إن تضرر عُمال الإغاثة ومعاناتهم هو هاجسٌ جديد وهَمٌ كبير يُضاف إلى هموم الزمن الحاضر ، وأعجبُ لهذا العصر الغريب ، الذي تدنت فيه
1 يناير 1970 - 23 شوال 1389 هـ( 836 زيارة ) .
 
إن تضرر عُمال الإغاثة ومعاناتهم هو هاجسٌ جديد وهَمٌ كبير يُضاف إلى هموم الزمن الحاضر ، وأعجبُ لهذا العصر الغريب ، الذي تدنت فيه الخصال الكريمة وتهاوت فيه الأخلاق الفاضلة وضلت الأفكار طريقها ، حينما تضعضع الأمن وانتشر الإرهاب ، في عصرٍ استوحش فيه البشر فصاروا مصدر القلق والخطر ، ونظراً لتلك الحقيقة نبرئ العصر مما نحن فيه ، من مزالق مشينة لا تمُت بصلة إلى دينٍ ولا عرف ، وبتنا نعرف جيداً من هو المُدان فعلاً ، فكما قال الشاعر :-
نعيب زماننا والعيب فينا *** وما لزماننا عيبٌ سوانا
 
أليس غريباً أن تُبتر يدٌ مُدت لعون المحتاج وإغاثة الملهوف ؟ أليس من العار أن يفقد الحياة من أراد الحياة للآخرين ؟ إنه والله العارُ بعينه ، والجحود في أبشع صوره ، اسودت وجوهُ فاعليه وبانت وضاعة مرتكبيه ، الذين قلبوا موازين الإنسانية ووأدوا الضمير الحي مودعين نبيل الأخلاق إلى الأبد ، ففي كل صباحٍ نرى سفلةً يتعاملون بمنتهى الحقارة والوضاعة ، ويتفننون في الإساءة إلى عمال الإغاثة الذين جاءوا بالدواء للمرضى وبالغذاء للجوعى ، ومع ذلك يتم استهدافهم خطفاً وتقتيلاً ، وتعذيباً وتنكيلاً بعد تكبدهم عناء السفر ومسارعتهم لإنقاذ الأرواح وتخفيف معاناة الناس ، ويقابل الإحسان والمعروف بهذا السلوك المشين الذي أصبح ظاهرةً تقلق الأمم المتحدة أيما قلق على حياة موظفيها وتعرضهم للخطر ، وكان من المفترض أن يتم تكريمهم والاحتفاءُ بهم ، إذ إنهم لا يملكون أجندةً سياسية مناوئة لأفكار قتلتهم ، ولا هم في وضع معارضةٍ لأولئك السفاحين ، بل يحملون أسباب الحياة والسلامة ، ولا همَّ لهم سوى مساعدة المستضعفين وعون المحتاجين فكيف يتعرض مثل هؤلاء للأذى والخطف والقتل . ونظراً لتزايد وتيرة العنف ، وقتل المدنيين العُزل في الأماكن المعنية بالإغاثة ، وارتفاع عدد الضحايا ، فإن الأمم المتحدة تتجه الآن لاتخاذ إجراءاتٍ أمنية لحماية موظفيها ، مع توفير الأجواء المناسبة لهم لمواصلة عطائهم وتأمين الظروف المحيطة بهم لأداء أنشطتهم الإنسانية الحيوية .
 
وتشير التقارير إلى أن الصومال على سبيل المثال لا الحصر ، من أكثر الجهات التي خسرت فيها الأمم المتحدة عدداً كبيراً من موظفيها نظراً لأن الأطراف المتنازعة لم تحسن تقييم الدور الفاعل لهؤلاء الموظفين ، وكان من الأولى أن يفهم الجميع أنهم ليسوا أعداء ولكنهم عُمال إغاثة ، فكيف ينتزع أحدٌ حياة من جاء يحملُ الحياة للآخرين ؟ وكيف تمنع أطراف النزاع هؤلاء الموظفين من أداء دورهم الإنساني لخدمة بلدٍ كالصومال فيه أكثر من 2.9 مليون شخص تلزمهم المساعدة ، وقد يرتفع العدد كما يرى الخبراء إلى 3.5 مليون ، ويجد المغيثون نفس المصير في أماكن أخرى كسوريا وجنوب السودان ، أما كان الأحرى بتلك الدول المنكوبة أن تقدم دعمها لوصول تلك المساعدات لمستحقيها ؟ أما كان يجدر بأهلها تكثيف الجهود وتوفير المناخ الملائم الذي يسمح بتقديم تلك الخدمات الإنسانية ؟ 
 
فبقدر إدراكنا يتضح أن الأزمات الإنسانية غالباً تكون وليدة النزاعات والجفاف والتضخم ، ولكن من المستبعد جداً أن يكون لها تأثيرٌ على أخلاق الناس ، يصل إلى درجةٍ تجعل المرء يعضُ اليد التي تطعم ، والكف الذي يعين المحتاج ويغيث الملهوف ، ولكن مع الأسف كل ذلك أصبح الآن واقعاً وحقيقة لا شك فيها ، وحتى لا تتراجع جهود الإغاثة ، ينبغي أن يضطلع العالم بدوره كاملاً ، من حيث تجهيز قواعد حماية العاملين في هذا المجال من رجال الأمم المتحدة أو من منسوبي الجهات الخيرية ، تلك المساعي من شأنها أن تطمئن كل مغيث ، وبها يُضمن وصول الدعم والعون لمستحقيه في جوٍ آمنٍ مطمئن ، يقدر لهؤلاء العمال تضحيتهم ، ويمهد لهم سبيل ممارسة دورهم الإنساني الرائع .