الشباب والعمل التطوعي
23 يوليو 2013 - 15 رمضان 1434 هـ( 670 زيارة ) .

أصبح العمل التطوعي مطلبا من متطلبات الحياة المعاصرة في كل المجتمعات، ويعد الانخراط في العمل التطوعي مؤشرا مهما في تقدم الأمم وازدهارها، ذلك لأن العمل التطوعي خدمة انسانية وطنية تهدف إلى خدمة الوطن وأهله، والمساهمة في تحقيق التنمية، وتعزيز المكتسبات الوطنية، ويمتاز العمل التطوعي بسعة مجالاته، وتعدد ميادينه، فلا تستطيع أن تستثني ميدانا من ميادين الحياة من ذلك العمل، بل إنه في ظل تعقيدات الحياة المعاصرة، وتغير المعطيات الاجتماعية والاقتصادية في مجتمعنا اليوم تزداد الحاجة إلى العمل التطوعي، وتنامى المسؤولية الاجتماعية للأفراد بشكل كبير، إذ تصبح الجهات الرسمية الحكومية والأهلية بحاجة ماسة إلى جهود المتطوعين للوفاء بمتطلبات التنمية، وتنفيذ الخطط والمشروعات المناطة بها. وهذا ليس بدعا ولا حصرا على بلادنا، بل أصبح ذلك عرفا وطنيا في كثير من بلدان العالم المتحضر.


خطر كل هذا في بالي، حينما زرت عددا من المتنزهات الجميلة في منطقة عسير، وشاهدت جموعا كبيرة جدا من الشباب المتحلقين والمصطفين على جنبات الطرقات الرئيسة لتلك المتنزهات، شباب في عمر الزهور، يفترشون جانبي الطريق، وكلما اقتربت الجلسة من شفير الطرقات كلما زادت الأصوات ارتفاعا، والحركة نشاطا، ولا تسأل عزيزي القارئ عن نظافة المكان الذي يتحلق فيه الشباب، وتساءلت وأنا أشاهد تلك الجموع المتكررة في أكثر من مكان وزمان، ألا يمكن أن يستفاد من تلك الطاقات الشابة الممتلئة بالنشاط والحيوية؟ ألا يمكن أن توظف تلك الطاقات الشابة فيما يخدم المجتمع، ويسهم في التنمية والتطوير؟ اقتربت من بعض المشاركين في تلك التجمعات وتحدثت إليهم في موضوعات شتى، محاولا معرفة الهدف من وراء تلك الأعمال التي يمارسونها، والفائدة التي يجنونها من وراء ذلك، وما أهمية الوقت الذي يضيع عليهم بدون جدوى، وأسئلة كثيرة جرها الحوار معهم، ثم طرحت عليهم فكرة الأعمال التطوعية والمساهمة فيها، وما يمكن أن يجنيه الوطن بكامله إذا ما أفيد من تلك الطاقات المهدرة في الأعمال التطوعية، وقد وجدت من الأغلبية ممن حدثته ترحيبا منقطع النظير، ووجدت شبابا متحمسا للعمل التطوعي، ولدية الرغبة في تقديم العون والمساعدة في أي مجال يطلب منه، واتضح لي من خلال الحديث معهم أن فكرة العمل التطوعي بقدر ما هو مرحب بها لديهم، فهي غائبة عنهم تماما، بل أستطيع القول إن هناك جهلا تاما بأهمية العمل التطوعي، ودوره في البناء الحضاري لمجتمعنا، إذ لم يسبق أن دعوا إلى شيء من ذلك، وليس لديهم المعرفة كيف يمكن أن يساهموا في الأعمال التطوعية، وخرجت من الحوار بنتيجة مفادها أن هناك تقصيرا كبيرا جدا في فهم أهمية العمل التطوعي، ونشر ثقافة العمل التطوعي في الوسط الاجتماعي بشكل عام، وفي أوساط الشباب بشكل خاص، والاستفادة من تلك الطاقات الشابة، في خدمة الوطن، خاصة وأن مجتمعنا السعودي تغلب عليه فئة الشباب بنسبة كبيرة.


ومع علمي بوجود بعض الجهات المعنية بمثل هذه الأمور سواء في وزارة الشؤون الاجتماعية أو غيرها إلا أن الواقع الاجتماعي يشير إلى نقص كبير في الجهود المبذولة في نشر ثقافة العمل التطوعي والتعريف بأهميته، وإبراز دوره في خدمة المجتمع وتنميته. وأنا لا أتحدث هنا عما تقوم به الجمعيات الخيرية وما شابهها من جهود في الجوانب التي تدخل ضمن دائرة اهتمامها، فذلك مجال آخر يطول الحديث عنه، ولكل وجهة نظر حوله، وإنما أتحدث عن الأعمال التطوعية الميدانية التي يمكن أن تكون ميدانا رحبا لتوظيف طاقات أولئك الشباب، والإفادة منهم في خدمة وطنهم، والمساهمة في رقي مجتمعهم.


وأرى أن من الضرورة وجود نظام واضح ومعلن للعمل التطوعي، مع إيجاد حوافز تقديرية وتشجيعية للمسهمين فيه، والتركيز بشكل خاص على الشباب، وتقديم برامج تثقيفية، ودورات تدريبية لهم على العمل التطوعي، وميادينه ومجالاته، وطرقه وأساليبه، ومكتسباته للوطن والمواطن. ولعل الجوائز المحلية، ومجالس الشباب - التي أنشئت في كثير من مناطق المملكة اليوم- والهيئات السياحية، ولجان التنمية المحلية، وخطباء المساجد والدعاة، فضلا عن الجهات الحكومية المعنية، تساهم في تدارك هذا النقص، من خلال تقديم برامج مشتركة تخدم الفكرة، وتحقق الهدف، على أن تكون برامج عملية واقعية تدريبية بعيدة عن التنظير، كما أرى ضرورة إنشاء جمعيات أهلية للمتطوعين في جميع مناطق المملكة، تدار بأيدي الشباب وتكون برامجها وفعالياتها متوافقة مع احتياجات المجتمع المحلي المقامة به تلك الجمعيات، ولعل هذا مما يساهم في نشر ثقافة العمل التطوعي، ويسهم في الإفادة من طاقات الشباب المهدرة، وتوظيف أوقات الفراغ لديهم فيما يعود بالنفع والفائدة عليهم وعلى وطنهم، وينمي فيهم الإحساس بالمسؤولية تجاه مجتمعهم، ويعزز الانتماء الوطني لديهم، ويشعرهم بدورهم المهم في المحافظة على المكتسبات الوطنية.