وزارة الشؤون الاجتماعية
1 يناير 1970 - 23 شوال 1389 هـ( 836 زيارة ) .
 
أهنئ الأستاذ سليمان الحميد بموقعه الجديد كوزير للشؤون الاجتماعية، وآمل أن يحقق فيها قصة نجاح لا تقل عن نجاحاته السابقة في المؤسسة العامة للتأمينات الاجتماعية، وفي المساهمة في تطوير أنظمة التأمين الشامل، وفي الشورى.
وإني لعلى يقين بأن من ساهم في وصول المؤسسة العامة للتأمينات الاجتماعية لما وصلت إليه لقادر على وضع هذه الوزارة على جادة الفعالية والإنجازات التي أعياها البحث عنها منذ استقلالها عن العمل سنة 1430 هـ في مواجهة مهام وأنشطة متعددة تتغلغل في كافة مفاصل الحياة الاجتماعية والاقتصادية في البلاد، فهي مسؤولة عن (مكافحة التسول والتنمية الاجتماعية والجمعيات التعاونية والجمعيات الخيرية والإرشاد الاجتماعي والإعانات الاجتماعية والطفولة والأيتام ورعاية المسنين ورعاية المعوقين ورعاية الأحداث والحماية الاجتماعية والضمان الاجتماعي وتراخيص القطاع الأهلي في هذه النشاطات).
 
وبالتالي، فإن دور هذه الوزارة يتخطى بكثير الانطباع السائد عنها بأنها وزارة (للضمان الاجتماعي) وتوزيع الصدقات والإعانات على من جانبهم الحظ فوجدوا أنفسهم في دوائر الفقر المفرغة وفي المستويات الدنيا من الدخل بسبب عجز أو إعاقة أو مرض أو قلة تأهيل أو حتى قلة حيلة.
 
فهي وزارة مواطنة وحقوق وصون كرامة من ذل الحاجة والسؤال. وهي وزارة تعاون وتكافل اجتماعي يصل حد تحقيق قيم مضافة للمجتمع تتخطى القيم الاجتماعية والأخلاقية للقيمة الاقتصادية من خلال الجمعيات التعاونية والخيرية التي تشكل ما يعرف في دول أخرى بالقطاع (الثالث) الذي ينشئ ويدير المشاريع والأعمال التجارية والصناعية، والتي سبق أن كتبت عنها كثيرا.
 
وهذا ما يلزم الوزارة بدور وقائي بجانب دورها العلاجي. فهي من المفترض ألا تتعامل مع حالات الفقر الفردية فحسب، بل عليها أن تتعامل مع حدود الكفاية في الفئات الدخلية الدنيا والوسطى ومساعدة من لا يحققونها للوصول إليها، مع العمل ــ في نفس الوقت ــ على منع تساقط المواطنين في أي شريحة من شرائح الفئات الدخلية عن حدود الكفاية بالتأكد من قدرة أفرادها على مساندة أنفسهم وعائلاتهم في كافة الاحتياجات الإنسانية الأساسية المشروعة؛ كالمسكن والمطعم والملبس والتعليم والصحة مع إبداء اهتمام خاص بالمتراكمين من أفراد الفئات الدخلية الدنيا والوسطى على هوامشها الدنيا ومنع تساقطهم في الفئات الدخلية الأدنى.
 
ولذلك تحتاج الوزارة إلى إعادة هيكلة جذرية لتتحول من مدخل الإدارات العامة و(الامبراطوريات) إلى مدخل (البرامج والمشاريع)؛ لتخطي البيروقراطية الإدارية وتسهيل رصد الميزانيات والتعامل مع الأهداف والغايات البعيدة وقياس مدى تحققها وتبين مواطن القوة والضعف في أداء الوزارة من خلال تبين مواطن القوة والضعف في أداء برامجها.
 
كما أن هذا المدخل سيفيد في التمويل الأهلي، فبعض البرامج يحتاج إلى منشآت وأوقاف وميزانيات تشغيل يمكن أن يتكفل بها أهل الخير أو المنظمات الدولية، كما أن بعضها يحتاج إلى تدريب ورفع كفاءة للمستهدفين في مجالات محددة، وهذه يمكن أن تقدمها بعض مؤسسات القطاعين العام والخاص على سبيل المنح التدريبية المجانية، وبعضها يحتاج إلى دعم للمجهود الاجتماعي التعاوني في مجالات متعددة يمكن للمتطوعين أن يقدموه.
 
ويفيد هذا المدخل أيضا في استقطاب المتخصصين للمساهمة في مجالات خبرتهم ويسهم في إلغاء وصاية العديد ممن يبدون الصلاح ولا يزيدون في حقيقتهم عن متاجرين بالفقر والفقراء من خلال الجمعيات الخيرية. ويمكن تنظيف العمل الخيري من هؤلاء ومن قناصي المكافآت والوجاهة الاجتماعية بتصميم برنامج تدريب وتأهيل خاص للمستهدفين بمختلف البرامج، لإحلال من تتوفر لديه الكفاءة منهم محل من يهيمنون على كافة مؤسسات العمل الاجتماعي الأهلية، وفي مقدمتها الجمعيات الخيرية، فمن يأتي من فئة اجتماعية معينة يكون أكثر انتماء وإحساسا بظروف فئته وخبايا آلامهم ومعاناتهم من بعض قناصي المكافآت والوجاهة الاجتماعية.
 
وتبقى كلمة عن أسلوب تقديم الخدمات الاجتماعية الذي يجب أن ينقى من المن والأذى بالإعلان عن حجم ما أنفق وعلى من وكيف. فما ينفق على المستحقين من هذه الوزارة حق مكتسب بنص القرآن الكريم في نصوص متعددة منها قوله تعالى «والذين في أموالهم حق معلوم للسائل والمحروم» (المعارج: 24)، وقول محمد رسول الله ــ صلى الله عليه وسلم: «أيما أهل عرصة أصبح فيهم امرؤ جائعا برئت منهم ذمة الله تعالى». وحتى إذا لم تكف الزكاة وعجز بيت مال المسلمين عن الوفاء بالحاجة فيلزم بها المجتمع كاملا، قال ابن حزم: «وفرض على المسلمين من أهل كل بلد أن يقوموا بفقرائهم ويجبرهم السلطان على ذلك إن لم تف الزكاة».
 
وفي الختام، أؤكد على أن الوزير سليمان الحميد قادر على هذا وأكثر، وما هذه المقالة سوى أفكار متفرقة حامت في ذهني عند سماع نبأ تعيينه وأردت إيصالها إليه، أعانه الله على حمل الأمانة، ووفقه لما فيه خير الجميع.