الخير المنسي
4 مايو 2014 - 5 رجب 1435 هـ( 567 زيارة ) .

يكثر حب الخير في هذا البلد من أفراد متعلمين وأميين ورجال أعمال وقامات كثيرة من أصغرنا لأكبرنا، والأمثلة والشواهد كثيرة جدا لا يمكن حصرها، ضمن أروع الأمثلة التي يضربها السعوديون حين يكونون الداعمين الأوائل حتى لجمعيات من خارج بلادهم أو لمبادرات من خارج البلاد. الدكتور السميط كان يقول إن أكثر المتبرعين لجمعيته المعروفة هم معلمات من السعودية، الموسوعة التي كتبها المسيري عن اليهود والصهاينة تبنى طباعتها ونشرها شخص سعودي مجهول.. هذه أمثلة صغيرة جدا لكنها حاضرة الآن.

مجالات الخير كثيرة وأكثر مجال أعتقد أنه لم ينل حقه في الخير هم ذوي الاحتياجات الخاصة، لا يزال هذا الملف غير ملتَفت إليه كما يجب من المجتمع باختلاف أطيافه. ولو تحدثت تحديدا عن المتبرعين وأصحاب المبادرات والمهتمين بالمسؤولية الاجتماعية، فهذا المجال لا يحتاج فقط للمال كما يظن الكثير، ولا يحتاج فقط لبناء مراكز أو بنايات على أحدث مستوى. كثير من يصرف أمواله للبناء والتجهيزات المادية وينسى تماما قيمة التأهيل والتدريب لكوادر بشرية مدربة بأعلى مستوى لتحمل رسالة تأهيل أبناء البلد من ذوي الاحتياجات الخاصة. لدينا "فقر شديد ومدقع" في وجود أناس مؤهلين ومدربين جيدا في مجال الإعاقات بمختلف أشكالها. في المقابل هناك تكدس لخريجي وخريجات قسم التربية الخاصة في الجامعات دون أن يجدوا عملا، وباعتراف من عديد منهم أنهم لم يؤهلوا جيدا وكما توقعوا في هذا المجال.

تحدثت مع طبيب أمريكي استشاري نفسي للتوحد في مستشفى الملك فيصل التخصصي، عن حلمي بوجود مركز لتأهيل الإخصائيين للتوحد، فقال مازحا: أنتم السعوديون جل أموالكم للمباني وافتتاح المباني.

حتى المسؤولية الاجتماعية التي تقوم بها الشركات الكبرى مشكورة تجاه ذوي الاحتياجات الخاصة، قد لا تتعدى فكرة رحلة وتوزيع وجبات مجانية! وهذا قد يسده أهالي الأطفال دون أدنى مجهود. المسؤولية الاجتماعية والوعي الاجتماعي يجب أن يكون أكبر من ذلك وأعمق بكثير. ولو تحدثت من واقع تجربة عن أطفال التوحد تحديدا لعرفت أن أكبر حاجة يحتاجها هؤلاء الأطفال ليست المراكز التأهيلية لهم ــ رغم قلتها ــ وإنما مراكز لتدريب الإخصائيين المعنيين بهم على أعلى مستويات التدريب والتأهيل. وهذا لا يمكن أن يكون بجهد شخصي ولا حتى بجهد سعودي فقط، فلا بد من الاستعانة بالخبرة العالمية في هذا المجال وباعتماد آخر الأساليب التي وصلوا لها واعتمدوها. حين تحدثت مع الدكتور سعد الفهد وهو أب لطفل توحدي، أخبرني بأن سعيه الفعلي لافتتاح مركز لتأهيل وتدريب معلمات توحد من كل مناطق المملكة بالتعاون مع جهة أمريكية ومناهج أمريكية معتمدة راسلها وعرف متطلباتها، للأسف هالني جدا تفاصيل قصته حين سعى للتنفيذ كيف وقفت أمامه عوائق لا حصر لها!

وأخيرا سأختم بتجربة إيجابية عن شركة فايزر للأدوية، التي قامت بعمل دورة تدريبية لمنسوبي الجمعيات الخيرية، بالتعاون مع جهة فرنسية عالمية في التدريب لمدة يومين، انضم لها 35 شخصا من منسوبي الجمعيات الخيرية في المملكة المختصة تحديدا بالأمراض والإعاقات. الدورة مكلفة جدا لكنها ــ بإذن الله ــ ستؤتي أكلها كل حين بإذن ربها. هذه المبادرة نقلة نوعية جذرية في العمل الخيري للشركات وهي بالتأكيد تنم عن وعي نادر ومنسي في بلدنا الحبيب، فهل من مُكثِر؟