الدبلوماسية الشعبية عبر المساعدات الإنسانية
30 أبريل 2014 - 1 رجب 1435 هـ( 950 زيارة ) .

أكثر من مائتي مليار ريال مجموع المساعدات السعودية للخارج خلال الـ 20 سنة الماضية، وحتى منتصف 2011م. هذا بخلاف مساعداتنا منذ منتصف 2011 وحتى اليوم، والتي تقدر وحدها بحدود مائة مليار ريال، جعلت المملكة في مقدمة دول العالم في المساعدات الإنسانية، الإغاثية منها أو الصحية أو التنموية.

لا شك أن هذه المساعدات "المهولة" محل جدل، ونقاش محتدم في مجالسنا، وعبر وسائل التواصل الاجتماعي. منها ما ينطلق من منطلقات وطنية صادقة، ومنها ما يُثار من قبل جهات معادية، أضرتها كثيراً هذه المساعدات السعودية الخارجية بأن لمست نتائجها على أرض الواقع، مستشعرة دورها في التنمية وحفظ وتعزيز الاستقرار في المنطقة والعالم، وهو ما يحد من توغل هذه الجهات الشريرة، وتمدد نفوذها وسيطرتها هنا أو هناك.

وحتى نفهم أهمية هذه المساعدات، وانعكاساتها علينا، فلننظر- مثلاً – إلى ما يقوله وزير الصحة والخدمات الإنسانية الأمريكية الأسبق تومي تومسن (Tommy G. Thompson) بشأن دور المساعدات الصحية والإنسانية التي تقدمها الولايات المتحدة للخارج، إذ يقول: "إن صحة وأمن مواطنينا مرتبطان بقوة وبشكل مباشر بصحة وأمن جيراننا حول العالم، فمن خلال استراتيجية قائمة على الرابطة الصحية نستطيع بناء علاقات قوية – مع الشعوب - تؤمن مستقبل دولتنا، وتبني مجتمعا عالميا قويا ومستقرا"، ونحن في المملكة نعي تماماً هذه الأهمية، بل وننظر إليها كواجب ديني وإنساني نبيل، يعكس فعلاً لا قولا حرصنا على تقديم كل ما فيه الخير للإنسانية جمعاء، لكن ورغم التكاليف الباهظة التي نتكبدها، هل نجحنا فعلاً في تحقيق الانعكاس الإيجابي الذي نستحقه وفقاً لما نقوم به من مساعدات إنسانية كريمة؟

أتذكر أني في عام 2010م التقيت مدير عام الإدارة الفنية في الصندوق السعودي للتنمية، الذي جاء ليعرض منجزات الصندوق منذ تأسيسه وحتى ذلك العام، ضمن برنامج دورة تدريبية حول التنمية المستدامة، وأذكر أني طلبت التعليق بعد أن انتهى من عرضه الذي استمر لمدة قاربت الساعة، فقلت له بهدوء: "حسناً.. نحن فعلنا كل ذلك، وقدمنا كل هذا العطاء، وساهمنا في بناء جسور وسدود ومستشفيات ومدارس ومساكن ومعاهد وبنية تحتية هنا وهناك.. لكن ما المقابل؟ هل حققنا الاستفادة القصوى من ذلك؟ هل يعرف العالم ماذا قدمنا؟ وإذا عرف، كيف سيفهمها؟ هل تعلم شعوب تلك الدول عن مساعدتنا لها؟ ما النتائج على الأرض؟ ما مدى مساهمة كل هذه النفقات في تحقيق مصالحنا الوطنية؟! أتذكر أنه في إندونيسيا – على سبيل المثال - وبعد مساعداتنا الجبارة في كارثة تسونامي، وزلزال جوقجاكرتا وكلاتين، وكارثة السيول في جاكرتا، بعد كل هذه المساعدات بسنة تقريباً، خرجت مظاهرات حاشدة في إندونيسيا ضدنا تصفنا بالمجرمين".

امتعض سعادته من كلامي، وحاول التبرير فاستطردت قائلاً: "أنتم مهندسون أو ماليون، أديتم دوركم في هذا الإطار، لكن أين دور اختصاصيي العلاقات العامة والإعلام؟ إن دورهم لا يقل عن دوركم، بل إن دورهم أهم بكثير من دوركم في هذا المجال، فمجهوداتكم دون مجهوداتهم هباء! ولو جرى استقطاع عُشر هذه المبالغ على برامج دبلوماسية شعبية مصاحبة مخطط لها بشكل جيد لتوقعنا نتائج مغايرة لما نراه الآن! إن في الخارج أو في الداخل السعودي حتى!"

إننا حين نستعرض تجارب الدول التي سبقتنا، كالولايات المتحدة، نجدها – على سبيل المثال - أنشأت وكالة حكومية متكاملة، وبدعم سخي، يعمل بها متطوعون أمريكيون على مستوى عال من الثقافة والوعي والانفتاح، والاعتدال، وذوو توجهات وطنية – فقط أمريكيون، فلا يقبل أحد لا يحمل الجنسية الأمريكية، ويعتز بها - مدربون بعناية على فنون التواصل والعلاقات العامة، وتصرف لهم مكافآت من المبالغ المرصودة ضمن المساعدات لهذا البلد أو ذاك.

وتُعنى هذه الوكالة بتقديم المساعدات والعون في مجالات التنمية، والصحة، والغوث، والتعليم، والتقنية وغيرها، للدول الأجنبية وشعوبها، تُدعى "فرق السلام" أو(Peace Corps) التي أنشأتها حكومة جون كيندي عام 1961م. يقول تيودور سورنسن (Theodore Sorensen) المستشار الخاص لكندي الذي وصفه ذات يوم بأنه "بنك أفكاره": "تُري فرق السلام – للشعوب الأخرى – روح الكرم الأمريكية عبر التواصل وجهاً لوجه – بين المواطن الأمريكي المتطوع ضمن مشروع فريق السلام لتقديم العون، والمواطنين في الدول الأخرى - وعبر المساعدات العملية والملموسة. فبناء الثقة لا يأتي عبر البيروقراطية – في التواصل والدعم المباشر بين الحكومات - أو الدعاية (Propaganda)، أو سياحة المواطنين الأثرياء إلى الخارج، أو عبر رجال الأعمال، بل عبر الصداقات والود وتقديم العون المباشر -من المواطن الأمريكي - في شتى مجالات الحياة اليومية التي يلمسها المواطن الأجنبي في بلده، بحيث يتفاعل معهم مباشرة"، وبالإضافة إلى القيمة التي يوجدها مثل هذا التفاعل تجاه المساهمة في تحقيق أهداف السياسية الخارجية، فإن سورنسن يضيف أن مثل هذه البرامج تسهم أيضاً في: "جعل الشباب - الأمريكي المتطوع - يشعرون بأنهم مرتبطون – ومتفاعلون - مع مصالح بلدهم الوطنية".

يقول سارجنت شرايفر (Sargent Shriver) المدير المؤسس لفرق السلام الأمريكية إن الخدمة عبر هذا المشروع قدمت "فرصة غير مسبوقة للظفر بأصدقاء لأمريكا حول العالم،والدفع بقضايا السلام".

السؤال المُلح بشأننا الآن وبعد كل هذه النفقات المكلفة جداً، الذي تعد إجابته معياراً مهماً ضمن معايير أخرى تمكننا من قياس فاعلية مساعداتنا الإنسانية هو:

هل ظفرنا حقا بأصدقاء وأحباب مخلصين لنا حول العالم يتناسبون والقدر الذي قدمناه من معونات ودعم؟ هل حققنا أهدافنا من تقديم هذه المساعدات كما ينبغي؟ أترك لكم الإجابة.. إلى اللقاء.