اليوم العالمي للتوحد
3 أبريل 2014 - 3 جمادى الثاني 1435 هـ( 731 زيارة ) .

قبل ما يقارب العشرة أعوام، جاءني زميل من زملاء العمل طالباً دعمه مع إدارة الموارد البشرية في الحصول على مساعدة خاصة لتغطية تكاليف تسجيل أحد أبنائه في مركز للتوحد بالأردن. لم يكن لدي آنذاك تفاصيل كثيرة عن مرض التوحد، ولا عن تكاليف المراكز المختصة بالتعامل مع المتوحدين. وكنت أعتقد أن السبب وراء طلب الزميل هو تواضع راتبه كرب أسرة كبيرة، لا يكفي لتحمل تكاليف مدرسة خاصة.

مع الأسف، لم يكن جواب إدارة الموارد البشرية مشجعاً لأن هذه التكاليف غير مغطاة في بوليصة التأمين الطبي للموظفين، وليس من سياسة مؤسسة العمل تقديم العون لهذه الحالات.

تذكرت هذه الحادثة؛ التي كنت فيها عاجزاً عن تقديم العون الدائم لزميل كان في أمس الحاجة للعون؛ وأنا أقرأ رسالة الأمين العام للأمم المتحدة بمناسبة اليوم العالمي للتوحد. هذا اليوم الذي أقرته الجمعية العامة للأمم المتحدة قبل ستة أعوام كيوم عالمي للتوعية بمرض التوحد، وحددته بالثاني من أبريل من كل عام.

لقد جاء هذا القرار الأممي بعد سنوات من الكفاح المثابر للعلماء والأطباء المختصين وللناشطين في مجال حقوق الإنسان، المناهضين لكل أشكال التمييز الذي يتعرض له ذوو الاحتياجات الخاصة بما فيهم المصابون باضطرابات طيف التوحد. فقد قادت مساعيهم الحثيثة إلى اقتناع صناع القرار في الدول الأعضاء بالمنظمة العالمية بأهمية إعطاء المصابين بهذا المرض العناية والاهتمام، وحث الحكومات والجهات العلمية على البحث عما يخفف من معاناة هؤلاء المصابين ويزيح عنهم أشكال التفرقة والتمييز التي يلاقونها، ويحد من اندماجهم في المجتمع، ويجنبهم البقاء عالة على ذويهم وعلى المجتمع ككل. وما الثاني من أبريل إلا لتذكير العالم بما تعهد به على نفسه من تقديم العون لهؤلاء المصابين باعتبارهم أعضاء كاملي العضوية في مجتمعاتهم، لهم نفس الحقوق التي لبقية أعضاء المجتمع.

إن مساعدة هؤلاء المرضى في نيل التعليم، وتقديم التهيئة النفسية والمهنية المناسبة لهم، ومنحهم الفرصة في إخراج طاقاتهم، وحصول البالغين منهم على العمل المناسب تأتي كخطوات مهمة في سياق التزام الحكومات بدمجهم اجتماعياً وإزاحة مظاهر التمييز والإقصاء التي ما زالت تمارس بحقهم من جهات عدة، بسبب مرض ليس لهم ذنب في الإصابة به. فهم يصابون بالمرض وهم أجنة في أرحام أمهاتهم، ولم يتم حتى الوقت الحاضر الكشف عن هذا المرض في هذه المرحلة. فالتطور الكبير في مجالات الأشعة وأجهزة التصوير الطبي قد أتاح للأطباء الفرصة في اكتشاف بعض التشوهات أو العيوب الخلقية عند الأجنة، المسببة لمشكلات صحية أو نمائية، أما هؤلاء؛ الذين يرجع بعض العلماء سبب إصابتهم بهذا المرض إلى تغييرات تصيب القشرة المخية؛ فلا تظهر أعراض المرض إلا بعد الأعوام الثلاثة الأولى من العمر.

إن الاكتشاف المبكر لهذا المرض والقبول به رغم ما يسببه من ألم كبير وصدمة نفسية قوية لوالدي الطفل وذويه، إلا أنه في الواقع يساعد كثيراً في كيفية التعامل مع هذا الطفل الذي ابتلي بهذا المرض.

إن الصعوبة في التعامل مع المصابين به لا تنحصر فقط في عدم قبول الوالدين عاطفياً بإصابة طفلهما بهذا المرض -الذي حتى الآن لا يمكن الشفاء منه تماماً- وإنما تكمن حينما يكون الوالدان غير قادرين على تشخيص حالة طفلهما، خاصة حينما يكون طفلهما الأول، ولا يكون في العائلة مصاب آخر لمقارنته به.

وإذا كان لدى أفراد المجتمعات المتطورة طبياً المعرفة والثقافة ولديهم الإجراءات الطبية الكفيلة باكتشاف الإصابة بهذا المرض مبكراً، فقد لا يتوفر لدى البلدان الأقل تطوراً في هذا المجال ولكافة سكانها الإمكانية للمعرفة المبكرة بالإصابة بهذا المرض، ويتم التعامل مع المصاب كطفل سوي ليس فيه ما يستدعي التعامل معه بطريقة مختلفة، ويجري مقارنته بإخوانه أو أقرانه وهو غير ذلك، ويتعامل معه دون وعي بأنه يحتاج إلى نمط آخر من السلوك التربوي والرعاية الأبوية والتفهم لحالته الخاصة.

يقدر المهتمون بهذا المرض من تربويين وأطباء أن هناك ما يقارب الثلاثمائة ألف مصاب في المملكة، وأن هذا الرقم في نمو متسارع وليس في تراجع مع الأسف. وبلادنا ليست فريدة أو استثناء في هذا الوضع. فهناك عديد من البلدان التي لديها نمو في المصابين، ولا تختلف البلدان المتطورة عن البلدان النامية في هذا الاتجاه، وليس لوضع العائلة الاقتصادي أو الطبقي أو الثقافي أي تأثير على نسبة الإصابة، وإنما الفرق يتضح في توفر الأرقام الدقيقة لعدد المصابين ودرجة وخطورة الإصابة، وكذلك في طرق التعامل معهم. فمن غير شك تعاني الأسر الفقيرة صعوبات جمة في حماية أطفالهم وتقديم العون والرعاية الكافية والكفيلة بحصولهم على التعليم المناسب لقدراتهم الذهنية وحالاتهم العصبية، وإعدادهم لمواجهة الواقع والتغلب على أعراض المرض التي تحد من عيشهم لحياة كريمة ومحترمة، يستحقونها كأعضاء كاملي العضوية في مجتمعاتهم.

ومن هنا تأتي أهمية التزام الدولة والمجتمع بتوفير المراكز الصحية والتعليمية الخاصة بهؤلاء، والمجهزة بكافة وسائل التربية والعناية الضرورية لتعلمهم، وعدم تعرضهم لأي نوع من الأذى النفسي والجسدي.
إن التشخيص المبكر كما هو في أي مرض مهم جداً، فهو يمنح المريض الفرصة للتغلب على تعقيدات المرض واحتوائه، ومن هنا تأتي أهمية مساعدة الوالدين في تشخيص حالات أطفالهم، ومدى سلامتهم من هذا المرض عبر الفحص المبكر في دور الرعاية الصحية الأولية ومستشفيات الأطفال، مثلما يجري مع متابعة النمو الطبيعي للأطفال، وعدم إصابتهم بأمراض تعيقهم في الكبر.

إننا مدعوون جميعاً بمناسبة هذا اليوم لتقديم كل ما نستطيع من عون واهتمام لهؤلاء المصابين كي ينالوا نصيبهم في حياة كريمة، ومنحهم الفرصة كي لا يبقوا مهمشين في أوطانهم وبين أهليهم.