95% من مداخيل الجمعيات الخيرية تذهب للأفواه
1 يناير 1970 - 23 شوال 1389 هـ( 2073 زيارة ) .
 
العنوان يكشف الكثير من المعلومات، هو معلومة وشرح ومقالة أكثر منه مجرد عنوان..  وفقا لدراسة أعدها باحث اجتماعي في البحرين فإن 95% من العمل الخيري، الذي تمارسه الصناديق الخيرية، يقدم على هيئة مساعدات للأسر المحتاجة. تلك دراسة قدمت واقع ممارسة في دولة قريبة مشابهة في البيئة، والزمن، والممارسة، والثقافة تقريبا.
 
خطر هذه الممارسة أنها تعني التآكل، تعني ثقافة "كُل ما في الجيب يأتيك ما في الغيب"، هذه الثقافة والممارسة تكون بأسباب، قد يكون منها: قلة الموارد المالية للجمعية، وتزايد المنافسة على قطعة التبرعات، وضعف مشاريع التسويق والاستثمار، وتنامي عدد المستفيدين، ودخول شرائح جديدة بحكم التضخم الذي يظهر في ارتفاع السلع والإيجارات، ورغبة الفقير في استمرار تلقي الدعم والمساعدة من الجمعية، وعدم استيعابه فكرة الأموال التي بالجمعيات، مصدرها وطرق صرفها المثلى، ظنا منه أنها حق مكتسب، وأن المجتمع بقطاعاته مسؤول عن تغذيته ودعمه، وشطارته هي في قدرته على الاستفادة من كافة الجهات التي يمكن إظهار المسكنة لها، وتحصيل موارد مالية منها، وتعاطف المجتمع مع حالة الفقير، ورغبتهم ـ على كافة مستوياتهم الثقافية ـ باستمرار تلقي المساعدة، بغض النظر عن الآثار السلبية على تلك الأسر من جعلها عالة، وعدم تمكنها من التحول للأسر المنتجة المكتفية .
 
إن الأبوين اللذين يحبان طفلهما الصغير يقسوان عليه أحيانا لمصلحته، مثل: إعطائه الدواء على مرارته، ومثل منعه من بعض الطعام لمصلحته، وإصراهم على انتقاله مشيا ليقوى، ونزعه من فراشه باكرا ليذهب للمدرسة .
 
هكذا إذن الفكرة من حجب بعض المساعدات، وتوقف بعضها عن بعض الأسر؛ لكي تتحسن وتقوى.
 
وعلى هذا ربما يصح في ذلك ما جاء في بيت الشعر الذي ينسب لابن زيدون :
 
فَقَسا لِتَزدَجِروا وَمَن يَكُ حازِماً       فَليَقسُ أَحياناً وَحيناً يَرحَمُ
 
من الأسباب كذلك: عدم وجود رؤية واستراتيجية للجمعية تنوع فيها برامجها، وتتوزع بين الاهتمامات المناطة بها، بحيث يكون فيها شيء من التطوير والتحسين، والاهتمام بالتقنية والبرامج الاجتماعية والإثرائية والتعليمية، بدل التركيز على تقديم مشاريع مكررة، مثل: سلة الغذاء، والاستمتاع بارتفاع أرقام المساعدات، أو بانتظامها، أو تزايد عدد الأسر المسجلة كمستفيدة من الخدمات .
 
أعجبني ـ مؤخرا ـ الطرح المقدم من الباحث غسان الصديقي: عن الاستراتيجيات الأهم التي ينبغي للجمعيات الخيرية التوجه لها، عدّ منها نقاطا خمسا، هي: توثيق صلة المجتمع بالإعلام، نشر ثقافة التطوع الأسري، فتح المجال للمجموعات الشبابية التطوعية، التوسع في فتح المؤسسات غير الربحية التي تعمل بنفس تجاري يعاد رأس مال أرباحه نحو العمل الخيري المستهدف، تشجيع الأفكار الاجتماعية والممارسات .
 
عزيزي القارئ الكريم: لا شك أن تقديم المساعدات والأدوار المطلوبة من الجمعيات كمنظمات إغاثية مطلب مهم، ويلبي رغبة المتبرع والمتطوع، لكن بتوسيع النظرة لاستثمار الموارد وتطويرها، وحسن توزيعها، وعدم التوجه لاستهلاكها في المشاريع الإغاثية دون توزيع مناسب بالحصص والنسب بين التعليم والتدريب والتطوير والتقنية والاستثمار وتطوير الموارد البشرية والأنظمة والإعلام في المؤسسات الخيرية ـ سيجعل من تلك الجمعيات، بعد مدة من الزمن، تتآكل، وربما تكون عاجزة عن القيام بأهدافها المطلوبة، بل وستكون عاجزة حتى عن الحصول على أعضاء أو قيادات إدارية وموارد بشرية قادرة على إدارة أعمالها، وتحقيق أهدافها، وتطويرها، وتحسين خدماتها، والعمل بمواردها نحو الاستدامة المالية .
 
 أتمنى أن تشهد الأعوام القريبة تحولات في طريقة إدارة العمل الاجتماعي، بالتوازن بين الأفواه والعقول، خاصة في بلد يتجه نحو إنتاج المعرفة .