الآثار المتنوعة للفاعليات الرمضانية من خلال الجمعيات والجهات الخيرية
1 يناير 1970 - 23 شوال 1389 هـ( 1449 زيارة ) .
 
يأتي رمضان كل عام بكل خيره وخيراته، ويتسابق المسلمون في التقرب إلى الله تعالى بالقربات والطاعات، فيحظى العمل الخيري - خلال الشهر الفضيل - بكثافة الأنشطة والفاعليات، ويتضامن الجميع مع المحتاجين والفقراء؛ من أجل تقديم أدوار إنسانية حقيقية تساعد على إنهاء واجتثاث حاجات الفقراء، وإنهاء فقرهم ومعاناتهم تماماً أو لمدة طويلة من الوقت ما بعد انتهاء شهر رمضان. وخلال الشهر الكريم تتفنن الجهات الخيرية في استخدام الوسائل الجديدة التي من شأنها تعظيم الاستفادة من موسم الخير الأعظم؛ لتنمية مواردها خلالها أو في المستقبل، باعتبار الموارد هي المحرك الحقيقي للمنظومة الخيرية والاجتماعية والإنسانية نحو الأفضل، والتي تساعد على تحقيق هذه الأهداف الخيرية النبيلة. ومن الوسائل الجديدة التي تم رصدها للارتقاء بمنظومة العمل الخيري وتنمية الموارد ما يأتي: 
 
أولاً: الأثرياء على موائد الفقراء:
الموائد الرمضانية التي تعدها وتنظمها الجمعيات والجهات الخيرية من المظاهر الرمضانية التي لا تتوقف ما دام الشهر لا يوقفه الدهر عن الغياب، ويعود على المسلمين بكل أدوات الخير والبر، والمقصود من الموائد الرمضانية في الشهر الكريم هو إطعام الفقراء والمساكين والمغتربين وعابري السبيل، وغيرهم، ولكن من الأدوات التي تتبعها بعض الجهات الخيرية في هذا الإطار الخروج عن التقليدية، واتباع وسائل جديدة على الموائد، بدعوة نفر غير قليل من الأثرياء والمحسنين، ليتشاركوا الإفطار مع الفقراء والمحتاجين، ولا شك أن لهذا الأمر دورا مهما في الارتقاء بالمنظومة الاجتماعية والخيرية على السواء، على أوجه مختلفة، منها:
 
1- تحريك ودفع منظومة العمل الخيري لما بعد رمضان: 
تجميع الداعمين على الموائد الرمضانية مع الفقراء والمدعومين قد يكون المعين على تحريك منظومة العمل الخيري تجاه الأفضل، فيساهم بذلك في وضع استراتيجية مستقبلية للمنظومة الخيرية لما بعد شهر رمضان، فمثل هذه اللقاءات تقرب المسافات، وتفتح القلوب والجيوب أيضاً، وتستفز العقول، وتخرج الأفكار، وفق الإمكانيات المادية التي قد تتاح جراء هذا اللقاء، وبناء على آليات التمويل التي قد يتم الاتفاق عليها، فالحصول على التمويل أو الوعد به، وكف المعاناة التي تحياها الفئات المحرومة، هو الهدف الأسمى من هذا السعي.
 
2- هدم الفوارق الطبقية معنوياً: 
من المعقول أن يتميز البناء الاجتماعي بالتنوع، ويحتوي بطبيعته على العديد من الطبقات الاجتماعية (Social classes)، التي تشكل النسيج  الطبقي والاجتماعي المتدرج، الذي أخبر عنه القرآن الكريم، فقال تعالى: (( وهو الذي جعلكم خلائف الأرض ورفع بعضكم فوق بعض درجات ليبلوكم في ما آتاكم إن ربك سريع العقاب وإنه لغفور رحيم)) (1) . 
 
ولا شك أن تجميع فئات من أبناء المجتمع الواحد، أغنيائه وفقرائه، في مكان واحد، وعلى مائدة واحدة لتناول نفس الأطعمة، أنه من الأمور التي ستساعد على هدم الفوارق بين الطبقات بشكل معنوي على الأقل، وسيساهم في تقليل حالات انعدام الثقة والانعزال التي يحياها الفقراء، وسيحفز قيم العمل الخيري لدى الأغنياء، من خلال المعايشة والاحتكاك بالمعاناة التي تحياها الفئات المحرومة، والتعاون الحقيقي من أجل القضاء عليها أو تقليلها، فهدم الفوارق معنوياً يجعل المجتمعات مجتمعات صحية أكثر قابلية للتعاون والتضافر والتقدم.  
 
3- نيل ثواب إفطار صائم: 
أجر إفطار صائم قد يكون هو المكسب الذي تخرج به الجهة الخيرية دون غيره أو مع غيره من الأهداف، لا فرق بين إفطار غني أو فقير، وإفطار الصائمين كل الصائمين لا فرق بين غني أو فقير أمر تحض عليه تعاليم الدين الإسلامي الحنيف، وينال من يدعمه ويقوم عليه الأجر الكبير، فعن زيد بن خالد الجهني قال: قال ـ صلى الله عليه وسلم ـ:(( من فطر صائماً كان له مثل أجره، غير أنه لا ينقص من أجر الصائم شيء )) (2).
 
وعن سلمان الفارسي ـ رضي الله عنه ـ أنه قال: قال ـ صلى الله عليه وسلم ـ: ((مَن فطَّرَ فيهِ صائمًا كانَ مغفرةً لذنوبِهِ، وعتقَ رقبتِهِ منَ النَّارِ، وَكانَ لَهُ مثلُ أجرِهِ من غيرِ أن ينقصَ من أجرِهِ شيءٌ. قالوا: يا رسولَ اللهِ، ليسَ كلُّنا يَجدُ ما يفطِّرُ به الصَّائمَ. فقالَ رسولُ اللهِ ـ صلَّى اللهُ عليْهِ وسلَّمَ ـ: يعطي اللَّهُ ـ عزَّ وجلَّ ـ هذا الثَّوابَ مَن فطَّرَ صائمًا على مَذقةِ لبنٍ أو تمرةٍ، أو شَربةِ ماءٍ، ومن أشبعَ صائمًا أسقاهُ اللَّهُ مِن حوضي شربةً لا يظمأُ حتَّى يدخلَ الجنَّة)) (3).
 
ثانيا: المسابقات الإلكترونية للجمعيات الخيرية: 
المسابقات الإلكترونية الرمضانية على مواقع الجمعيات الخيرية هي ظاهرة جديدة، اتخذت الشكل الطبيعي والمعقول للتطور التقني الواقعي والمعاصر، والمسابقات عموماً ليست من الأمور المستحدثة، ولكن لها جذورها التي تعزز، بل التي تقر مشروعيتها ومرجعيتها التاريخية والإسلامية، فقال تعالى: ((قَالُوا يَا أَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ))(4). وعن ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ سابق بالخيل التي أضمرت من الحيفاء، وكان أمدها ثنية الوداع، وسابق بين الخيل التي لم تضمر من الثنية إلى مسجد بني رزيق، وكان ابن عمر فيمن سبق (5).
 
 قال ابن العربي: "المسابقة شرعة في الشريعة، وخصلة بديعة، وعون على الحرب; وقد فعلها - صلى الله عليه وسلم - بنفسه وبخيله (6).
ولكن الملاحظ مما تم متابعته من مسابقات تروج لها الجمعيات الخيرية عبر مواقع التواصل الاجتماعي، من "فيس بوك" و "تويتر"، أن المقصود منها ـ رغم القيمة العظيمة والهدف النبيل لمثل هذه المسابقات الرمضانية، وما تقدمه من عون وإظهار الوجه الجميل للدارسين والمتعلمين وحفظة القرآن وغيرهم ـ ولكنها مسابقات تهدف للفت نظر الداعم، بل للفت نظر أبسط الداعمين، ومن خلالها تقوم الجهة بتسويق أفكارها ورؤيتها الخيرية، وتعريف العامة بأنشطة الجمعيات الخيرية، وإسهاماتها، وإنجازاتها الخيرية، وخططها، وتطلعاتها المستقبلية، ومدى حاجتها للدعم، وأثر المساهمة في التغيير الإيجابي، وكف حاجات الفقراء والمعوزين، وتغيير المجتمع للأفضل.
 
والله من وراء القصد .،،
 
 
 
1. سورة الأنعام: آية رقم  165.
2. سنن الترمذي (807)، سنن ابن ماجة (1746)، وصححه الأباني في الجامع الصغير (6415)، وفي صحيح الترغيب (1078).
3. الكامل في الضعفاء لابن عدي (3/138)، المقاصد الحسنة للسخاوي ( 495)، أنكره الألباني في ضعيف الترغيب (654).
4. سورة يوسف، آية رقم 17.
5. صحيح البخاري (420)، فتح المنعم :7/505.
6. تفسير القرطبي: 9/128.