الجمعيات الخيرية.. بين (كعكة التبرع) وحفظ كرامة المحتاجين!
16 يوليو 2013 - 8 رمضان 1434 هـ( 719 زيارة ) .

في الوقت الذي توجد فيه بالسعودية قرابة 700 جمعية ومؤسسة خيرية فإن حالة الرضا عنها لا تبدو متوازية مع الأنشطة الإعلامية التي تقوم بها.

وبالنظر إلى الرقم فإن هذا العدد الذي قد يبدو كبيراً هو صغير فعلاً مقارنة بأرقام عالمية؛ ففي أمريكا مثلاً تؤكد الإحصائيات وجود أكثر من مليون جمعية ومؤسسة خيرية، بمعدل جمعية لكل 200 شخص تقريباً، ويتم الترخيص لقرابة 700 جمعية سنوياً.

وفي إسرائيل أكثر من 40 ألف مؤسسة خيرية، بمعدل جمعية خيرية واحدة لكل 193 شخصاً تقريباً.

الفارق الكبير أيضاً يؤكده د. صالح الوهيبي، الأمين العام للندوة العالمية للشباب الإسلامي، قائلاً: "لا يزال عدد الجمعيات قليلاً مقارنة بما يحدث في الدول الأخرى، وبرغم أن الخليج الأكثر منحاً فليس في دوله أكثر من 1500 جمعية، منها 80  % في السعودية، بينما فيما في مصر مثلاً أكثر من 22 ألف جمعية".

وعلى خط الشفافية ربما يمكن الإشارة لما نشرته (فوربس- الشرق الأوسط)، وللمرة الثانية على التوالي، في قائمة (الجمعيات الخيرية الأكثر شفافية في العالم العربي). ومن بين 61 جمعية عربية برزت الجمعية الخيرية لرعاية الأيتام بمنطقة الرياض (إنسان) في المركز الرابع، ثم في المركز التاسع جمعية (زمزم) للخدمات الصحية التطوعية.

وعن الأهمية فلا خلاف على أن الجمعيات الخيرية تمثل رافداً مهماً وفاعلاً في إثراء العمل الخيري المجتمعي، وتقديم المساعدات والرعاية للأسر الفقيرة.

أما عن الأداء فيؤكد المختصون أن الجمعيات الخيرية في السعودية تتفاوت بشكل كبير؛ فهناك جمعيات قليلة متميزة، والباقي ما بين متواضعة وهزيلة وغائبة. والأخيرة غالباً لا موارد لديها، ولا سياسة تسويقية تحفز المانحين، ولا كوادر مؤهلة.

- بين العطاء وكرامة المحتاج..؟

ولعله من المفارقة أيضاً أن تتم مطالبة الجمعيات الخيرية بجانب إنساني. يقول الأمين العام للمجلس التنسيقي للجمعيات الخيرية بمنطقة الباحة، الدكتور عبدالله مخايش: "على الجمعيات الخيرية المحافظة على كرامة الإنسان من خلال إيصال المساعدات إليه بالطريقة السليمة والصحيحة. ينبغي تطوير العمل بها؛ ليتحول إلى عمل مؤسساتي يقوم على خطة استراتيجية، ترتكز على المبادرة وبناء الشراكة، وليس انتظار حاجات المجتمع".

قريباً من ذلك وانتقاداً لما يوصف بـ"الإهانة" يقول الكاتب بصحيفة "الوطن" سطام المقرن: "... طريقة بعض الجمعيات أدت إلى أن يخسر الناس كرامتهم، وأن يمدوا أيديهم، وأن يتقاتلوا عند أبوابها، خاصة في شهر رمضان. لماذا ننزعج من هذه المقولات أو الاتهامات؟.. أليس الكثير من المؤسسات والجمعيات الخيرية تعاني خللاً وضعفاً إدارياً ورقابياً واضحاً؟".

في المقابل، ومع رمضان المبارك، غالباً تظهر المناسبات الخيرية بمظاهر باذخة، وهو أمر تبرره نعيمة الزامل رئيسة جمعية (ود) الخيرية بقولها: "هذا ليس استنزافاً لموارد أو أموال الجمعية في المهرجانات وحفلات التبرع النسوية؛ فتدني مستواها لن يجذب الجمهور".

- غياب الفكر.. وكعكة التبرع

يقول د. عبد الله الحريري واصفاً الجمعيات الخيرية بالقطاع الثالث في منظومة خدمة الناس والمجتمعات بجانب القطاعين الحكومي والخاص: "القطاع الثالث مغيب في معظم البلدان العربية. عدد الجمعيات الخيرية لدينا مخجل. في دول كثيرة تقوم بدور مساند للمؤسسات الحكومية في مجالات عديدة اجتماعياً وإغاثياً وتعليمياً وتوعوياً ودينياً".

على الصعيد ذاته يحصر تقرير صحفي، ومن خلال لقاءات ميدانية، بعض أهم ما يقوله المحتاجون، ومن ذلك تأخر الجمعيات الخيرية في تقديم الإعانة حتى بعد دخول رمضان، والمفترض قبل ذلك، إضافة للتأخر عن سداد فواتير الكهرباء لمعدمين، وضَعف توزيع السلال الغذائية، مع كثرة المطالبات بشروط تعجيزية للاستفادة من خدماتها.

إن تقييم وضع الجمعيات الخيرية، سواء في رمضان أو غيره، مستمرٌ. تقول الكاتبة تهاني الدويهم: "بعض الجمعيات الخيرية حققت الأهداف، وهناك جمعيات ربما لم تصل إلى المستوى المنشود لغياب الخطط المستدامة". مؤكدة: "النسبة التي تحصل عليها الجمعيات الخيرية من الحكومة كافية، لكن تبقى المسؤولية عند مسؤولي الجمعية في مصداقية تنفيذ المشاريع وجعلها مستدامة".

واقع الجمعيات حتى من شهود من الداخل يؤكد أنه وضع ليس بالمأمول. يقول أ. د. علي عبد الله آل إبراهيم: "من أبرز المعوقات التي عايشتها بشخصي غياب الخطط الاستراتيجية عند العديد من المؤسسات الخيرية في دول مجلس التعاون الخليجي. معظم هذه المؤسسات تدير أعمالها بخطط قصيرة الأمد، وتتفاعل مع الحاجات وفق منهجيات ردود الأفعال".

ويرى د. صالح الوهيبي، الأمين العام للندوة العالمية للشباب الإسلامي، أن "على العاملين في القطاع الخيري والتطوعي ضرورة رفع مستوى التنسيق في الجهود والبرامج؛ لترتقي بعملها إلى مستويات العمل الدولي، وأن تلتفت إلى إيجاد أنظمة وتشريعات تكفل تنظيم عملها، في مقابل إيجاد جهات رقابية".

وعن جانب لا يقل أهمية يتحدث عنه أيضاً د. الوهيبي: "من المهم جداً تفعيل البرامج الاستثمارية والأوقاف؛ هذا الأمر ضروري للغاية".

أما د. عبد العزيز المقوشي، مساعد المدير العام في مؤسسة سلطان بن عبد العزيز الخيرية، فيقول: "بات في كل منطقة عشرات الجمعيات الخيرية التي تُعنى بفئة معينة، في وقت قد لا يصل فيه عدد المستفيدين من تلك الخدمات إلى عدد تلك الجمعيات. ذلك يمكن وصفه بالسباق على كعكة التبرعات".

مؤكداً إشكالية كبيرة "هذا السباق أو التنافس أحدث نوعاً من الخلط لدى المتبرعين عمن يستحق التبرع؟ وهو ما دفع بعض أهل الخير للتفكير في إقامة مؤسسات وجمعيات خيرية شخصية، يتحمل كل تبعاتها ضماناً لوصول تبرعاته للفئة المستهدفة وفي الوقت الذي يختاره".

- عوائق أم تردي..؟

الجمعيات الخيرية بقدر الشكوى والملاحظات عليها هي أيضاً تواجه صعوبات وعوائق؛ فقد كشفت دراسة علمية أجرتها مؤسسة سليمان بن عبدالعزيز الراجحي الخيرية، من خلال تحليل القوائم المالية لـ(74) جمعية خيرية ولجنة تنمية اجتماعية، أن 10 % فقط من موارد الجمعيات الخيرية موارد مستدامة، والباقي تعتمد على الدعمَيْن الحكومي والأهلي، وهو ما يمثل خطورة على مستقبلها بحكم أن الحكومي والأهلي مرهونان بظروف اقتصادية واجتماعية وسياسية.

وعلى صعيد العقبات أيضاً يرى عاملون في قطاع العمل الخيري أن 90 في المائة من التبرعات عبارة عن أموال مخصصة ذات توجيه شرعي محدد، لا يمكن التصرف فيها، كالزكاة وكفالة الأيتام.

من جهتها تضع فوزية الطاسان، مديرة الجمعية الفيصلية النسوية في جدة، علامة استفهام قوية: "الجمعيات الخيرية في المناطق البعيدة تعاني زيادة طلب وضعف واردات، بعكس ما يحدث في المدن".

أما خالد بن عبد الله السريحي، المدير العام للمركز الدولي للدراسات والأبحاث (مداد)، فيقول:" المشكلة تتمثل في عدم وجود خطة وطنية استراتيجية للعمل الخيري، تنظم العمل والعلاقة بين الجمعيات نفسها والقطاعين العام والخاص".

ويورد تقرير نشرته "الاقتصادية" نصائح عدد من الخبراء للجمعيات الخيرية؛ لتخرج من دائرة الاتهام، من أبرزها اعتماد نظم محاسبية قانونية معتمدة، وأن تكون الدورة المستندية واضحة وسلسة ومنضبطة، من دخول التبرع إلى جميع مراحله، وصولاً لتكثيف التدريب لموظفيها، مع وضع نظام رقابي داخلي.

- مسألة ثقة..

رجال الأعمال والداعمون لهم رأيهم أيضاً. يقول رجل الأعمال "سليمان الجابري": "كثير من المتبرعين الذين يقدمون الأموال لهذه الجمعيات يتأثر قرارهم غالباً بمدى مصداقية الجمعية ومدى ثقتهم بها، ولكن نظراً لصعوبة تحديد أي الجمعيات الأكثر كفاءة أو الأكثر مصداقية فقد يتردد الكثير من المتبرعين في منح أموالهم أو هباتهم؛ فتضيع فرص كثيرة لاستفادة الفقراء".

وفي كل الأحوال ستبقى الجمعيات الخيرية رافداً مهماً وفاعلاً في إثراء العمل الخيري المجتمعي، وتقديم المساعدات للفقراء والمحتاجين، ورعاية الأسر الفقيرة.

ويبقى السؤال الأهم: إلى أي مدى الحاجة لتقييمها، وتحديد حاجتها لتنظيمات وتشريعات جديدة، تكفل أن تخرج إلى دائرة الشفافية، وتقديم عمل يليق ببلاد العطاء في ظل أوضاعها الحالية؟