلك يغيب بعض القطاعات وبعض رجال الأعمال عن أداء واجبات ومبادرات المسؤولية الاجتماعية، مما يتطلب استصدار تنظيم يفرض على جميع الشركات والمؤسسات التي تتقدم بعطاءاتها للفوز بتنفيذ مشروعات الدولة تقديم قائمة مقنعة وذات قيمة بمشروعاتها وإنجازاتها في مجال المسؤولية الاجتماعية، حتى تؤدي هذه القطاعات ما عليها من واجبات تجاه الوطن والمواطن، ومن ذلك مثلاً إنشاء مراكز صحية، ودور اجتماعية، وتمويل مشروعات صغيرة ومتوسطة للشباب من الجنسين، ودورات تدريبية تأهيلية إلى سوق العمل.

سلوك حضاري

وقال "د.فهد المطلق" -مدير عام الشؤون الاجتماعية بمنطقة القصيم-: إن الوطن يحتاج إلى تكريس مفهوم المسؤولية الاجتماعية التي أصبحت مطلباً والتزاماً وسلوكاً حضارياً من الشركات والمؤسسات ورجال الأعمال دون منّة، مضيفاً أن مفهوم المسؤولية الاجتماعية يتحقق من خلال الكثير من أوجه العطاء واستشعار المسؤولية في كل الجوانب، مؤكداً على أن الضمان الوظيفي وإتاحة الفرص للشباب وجودة العمل في تنفيذ المشروعات العامة والخاصة، والحفاظ على نظافة المناخ البيئي للمواطنين، وكذلك الحفاظ على المقدرات الوطنية وعدم رفع الأسعار وعدم الغش في قطع الغيار وفي جميع البضائع والسلع يعد من أهم أوجه المسؤولية الاجتماعية التي ينشدها المواطن من رجال الأعمال ومؤسساتهم.

تقصير كبير

وأوضح "د.المطلق" أن ما يتم تقديمه من برامج ورعاية في إطار المسؤولية الاجتماعية حالياً يتم على استحياء من قبل الشركات والمؤسسات الأهلية، وبالتالي فهي مقصرة تقصير كبير وواضح، مضيفاً أنه لو أجرينا مسحاً سريعاً على المسؤولية الاجتماعية المقدمة من قطاع الأعمال بكافة تنوعه، لوجدنا أنها عبارة عن قشور لا تليق بحجم المركز الاقتصادي الضخم لمؤسسات القطاع الخاص بالمملكة، ولا يوازي تلك التسهيلات والدعم المقدم من الدولة لتلك القطاعات الاقتصادية، مبيناً أن ما يتم تقديمه من مشاركات اجتماعية في إطار المسؤولية الاجتماعية رغم ضآلته إلاّ أنه يأخذ زخماً إعلامياً ينعكس على الجهة المشاركة بجوانب إعلامية ودعائية، مُشدداً على أهمية أن يكون لهذه القطاعات الاقتصادية حضوراً ومشاركات فاعلة وملموسة تعبّر بشكل واضح عن استشعار أهمية المسؤولية الاجتماعية لخدمة الوطن والمجتمع.

إسهامات ملموسة

وأكد "د.عبدالعزيز بن حمود المشيقح" -عضو هيئة التدريس بجامعة القصيم- على أن العادة جرت في كثير من دول العالم المتحضّر أن الشركات والمؤسسات ذات السمعة العالية التي تحقق أرباحاً سنوية من خلال تنفيذ عقود المشروعات التنموية المتعددة، أو تحقق أرباحاً من خلال أعمال المتاجرة والاستثمار المتنوع في إطار المناشط الاقتصادية، أن تقدّم إسهامات اجتماعية ملموسة، مضيفاً أن من أسباب نجاح هذه الشركات والمؤسسات وتحقيقها لتلك العوائد الكبيرة يعود إلى منحها الأولوية والفرصة في تنفيذ تلك العقود، هذا إلى جانب الأمان المقدم لها من الدولة عبر تلك القوانين والتشريعات التي تخدمها، وتسهم في نموها وتطورها ونمو أرباحها وعوائدها، لافتاً إلى أنه ينبغي على هذه الشركات والمؤسسات أن تفي بمسؤولياتها الاجتماعية تجاه هذا المجتمع ومؤسساته الرسمية الذين قدموا لهم الدعم والمساندة وكل الخدمات لاستمرار نجاحاتهم.

 

سرعة المبادرة

وشدّد "د.المشيقح" على ضرورة أن لا ينتظر أصحاب الشركات والمؤسسات ورجال الأعمال تشريعاً أو قراراً رسمياً يلزمهم بتخصيص نسبة معينة من الأرباح لخدمة المجتمع ومؤسساته الاجتماعية، بل ينبغي عليهم أن يبادروا إلى تقديم المساهمات في إطار المسؤولية الاجتماعية الواجبة عليهم، من خلال إقامة مراكز الرعاية الاجتماعية لذوي الاحتياجات الخاصة وكبار السن والأيتام وغيرها من المراكز التي تعنى بالرعاية والتوعية والتأهيل على مختلف مهامها وتخصصها، وكذلك بناء وتجهيز المراكز الحضرية من حدائق وقاعات وأندية ثقافية واجتماعية وترفيهية، إضافةً إلى تقديم كل ما يخدم الشباب، مؤكداً على أن تنفيذ هذه البرامج الخدمية والترفيهية والحضرية ومقوماتها يمثل استشعاراً من رجال الأعمال لواجباتهم للمشاركة في خدمة المسؤولية الاجتماعية في هذا الوطن.


قطاع مصرفي

وأشار "د.المشيقح" إلى أنه إذا كنا نطالب مؤسسات قطاع الأعمال بمناشطه المتنوعة بالمشاركة والمساهمة الاجتماعية فإننا يجب أن لا نغفل عن الدور المطلوب من القطاع المصرفي في خدمة المسؤولية الاجتماعية، مضيفاً أن هذا القطاع يستحوذ على النسبة والحصة الأكبر في استثمار مدخرات المواطنين، ويحقق أرباحاً ضخمة من خلال معاملاته المصرفية، كما أن هذا القطاع يحظى بالكثير من الخدمات التي تقدمها الدولة له ومن أهمها الجانب الأمني وحماية الحقوق، ذاكراً أن معظم المعاملات البنكية تتم في الوقت الحاضر عبر مكائن الصراف الآلي المنتشرة في جميع المدن والمراكز الحضرية وعلى الطرق والشوارع، حيث تحظى بحماية بالغة من قبل القطاعات الأمنية، إلى جانب ما توفره الدولة لهذه المصارف من أنظمة مالية ومصرفية تحمي جميع معاملاته الداخلية والخارجية، وما تضخه الدولة من ودائع مالية وكفالة للمقترضين عبر البرامج المتنوعة التي يرعاها "برنامج كفالة"، مما يعتبر مشاركة من الدولة في تعزيز المناشط الاقتصادية التي سوف تصب في النهاية في صالح البنوك التجارية والمصارف، لافتاً إلى أن هذه الرعاية وهذه الشركة تتطلب من القطاع المصرفي أن يكون له عصا السبق والمبادرة في تحمل الكثير من البرامج الاجتماعية التي تليق بهذا القطاع.

تظافر الجهود

وأوضح "د.المشيقح" أنه إذا كنا نلقي باللوم على الكثير من الشركات والمؤسسات التجارية والصناعية والمصرفية ورجال الأعمال الذين نطالبهم في استشعار أهمية المسؤولية الاجتماعية، فإننا يجب أن لا ننسى جهود تلك القطاعات التي قدمت الكثير من المشاركات الاجتماعية، ومثل ذلك هناك رجال أعمال ساهموا أيضاً في خدمة المسؤولية الاجتماعية إلاّ أن جهودهم لا تكفي بل يجب أن يتظافر الجميع لتحقيق معطيات هذه الشركات في خدمة المجتمع، داعياً رؤساء مجالس إدارات الشركات الكبرى ورجال الأعمال أن يستغلوا فرصة التسهيلات التي تقدمها الدولة في عهد الرخاء، عهد خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز -حفظه الله- وأن يتناغموا مع رؤية دولتنا الكريمة في الاهتمام بالوطن والمواطنين من خلال استشعار المسؤولية الاجتماعية فالفرص لا تتكرر، مُلمحاً أن على مجالس إدارات الشركات أن لا تفوت فرصة جمعياتها العمومية لاستصدار مبادرات ذات قيمة للخدمات المجتمعية، مؤكداً على أن المواطنين أصبح لديهم رؤية بأن الشركات التي تدعم الخدمات الاجتماعية تحظى بقبول ومساندة المجتمع والأمثلة في ذلك كثيرة.

وشدّد على أهمية أن تبادر المؤسسة العامة للتأمينات الاجتماعية ومصلحة معاشات التقاعد بأن يكون لها توازن في مخرجات استثماراتها؛ لتعم جميع أرجاء الوطن، ولا تقتصر على مناطق محدودة، خاصةً أن كثيراً من المواطنين يرون أن مشروعاتها العملاقة تتركز في مناطق محددة ومتكررة وحرمان مناطق أخرى واعدة من هذه الاستثمارات، مضيفاً أن هذه المشروعات تعتبر فرص عملية واستثمارية وتشغيل للكثير من الشباب والشابات في جميع أرجاء الوطن، وبالتالي فإنه حينما تتوزع سوف تكون ضمن ما يخدم المجتمع في قطاع التشغيل والتوظيف، مما يمثل جزءً من مقومات دعم المسؤولية الاجتماعية.

ركيزة أساسية

وقال "عبدالله الزيد" -مدير جمعية الثقافة والفنون بالقصيم-: يجب أن نتفق أن المسؤولية الاجتماعية ليست ترفاً أو برامج علاقات عامة أو وسيلة من وسائل تقوية العلاقات مع جهات أو شخصيات اعتبارية، بل هي مسؤولية يجب أن يؤديها التاجر تجاه كل مواطن يعد ركيزة أساسية في نجاح مشروعاته، وكذلك تجاه دولة قدمت له كافة التسهيلات وكل الدعم لنجاحه بعيداً عن أي حسابات أخرى، مضيفاً أنه من الأنانية وعدم الانتماء في مقياس المواطنة وعدم المواطنة أن تخلو أهداف أي منظمة من دور اجتماعي لتفي بمسؤولياتها تجاه الوطن والمواطن، داعياً إلى أن تكون برامج المسؤولية الاجتماعية ضمن استراتجيات وخطط طويلة المدى وليست مبنية على أرقام الربح والخسارة، حيث إنها استثمار آخر يتوازى مع الاستثمار الرئيسي، حيث يتحقق من خلالها صور ذات قيمة تتجسد فيها معاني المشاركة الاجتماعية والمواطنة.