ينابيع سقيا الذات ومسؤولية الأفراد الاجتماعية
28 مايو 2014 - 29 رجب 1435 هـ( 692 زيارة ) .

يقول أحد الأصدقاء إن مسؤولاً شكره على جهوده وحماسته وإخلاصه في العمل، الذي يأتي في إطار خدمة المجتمع، وكان رده على المسؤول أنه هو من يستحق الشكر لكونه القدوة في العمل والعطاء لأنه يملك الجاه والمال والأصول الرأسمالية الكبيرة داخل البلاد وخارجها ويستطيع أن يمضي أوقاته المتاحة بالمتعة والراحة والدعة والتنقل بين البلدان إلا أنه يمضي ساعات طوالا في العمل لخدمة المجتمع باذلا جهده وماله.

يقول صديقي إن المسؤول رد عليه بكل هدوء برد لم يكن يتوقعه، إذ قال له المسؤول إنه يتفهم ما يقوله مبيناً له أن "ينابيع سقيا الذات" هي التي تقف وراء ذلك وإن ينبوع العمل الجاد والمخلص في خدمة المجتمع تسقي ذاته وتحقق له راحة كبيرة لا يمكن تصورها، خصوصاً عندما تتحقق الأهداف بعد التصدي لكل عوائق تحقيقها.

أعجبني مصطح "ينابيع سقيا الذات" الذي يوضح أن كل إنسان له ينابيع سقيا ذات تختلف عن الآخر حسب ظروفه ومعطياته وإمكاناته وقناعاته، فالبعض يسقي ذاته المال وآخر تسقي ذاته الشهرة، وثالث يسقي ذاته الإنجاز، ورابع تسقي ذاته خدمة قضايا المجتمع، وهكذا، وإذا أدركنا ينابيع سقيا ذات من نعمل معه سنستطيع تفسير مواقفهم وسلوكياتهم بطريقة أفضل وأدق، وإذا فسرنا مواقفهم وسلوكياتهم من خلال ينابيع سقيا ذاتنا سيخالفنا التوفيق في التفسير بكل تأكيد.

ينابيع سقيا الذات الذي أطلقه المسؤول تستدعي في ذهني مباشرة مصطلح "التكافل الاجتماعي" أو ما يسمى بلغة العصر "المسؤولية الاجتماعية للأفراد" للعلاقة الوطيدة بينهما، إذ إن الدوافع الداخلية لخدمة المجتمع، التي سماها المسؤول ينابيع سقيا الذات، تعتبر هي الدوافع الأهم، ذلك أن المسؤولية الاجتماعية للأفراد تعتبر مسؤولية أخلاقية وليست قانونية، فمن يخدم المجتمع بماله أو جهده أو وقته أو بعلاقاته أو بكل ذلك، إنما يقوم بذلك عن قناعة ورغبة طلباً للأجر أو رغبة في إشباع ذاته وليس بدافع القانون.

بكل تأكيد تعاليم الدين الإسلامي رسخت لدينا نحن المسلمين مفهوم التكافل الاجتماعي بين فئات المجتمع كافة بما في ذلك التكافل بين الأغنياء والفقراء، حيث جعلت للفقراء حقا معلوما في أموال الأغنياء بتشريع الزكاة كركن من أركان الإسلام، وحث الجميع على رعاية بعضهم بعضا والسؤال عن بعضهم بعضا والتصدق على بعضهم بعضا وإيقاف الأصول الإنتاجية أو الأموال كصدقة جارية.

لكن ألاحظ كثيراً أن المندفعين نحو خدمة المجتمع انطلاقاً من أي قوة متاحة لهم يفترون ويتراجعون عن ذلك رغم معاناتهم، حيث تغلب عليهم جبلاتهم بالرغبة في فعل الخير وإتقان العمل والعطاء بلا حدود دون انتظار المقابل، وعندما أستفسر عن ذلك يكون السبب سوء تقدير ما يفعلون من ناحية أو لسوء من يدعمونه من ناحية أخرى، وسوء التقدير يأتي من مسؤوليهم أو كبار المسؤولين في الدولة أو من ضعف الوفاء ممن يدعمونهم أو الهجوم المتكرر من الكسالى والمثبطين والطعن بهم وتتبع هفواتهم وأخطائهم التي لا تسلم منها نفس بشرية مهما أتقنت العمل، وسوء من يدعمونه يأتي لأسباب ضعف القوة أو ضعف الأمانة، وهذا حال الكثير من الجمعيات التي تعمل في المجال الخيري، حيث يغلب ضعف الإدارة كما يغلب ضعف المصداقية والوضوح والشفافية.

لا يخفى على أحد تراكم فاعلي الخير الذين يرون فيه ينبوعاً لسقيا ذواتهم، وبكل تأكيد هذا التراكم يوفر طاقات إبداعية هائلة، كما يوفر إمكانات مالية هائلة أيضاً، لكنها - مع الأسف الشديد - لا تنعكس على واقع الحياة وواقع التعاطي مع القضايا والمشاكل المجتمعية، ما يعني أن تبديداً هائلاً في الطاقات والأموال والأوقات يسود الموقف وإلا فما معنى توافر شركات راعية ومؤسسات مانحة وأفراد محسنين تقدر الأموال التي يخصصونها للإنفاق بالمليارات وفي الوقت نفسه نجد جمعيات خيرية تعاني شح الأموال التي يمكن لها أن تقدم خدماتها لمستفيديها من خلالها رغم قلة تلك الجمعيات مقارنة بالدول الأخرى.

وما معنى أن يكون هناك الكثير من المخلصين والمجتهدين والمتقنين للعمل في كثير من الأجهزة الحكومية والشركات الخاصة ومؤسسات المجتمع المدني إلا أن العمل لا يسير كما يرام بالشكل المثالي ونجد الكثير من المشاريع وقد فشلت أو تأخرت بشكل كبير، ألا يجعلنا ذلك نتساءل بأن من يرون المال السهل أياً كان مصدره هم من يتسيدون العمل ويبثون ثقافتهم في العمل في أجهزتهم ومؤسساتهم؟

في الاقتصاد الرأسمالي أصبحت الجدارة بكل أبعادها عنصراً حاسماً في الاستقطاب والتوظيف وتحمل المسؤوليات، الأمر الذي انعكس إيجاباً على فاعلية وكفاءة المؤسسات كافة في تلك الدول وجعل ثقافة الإتقان والعطاء والإبداع والشفافية والوضوح سائدة، وبالتالي أصبح المتبرعون والمجتهدون بارزين ومقدرين، ما جعلهم يبذلون المزيد براحة ضمير عالية وهم يسقون ذاتهم العزيزة بالعطاء والبذل والإنتاج المتقن المؤثر إيجاباً في مناحي الحياة كافة.

أعتقد أنه حان الوقت لتلعب جهة كبيرة قادرة على إحداث التغيير والأثر البالغ في بيئة العطاء الخيري والجد والاجتهاد في العمل أيا كان وأيا كان موقعه ليستطيع المجتمع السعودي استثمار مفاهيم سقيا الذات لتشجيع أفراد المجتمع على العطاء بأنواعه كافة بما في ذلك التطوع بالعمل في مجموعات فاعلة تحقق الإنجازات المُزمنة لكل المشاريع الحكومية والخاصة والخيرية، وبكل تأكيد يجب أن تكون هذه الجهة من عمالقة الشركات التي تهتم بتنمية مفهوم المسؤولية الاجتماعية للشركات.