التصدق والعطاء الخيري ليس إفقاراً للأغنياء كما يدعون
1 يناير 1970 - 23 شوال 1389 هـ( 1603 زيارة ) .
 
لقد اعتقد الكثير من المستشرقين عن جهل أو عن إفتراءات لا تتوقف أن الإسلام قد إنحاز للفقراء علي حساب الأغنياء إرساء وذلك بالنظر لما قدمه الرعيل الأول من أثرياء المسلمين من بذل للأموال والأنفس في سبيل الله ، و من خلال القراءة المتأنية في الذكر الحكيم والذي لم تتوقف آياته عن طلب إنفاق أصحاب الأموال من أموالهم في سبيل الله علي الفقراء وفي وجوه الخير المختلفة ، وهو أيضاً جوهر ما دعت إليه السنة والأحاديث النبوية المطهرة من ضرورة الإنفاق الدائم ما استطاع المرء المسلم ، وإحتج المستشرقين في إفتراءاتهم بأن الله لو شاء لأغني هؤلاء المحتاجين ولأطعمهم من رزقه ويقولون نحن نوافق مشيئة الله فيهمإرساء وهو ما يؤكد قوله تعالي فيهم وفي أمثالهم : (( وإذا قيل لهم أنفقوا مما رزقكم الله قال الذين كفروا للذين آمنوا أنطعم من لو يشاء الله أطعمه ))إرساء  ولقد تفرغ الكثير من علماء المسلمين للرد علي هذه الإفتراءات والشبهات بما يغلق هذا الباب بل وكل أبواب وأبواق هؤلاء المدعون الظالمون ، ولكن لعلهم لم ينتبهوا في ردودهم أن الإسلام قد دعى للثراء ووسع قاعدة الدخول لقائمة الأثرياء ما دامت المشروعية والإستطاعة ودون قيود أو حدود لذلك مع عدم البخل ومنع الحقوق التي شرعها الدين الحنيف فقال تعالي (( اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ))إرساء وقال صلي الله الله عليه وسلم (( إنك أن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس وإنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت الناس )) إرساء فالمال وسيلة إما إلي الطاعات والقربات وإما إلى الرغائب و الشهواتإرساءوهو مايعني أن المال للإنفاق في أوجهه المشروعة بشكل ينفع صاحبه وينفع الناس وليس للبخل والشح والتكنيز ، فقال سبحانه وتعالي ((الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ ۗ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا )) إرساء والشح والبخل في الإسلام مفسدة عائدة إلى منع الخيرإرساء قال إبن كثير ، الكفر هو الستر والتغطية ، فالبخيل يستر نعمة الله عليه ويكتمها ويجحدها ، فهو كافر لنعم الله عليه إرساء وقال صلى الله عليه وسلم - قال : " إن الله يحب إذا أنعم على عبد نعمة أن يرى أثر نعمته عليهإرساء ، فما هو الميدان الذي يحب أن يري الله فيه أثر هذه النعمة هل هو ميدان الطاعات أم ميدان المعاصي والذنوب ؟؟ فهم بذلك أغلقوا كل الأبواب وكل الميادين وجعلوا من المال شيء لا يتحرك ولا يقدم نفعاً ولا قيمة له حتي مع قيمته التي قد تغير وجه العالم للأفضل إذا لم ينتفع به غني أو فقير .
 
التكليف في الإسلام لم يفرق بين غني أو فقير
لقد هبطت رسالة التكليف بالعبادة لله الواحد الأحد على النبي الكريم - صلي الله عليه وسلم - جامعة فلم تقول أن هناك تفرقة بين طبقة وأخرى أو بين غني وفقير أو بين كبير وصغير أو بين حر وعبد أو رجل وامرأة فالكل متساوي في الحقوق وعليه من الواجبات ما يطيق فلم يكلف الله نفساً إلا وسعها والأكثر تقوي في المؤمنين هو الأكثر كرماً وعطاءً فقال تعالي (( إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ))إرساء ففرضت الزكاة علي المسلمين في السنة الثانية من الهجرة قبل غزوة بدر الأولىإرساء ولم يكن قد دخل في الإسلام إلا الضعفاء والفقراء ليدفعوها عن محبة ورجاء ، ولتكون ركناً من الأركان التي لا يكتمل الدين إلا بآدائها والمقصود من شرعية الزكاة سد خلة المحتاجإرساء فهي لدفع الحاجات إرساءوليس إفقار الأغنياء وإبتزازهم ، وأما زكاة الأموال فسبب فرضيتها أنها وجبت شكرا لنعمة المالإرساءوتطيباً وتطهيراً له لقوله صلى الله عليه وآله وسلم : " إن الله لم يفرض الزكاة إلا ليطيب بها ما بقي من أموالكم إرساء
 
غيرة الفقراء من الأغنياء غيرة فوات الفضل وإدراك الطاعات
لقد كانت غيرة المسلمين الآوائل من الأغنياء غيرة محمودة وليس حقداً دميماً وكراهية حمقاء تؤدي إلي الإفراط في البغض الذي يجلب المفاسد المهلكة ولقد ضرب الأغنياء أروع الأمثلة في ذلك بإنفاقهم الذي لم يتوقف مما جعل فقراء المهاجرين يأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا ذهب أهل الدثور بالدرجات العلى والنعيم المقيم فقال وما ذاك؟ قالوا يصلون كما نصلي ويصومون كما نصوم ويتصدقون ولا نتصدق ويعتقون ولا نعتق فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أفلا أعلمكم شيئا تدركون به من سبقكم وتسبقون به من بعدكم؟ ولا يكون أحد أفضل منكم إلا من صنع مثل ما صنعتم قالوا بلى يا رسول الله قال تسبحون وتكبرون وتحمدون دبر كل صلاة ثلاثا وثلاثين مرة.
 
قال أبو صالح فرجع فقراء المهاجرين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا سمع إخواننا أهل الأموال بما فعلنا ففعلوا مثله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاءإرساء.
 
والله من وراء القصد .
 
 
 
 
 
 
1 -  قصة الحضارة ،وول ديورانيت طبعة مكتبة الأسرة المصرية 2001 ، الإسلام والغرب ، روم لاندو ، ترجمة منير البعبلكي طبعة دار العلم للملايين بيروت 1962
 
2- موسوعة بيان الإسلام : 1/217
 
3 - سورة يس : 47
 
4 - سورة الحديد : 20
 
5 - موطأ الإمام مالك : (رقم الحديث : 1495) – 1/ 579 :580
 
6 - تفسير المنار :3/ 200
 
7 - سورة النساء - الآية 37
 
8 - مجموع فتاوي بن تيمية : 18/ 333
 
8- تفسير إبن كثير :2/ 303
 
9 - السنن الكبري للبيهقي : (رقم المسألة : 5949) -3/ 271
 
10 -سورة الحجرات : الآية 13
 
11 - تفسير المنار : 4/ 226
 
12 -فتح القديرلإبن الهمام :2/200
 
13 - قواعد الأحكام (عز الدين بن عبدالسلام ): 1/30
 
14 - بدائع الصنائع : 2/4
 
15 - المستدرك علي الصحيحين : (3334) 3/67
 
16 - شرح النووي علي مسلم : (مسألأة رقم : 595) 1/ 242